انضم إلينا
اغلاق
كاثرين جونسون.. حاسوب يرتدي تنورة أرسل البشر للفضاء!

كاثرين جونسون.. حاسوب يرتدي تنورة أرسل البشر للفضاء!

  • ض
  • ض

"اتصلوا بها، وإذا قالت إن الحسابات صحيحة فسأصعد للفضاء"، كان ذلك أحد الاقتباسات(1) من رائد الفضاء الأميركي الشهير "جون جلين"، قبيل رحلته التاريخية للفضاء في العام 1962، كان خائفا حقا وهناك أسباب وجيهة لذلك، حيث من المفترض أن يدور جلين حول الأرض عدة مرات، وهي المحاولة الأولى في التاريخ التي يحاول فيها أحدهم أن يُجري مناورة بتلك الصعوبة، كذلك فإنه سينزل، مع كبسولته الضيقة، إلى مكان غير معتاد.

  

كانت وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) في ذلك الوقت تستعين بحواسيب دقيقة من شركة "IBM"، لكن جلين لم يكن يثق بها، خاصة مع ظهور بعض الخلل، وطلب بشكل خاص أن تُشرف كاثرين جوبل جونسون*، متخصصة الرياضيات التي عملت في وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) وقتها، على الحسابات النهائية لمواضع الهبوط. لكن جونسون كانت سمراء البشرة من أصول أفريقية، وفي تلك الفترة كانت درجات العنصرية تجاهها كبيرة في الوكالة، لذلك رفض المسؤولون أن تُستدعى لتُدقِّق في حسابات الحواسيب أو مراجعاتهم لها.

  

لكن جلين أصرَّ، ربما بشكل غير طبيعي، على ذلك -نقتبس منه: "أحضروا الفتاة" (Get The girl)- وإلا فإنه لن يصعد للفضاء، وحينما جاءت كاثرين وأتمت حساباتها في ثلاثة أيام كاملة قال صديقنا الذي سيصبح بعد أيام أحد أشهر رواد الفضاء في التاريخ مع مهمته ميركوري أتلاس 6: "إذا كانت قد قالت إن الحسابات صحيحة، فهي كذلك، أنا جاهز للإقلاع(2)". تُرى، مَن هي تلك الفتاة السمراء التي وضعت كل الثقة في قلب رائد فضاء أبيض في تلك الفترة العنصرية من تاريخ أميركا؟!

   

لأنها فتاة سمراء

  

بدأت جونسون حياتها بمأساة، ليس لأنها معاقة أو لأنها فقدت أحد أبويها، بل لأنها فتاة، وسمراء البشرة في الوقت ذاته، في مجتمع يعامل أصحاب البشرة السمراء عموما، والفتيات بوجه خاص، على أنهم أقرب ما يكون للقرود. كطفلة، لم تكن الصغيرة كاثرين لتُدرك ذلك بعد، بل كانت منهمكة فيما تحب، وهو عدّ(3) الأشياء فقط لمجرد التسلية، كم طبقا في المنزل؟ في السوق؟ كم ملعقة؟ كم عدد أقدام الناس في الشارع؟ كم عدد درجات السلّم؟ وعندما وصلت للعاشرة من عمرها كانت قادرة على فهم رياضيات المرحلة الثانوية بسهولة.

   

كانت موهبة الطفلة الصغيرة واضحة، لذلك قرّر والداها السفر إلى منطقة أخرى في الولاية نفسها لإدخالها إلى مدرسة متقدمة، لأن المنطقة التي عاشوا بها لم تسمح بتجاوز أصحاب البشرة الداكنة للصف الثامن، استمرت كاثرين في تفوُّقها بالرياضيات لدرجة أنها تخرجت في عمر الثامنة عشرة فقط مما نعرفه الآن باسم جامعة فيرجينيا الغربية، في أثناء دراستها قدّم الأساتذة مساقات إضافية خاصة من أجلها فقط لأنها فاقت رفاقها، الآن دعنا نتجاوز نحو 15 سنة إضافية من عمر كاثرين لنصل إلى لحظة عملها في وكالة ناسا.

  

في تلك الفترة، كانت كاثرين أمًّا لثلاث فتيات مات أبوهن بسبب السرطان. في تجمع عائلي ما، ذكر أحد الأقارب أن اللجنة الاستشارية الوطنية للملاحة الجوية (NACA) -الاسم القديم لـ "ناسا"- كانت تطلب متخصصين في الرياضيات للعمل كحواسيب بشرية، في مختبر لانجلي التذكاري للطيران، القريب نسبيا. وبما أن معظم أصحاب تلك المهنة كُنّ من الفتيات، أصحاب البشرة البيضاء والداكنة، أُطلق عليهن لقب شهير في تلك الفترة: "حاسوب يرتدي تنورة".

  

حينما ارتدى الحاسوب تنورة

  

الفكرة بسيطة(4)، في تلك الفترة من تاريخ وكالة ناسا لم تكن الحواسيب الإلكترونية قد اختُرعت بعد، لذلك كان هناك فريقان يعملان لحل المشكلات الرياضية، الأول هو فريق المهندسين الذي يُصمِّم المعادلات التي تصف صعود وهبوط وخط سير المركبات الفضائية، وفريق الحواسيب البشرية، الذي يقوم بدور الحاسوب، وهو التطبيق الحسابي لتلك العمليات، بالضبط -لكن هذا مثال مبسط جدا- كما تفعل الآلة الحاسبة بالنسبة لك في المدرسة أو الجامعة. حينما تخرج الأرقام من الآلات الحاسبة، يبدأ التطبيق على أرض الواقع.

   

حدث في إحدى المرات أن طلب فريق المهندسين من قسم الحواسيب البشرية فتيات لهن خبرة في نطاق "الهندسة التحليلية"، كانت تلك هي نقطة تفوُّق كاثرين التي ألقت بها بين العباقرة. مع هذا الفريق، الذي -بحد تعبيرها الساخر- "نسي أن يُعيدها إلى قسم الحواسيب البشرية لأنها كانت مفيدة جدا"، تمكّنت كاثرين(5) من بناء الرياضيات التي وضعت أول أميركي في الفضاء (ألان شيبارد)، في العام 1961. بعد ذلك استمرت مع الفريق نفسه في العمل على تطوير رياضيات جديدة تماما يمكن لها أن تدور بجون جلين حول الأرض ثم تُعيده مرة أخرى سالما إلى الأرض، استمرت كاثرين في مهامها مع برنامج الفضاء الأميركي وصولا إلى اللحظة التي وصل فيها نيل أرمسترونج إلى القمر، كان أول إنسان يفعل ذلك.

   

قبل عدة أعوام، أطلقت وكالة ناسا اسم جونسون على مبنى بحثي جديد تبلغ مساحته نحو 4 آلاف متر مربع، تكريما لدورها الكبير في مشروع الفضاء الأميركي منذ انطلاقه وحتى فترة قصيرة مضت، حضرت جونسون حفل الافتتاح كضيف شرف، وقال نائب مدير الوكالة(6): "شاهد ملايين الأشخاص حول العالم رحلة شيبرد كأول أميركي يذهب للفضاء، لكن ما لم يعرفوه في ذلك الوقت هو أن الحسابات الرياضية التي وصلت به إلى الفضاء وأنزلته بسلام أُجريت بواسطة ضيف شرف هذا الحفل".

   

إذا تأملت الأمر قليلا فستجد أن عبقرية كاثرين لم تكن فقط هي ما أوصلها إلى تلك المكانة، هناك سببان إضافيان، الأول أنها كانت تعرف جيدا أن السر الرئيسي للفت الانتباه هو بذلها كل الجهد الممكن لإثبات وجودها عبر حسابات دقيقة جدا، ابتكرت صديقتنا -أثناء عملها- آليات لم تخطر على بال رفاقها، وتقول في أحد الحوارات(7): "كل ما كنت أحتاج إليه هو أن يحدد رائد الفضاء النقطة التي يود أن ينزل فيها على الأرض، بعد ذلك أقوم بإرجاع كل الرحلة إلى الوراء، إلى الفضاء ثم إلى الأرض مرة أخرى لحظة الإقلاع، عبر المعادلات الرياضية".

  

ليس بالعبقرية وحدها

  

أما السبب الآخر الأكثر لفتا للانتباه فهو أنها كانت حازمة(8)، وعدوانية في بعض الأحيان، كانت تعرف أن لها قدرة هائلة في هذا النطاق، وأن ذلك هو الشيء الوحيد القادر على تجنيبها كل العنصرية الممكنة تجاه نوعها ولون بشرتها، خاصة مع الضغط السياسي الشديد على إدارتها لإنجاز الحسابات، ولقد نجحت في ذلك بصورة غير مسبوقة. يُذكر مثلا أنها دائما ما كانت تُصِرُّ -رغم الرفض المتكرر- على وضع اسمها في خانة "المؤلف المشارك" بالأوراق البحثية، رغم أن ذلك كان ممنوعا على الحواسيب البشرية، فإنها فعلته على أية حال، ونالت مرادها في النهاية، نعرف الآن أن كاثرين نشرت 26 ورقة بحثية كمؤلف مشارك، وكانت أول امرأة تحصل على ذلك في ناسا.

   

من جهة أخرى فإن كاثرين كانت تطلب دخول اجتماعات الوكالة التي ترصد التغيرات في معايير الرحلات الفضائية، وكانت اجتماعات للرجال فقط، إلا أنها أصرّت بدعوى أنها المسؤولة الأولى عن تلك الحسابات وبالتالي فإنها يجب أن تكون أول مَن يعرف بالتغيرات، في أحد تلك الاجتماعات -وبينما كان جون جلين جالسا- لم يتمكّن المهندس المسؤول من إجابة أحد الأسئلة الدقيقة فقال(9): "حسنا، دعوني أسأل كاثرين"، كانت تلك هي اللحظة المناسبة تماما للتألق، انتهزتها فتاة الرياضيات البارعة بكل رضا وثقة، وهنا أيضا عرف جلين أنها فتاته التي يثق بها من بين فريق عمل كله من الرجال ذوي البشرة البيضاء!

   

رغم ذلك، فإن حياة كاثرين لم تكن طريقا مفتوحا للحرية، في تلك الفترة من تاريخ بلادها كان لذوي البشرة الداكنة مدارس خاصة، مطاعم خاصة، أماكن خاصة في المواصلات العامة، موضع خاص متدنٍّ في كل شيء. لكي تذهب إلى المرحاض في وكالة الفضاء والطيران الأميركية كان عليها أن تسير مسافة كيلومتر كامل تقريبا، لأن مراحيض أصحاب البشرة الداكنة موجودة في مبنى آخر، كثيرا ما تعرّضت للتضييق والإقصاء وإزالة اسمها من على إنجازات خاصة بها.

    

في عمر 97 عاما، حصلت كاثرين على وسام الحرية الرئاسي، أعلى وسام مدني بالولايات المتحدة الاميركية (وكالة الأنباء الأوروبية)

    

تهديد غير طبيعي

لكن الأكثر قسوة دائما بالنسبة لفتيات مثل كاثرين لم يكن التحقير من شأنها، بل كان ما نسميه بـ "تهديد الصورة النمطية"(10) (Stereotype threat)، وهو ميل مجموعة بعينها من البشر إلى تأكيد فكرة المجتمع عنها، فمثلا كون المجتمع ينظر لفتاة سمراء على أنها ليست مؤهلة لدراسة الرياضيات أو العلوم أو الهندسة يدفع بها إلى التوتر والخوف في أثناء محاولتها لدراسة تلك الموضوعات، فتفقد الثقة في ذاتها وتفشل فعلا مؤكدة لصورة المجتمع عنها، لكن ذلك بالأساس لم يكن له علاقة بقدراتها.

    

يمكن لنا الرجوع بتلك الفكرة إلى التسعينيات(11)عندما قام ستيفن سبينسر من جامعة ولاية أوهايو بدراسة تأثير تهديد الصورة النمطية على طالبات وطلبة من المستوى الدراسي نفسه، حيث أُخبِرت الفتيات بأن هذا الاختبار في الرياضيات هدفه هو توضيح درجة الفارق بين الذكر والأنثى في القدرات الرياضية، فحققت الفتيات نتائج منخفضة للغاية، لكن حينما أُخبِرن أنه اختبار معتاد لا علاقة له بذلك سجلن نتائج مساوية لأقرانهن من الطلبة الذكور.

   

أما في قسم علم النفس الاجتماعي بجامعة كاليفورنيا، فقد أخضع الباحثون(12) مجموعات مختارة من الطلبة لاختبار في الرياضيات. جزء من تلك المجموعة من أصحاب البشرة الداكنة وآخر من أصحاب البشرة البيضاء، ولهما درجات متساوية في امتحانات "سات" (SAT). قُسِّمت المجموعات على حسب الهدف من الاختبار.

     

إن أكثر الأشياء إيلاما، ربما، هو أن تحتاج إلى بذل جهد استثنائي كي تحصل لنفسك على مكان عادي في هذا العالم، مكان يمكن لأي أحد أن يحصل عليه بجهد أقل بكثير

مواقع التواصل
   

إنه الاختبار نفسه، لكن تلك المجموعة من السود، والتي أُخبِرت أن الاختبار يقيس درجة قدراتهم الإدراكية حققت نتائج أقل كثيرا من تلك التي أُخبِرت أنه اختبار عادي في تخصصهم. لقد أصابهم الرعب لمجرد أنهم شعروا أنهم في اختبار للمقارنة. على عدة عقود، وخلال عدة مئات من الدراسات(13)، أشارت التجارب إلى أن تأثير تهديد الصورة النمطية على الفئات التي تحمل صورة نمطية سلبية عن ذواتها كان واضحا.

   

إن أكثر الأشياء إيلاما، ربما، هو أن تحتاج إلى بذل جهد استثنائي كي تحصل لنفسك على مكان عادي في هذا العالم، مكان يمكن لأي أحد أن يحصل عليه بجهد أقل بكثير، لكنك تضطر إلى صنع فارق صارخ بحيث لا يمكن للمحيطين بك -هؤلاء الذين يغضون البصر عنك- إلا أن يلتفتوا إليه. هنا سوف تنجح بالفعل في تحقيق هدفك بنهاية القصة الطويلة، إنه ما حدث مع كاثرين بالفعل، لكنك في المقابل قد تتعلم إحدى أهم الأفكار الأكثر تأثيرا في البشر، وهو أن الحياة ليست عادلة، لكنك يجب أن تستمر في المُضي قُدما على أية حال.

    

  

لو تأملت الأمر قليلا لوجدت أن كاثرين هي فتاة استذكرت دروسها في كل مرة قدَّم لها العالم ركلة، استذكرت دروسها حينما اضطرت لاستخدام مراحيض للسود على مسافة كيلومتر كامل مشته تحت المطر في بعض الأحيان، حينما لم يسمحوا لها أن تشرب الشاي من المكان نفسه في المركز البحثي، حينما كانت تُحارب فقط لاستعارة كتاب من المكتبة، حينما كانت تتقاضى راتبا أقل وتتلقى معاملة أقل، لكن في كل مرة كان السبيل الوحيد لكي تتجاوز كاثرين التحدي هو أن تستمر في المقاومة، لأنه لم يكن لديها طريق آخر، فكل السفن مُحرَقة، وهي تقف على شط جزيرة الواقع لا شيء خلفها، بينما العالم كله كان أمامها رافضا وجودها.

   

*توفيت كاثرين جوبلز جونسون في مساء يوم الاثنين الموافق 24 فبراير/شباط 2020، عن عمر يناهز 101 سنة، جونسون إحدى ثلاث بطلات في فيلم "شخصيات مخفية" (Hidden Figures) الحاصل على الأوسكار، لعبت تاراجي بيندا هينسون دورها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار