انضم إلينا
اغلاق
ساري ضد رونالدو.. لأن الجسد لا يرحم

ساري ضد رونالدو.. لأن الجسد لا يرحم

يوسف حمدي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

موسم 2013، وخلال مواجهة يوفنتوس وهيلاس فيرونا، استبدل أنطونيو كونتي أندريا بيرلو، ليخرج إلى غرفة الملابس مباشرة دون الذهاب إلى الدكة تعبيرا عن غضبه، فما كان لكونتي إلا أن حذّر الجميع أنه في حال تكرر الأمر من أيٍّ منهم فإن العقوبة ستكون إيقافا لمدة شهر وغرامة مالية. بعدها بـ 7 سنوات تكرر الأمر ذاته بوجود ساري بدلا من كونتي وكريستيانو رونالدو بدلا من بيرلو، ثم ماذا؟ ثم ما نحن هنا من أجله. (1)(2)

 

شخصية مفقودة؟

بالطبع هو التفسير الأول لجميع الأحداث المشابهة، نظرية صراع النفوذ ما بين اللاعب والمدرب، وفي حال كان لاعب بحجم كريستيانو رونالدو هو بطل المشهد فإن الواقع يصبح أكثر خصوبة لتطبيق هذه النظرية، وفي حال كان المدرب ساري قد عانى من أحداث مشابهة من قبل، ومع لاعبين أقل نفوذا بسنوات ضوئية من رونالدو، فإن أركان الصراع تكتمل بدورها.

  

في العام الماضي حدثت الأزمة الشهيرة بين ماوريسيو ساري وحارس تشيلسي الشاب كيبا، حين أمره مدربه بالخروج ورفض الانصياع، وفي النهاية انتصرت رغبة الحارس البالغ من العمر 23 عاما فقط، ولم يعاقب سوى بغرامة مالية والاستبعاد لمباراة واحدة، كل ذلك بالطبع بعدما ظل ساري يبرر موقف حارسه في المؤتمر الصحفي، وكيف جاء رد الفعل نتيجة لسوء تفاهم فقط ليس إلا. (3)(4)

     

  

من الممكن أن يختلف الكثيرون حول قدرات ساري التدريبية، ولكن الجميع يُقِرُّ بأنه ليس نجما إلى الحد الذي يسمح له بقيادة مثل هذه المواقف، علاقته بكرة القدم بدأت في سن كبيرة، ولم يصنع شخصية ذات نفوذ خلال رحلته القصيرة، وهذا ما يُشعِر اللاعبين أنهم أصحاب اليد العليا في وجوده، فإذا كان هذا رد فعل كيبا المنتقل حديثا من أتلتيك بيلباو إلى تشيلسي، فكيف تتوقّع أن يتعامل أحد أفضل اللاعبين في تاريخ كرة القدم وأكثرهم اعتزازا بنفسه؟

  

إذن رونالدو يرفض الانصياع لأوامر ساري، لماذا؟ لأنه يشعر بأنه أكبر منه قيمة، هذا ما حدث، والجميع لجأ لهذا التفسير بمجرد لقطة خروج رونالدو أمام ميلان، وفي الحقيقة نحن لا نحتاج إلى أن نبحث خلف قوة شخصية هذا وضعف شخصية ذاك، ما نحتاج إليه حقا هو الاستفسار حول أصل القصة، ليكون التساؤل حول أسباب قرار ساري نفسه بالاستغناء المتكرر عن رونالدو وليس عن رد فعل صاروخ ماديرا.

    

  

استنساخ الماضي

وهنا سنعود إلى قضية قُتلت بحثا، ولكنها تحتاج إلى إحيائها مرة أخرى في هذا السياق؛ رونالدو وبنزيما وحكاية تفريغ المساحات من جديد، الأمر الذي لم يشهد أية معضلة طوال سنوات مرافقة صاروخ ماديرا لبنزيما فقط، المشكلة كانت في وجود عنصر ثالث بدا الاستغناء عنه ضروريا لجميع الأطراف، والآن يحاول يوفنتوس إعادة اختراع العجلة بالبحث عن أي سياق يجمعه بكريستيانو، ألا وهو غونزالو هيغوايين.

  

في البداية شعر ريال مدريد بحاجة إلى البحث عن روني جديد ليُشكِّل الشراكة مع رونالدو، في ظل تناوب بنزيما وهيغوايين على مركز المهاجم. ليس ذلك فقط، بل إن الفريق الملكي حاول الاستعانة بواين روني نفسه في أكثر من مرة حسب ما ذكر فيرغسون، قبل أن تبوء محاولاته بالفشل، فيقرر البحث عن أفضل الحلول المتاحة وفقا لما يمتلك من أدوات. (5)

  

الحل هنا كان في البحث عن أكثرهما استعدادا للتنازل عن بريقه لصالح رونالدو، نظرا لأن خورخي فالدانو المدير الرياضي لريال مدريد وقتها رأى أن المنافسة بينهما تضعهما تحت الضغط الدائم، وبناء على ذلك فإن هذه الشراكة يجب أن تنفضّ بالتخلي عن الأقل انسجاما مع رونالدو، فكان هيغوايين هو الضحية لأنه يبحث عن التسجيل دائما، كما أنه أكثر فردية وطموحا من بنزيما، المهاجم الفرنسي الذي لم يجد أي غضاضة في أن يعيش في ظل لرونالدو منذ ذلك الحين وحتى نهاية مسيرة كريستيانو مع ريال مدريد. (6)

    

غونزالو هيغوايين (رويترز)

    

على مدار سنوات توهّج رونالدو وشباب هيغوايين ثبت فشل الثنائي في الاندماج داخل كيان واحد، وكان الحل الأمثل للحصول على المنتج الأفضل من كلٍّ منهما هو أن يفترقا، وهذا ما علمه يوفنتوس حين تعاقد مع رونالدو، حيث أبلغ البيبيتا بأنه خارج الحسابات وعليه البحث عن نادٍ آخر، وهو ما حدث بالفعل برحيله إلى ميلان على سبيل الإعارة مع أحقية الشراء بنهاية الموسم. ما لم يكن في الحسبان هو أن يتنقل هيغوايين بين ميلان وتشيلسي ثم يعود إلى السيدة العجوز من جديد بعد الفشل في تسويقه. تذكّر أن خلافاتهما تلك حدثت خلال سنوات توهّج رونالدو، لم تحدث وهو يبلغ من العمر 35 عاما.

  

مرحلة جديدة من العبث ظهرت هنا، يوفنتوس يتعاقد مع ساري الذي يحب هيغوايين أكثر من أي مهاجم آخر على سطح الكوكب، فيحاول التخلّص من غونزالو لأنه لا يمكن أن يلعب بجوار رونالدو، ليظهر سؤال آخر حول ما إذا كان التعاقد مع كريستيانو ملائما لمشروع ساري أم لا، ثم سؤال ثالث حول ما إذا كان يوفنتوس يعلم هوية مدربه القادم أساسا حين تعاقد مع رونالدو أم لا، وهل وضعت الإدارة خطة لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من رونالدو داخل الملعب، أم أن التعاقد معه ذهب إلى جانب التسويق والشعبية والدعاية وما إلى ذلك فقط؟ دوامة من العبث الذي لا ينتهي في تورينو.

  

نتيجة لكل ذلك، نجد أنه لم يكن هناك تصوّر يجمع رونالدو وهيغوايين في سياق واحد، خاصة بعدما بات النجم البرتغالي أقل كفاءة مما كان عليه في 2013 وما قبلها. هي فقط ورطة اصطدم بها ساري واضطر للتعامل معها، تلك التي بدأت حين فشل يوفنتوس في تسويق الأسماء التي بحث عن التخلص منها لإنعاش ميزانيته، والمثير للسخرية أن أبرز هذه الأسماء كانا هيغوايين وديبالا، وأن ذلك الثنائي الأرجنتيني الذي أنقذته الظروف فقط من الرحيل بات الملاذ الوحيد ليوفنتوس في الموسم الحالي حتى الآن. (7)(8)

    

باولو ديبالا (رويترز)

   

حتى الآن نحن لم نصل بعد إلى الإجابة عن سؤال لماذا يُستبدَل رونالدو ويبقى هيغوايين، الجميع يعلم أن ثنائيتهما ليست أفضل شيء، ولكن الجميع غالبا سيضحي بالبيبيتا في حال اضطر لإبعاد أحدهما عن المشهد، فلماذا سار ساري ظاهريا عكس المنطق في هذه المسألة؟ سؤال يضطرنا إلى البحث في خبايا تكتيكية أكثر عمقا من الأسباب البديهية التي ذُكرت في الأيام الماضية.

    

التكتيك يحكم

هنا سنضطر للعودة إلى رحلة ساري مع نابولي، تلك التي شهدت أفضل منتج كروي قدّمه المدرب الإيطالي على الإطلاق، حيث كانت كل الأمور مثالية لتطبيق فلسفته، وحيث النموذج الذي بحث عن تطبيقه في تشيلسي ثم يوفنتوس، فعانى من غياب مفاتيح اللعب المطلوبة، ثم حاول التحايل على العناصر الموجودة لتوفيرها ولم ينجح في إنجلترا، وحتى الآن يبدو أنه لن ينجح في الأمر ذاته مع السيدة العجوز.

  

مبدئيا يعتمد ساري في نهجه الكروي على عنصرين أساسيين؛ الاستحواذ واللعب العمودي، وهذا ما يتطلّب أولا وجود عناصر دفاعية قادرة على الخروج بالكرة، ولاعبي وسط يستطيعون التحرك في أنصاف الفراغات ولديهم القدرة على إرسال التمريرات العمودية وكذلك التمرير القصير والتحرّك طوليا وعرضيا وفق مثلثات، وهذه هي اللقطة الأشهر في تكتيك ساري بالمناسبة، حيث تظل الكرة تتنقل بين الأقدام حتى نصل إلى المشهد الذي يحصل فيه أحدهم -الذي يُمثِّل رأس المثلث- على الكرة في مناطق الخطورة من الثلث الأخير لينهي العملية الهجومية، أو في مناطق متأخرة لتبدأ عملية مماثلة حتى يصل إلى الثلث الأخير حيث إنهاء الهجمة.

    

ماوريسيو ساري  (رويترز)

   

في نابولي كان رأس المثلث في مناطق الخطورة هو مارك هامشيك غالبا، مع استخدام ميرتينز وإنسيني كأنصاف أجنحة وأنصاف مهاجمين، بل وصُنّاع لعب أحيانا، التحرّك دائما ما يكون في أنصاف المساحات وبين الخطوط من أجل البحث عن الفراغات، الأمر الذي يتطلّب من جميع أفراد الثلث الأمامي الحركية بالكرة وبدونها، والقدرة على إيجاد الفراغات وصناعتها حتى في حالة عدم توفرها، والقدرة على الابتكار والحلول الفردية من أجل تحقيق كل ذلك.

  

أفراد وسط الملعب في نابولي كانوا جورجينيو وآلان ثم زيلنسكي، ومارك هامشيك الذي يتمركز خلف المهاجمين في الحالة الهجومية، ويعود ليصبح لاعب وسط إضافيا في الحالة الدفاعية وحالة البناء. أما في يوفنتوس يحاول ساري التحايل باستخدام بيرنارديسكي، لا يوجد اللاعب الذي يقوم بأدوار جورجينيو نفسها على الدائرة، ولم يتوفر لدى ساري اللاعب الشبيه، ليضطر إلى محاولة إيجاد البديل بين العناصر المتوفرة، ماتويدي وبينتانكور وخضيرة وبيانيتش. لا يبدو أن هناك لاعبا يخدم كرة ساري سوى ميراليم، وبإضافة رابيو ورامسي في الصيف لا تختلف الأمور كثيرا، فقط محاولات من قِبل المدرب الإيطالي بتعديل مركز رابيو ووضعه على الدائرة، ولكن ذلك لن يفلح لضعف رؤية اللاعب الفرنسي من جهة، وللكسل الذي يعيبه والذي تحدّث عنه ساري من قبل من جهة أخرى. (9)

  

ما علاقة ذلك بأزمة رونالدو؟ هذا ما سنتجّه إليه الآن؛ فإذا تعطّلت أغلب حلول ساري فإن ما يتبقّى له هو الاستفادة من العناصر الهجومية التي يمتلكها، وأن يحاول تشكيلها بالصورة التي تعطيه الحركية والانسيابية التي يحبّذها، عن طريق اللا مركزية والقدرة على المراوغة لإيجاد الحلول وصناعة الفراغات، ذلك بشرط أن تختار 3 فقط من رونالدو وديبالا وهيغوايين ودوغلاس كوستا وبيرنارديسكي. لو أعطى وسط الملعب جزءا من هذه الحلول فمن الممكن أن تقل أدوار المثلث الأمامي، وتتجه أدوارهم إلى المرمى وترجمة الفرص بشكل أكبر، أما في حالة يوفنتوس الآن، فإن الخيار الوحيد لساري هو استخدام مثلثه الأمامي من أجل كل شيء تقريبا.

     

   

التكتيك يحكم، مرة أخرى

السرد الطويل لتفاصيل تكتيك نابولي ساري كان من أجل هذه النقطة، ففي 2016 قدّم هيغوايين أفضل المواسم الرقمية لأي مهاجم في تاريخ الدوري الإيطالي، وأصبح الرجل المحبّب لساري قبل أن يرحل إلى يوفنتوس، وماذا بعد أن رحل؟ تغيّرت أدوار إنسيني ليلعب دور المهاجم الوهمي في ثلاثيته مع ميرتينز وكاييخون، حيث اللا مركزية وتحرّك الجميع في الثلث الأمامي بحرية وتبادل للأدوار. من أجل ماذا؟ التحرك في أنصاف المساحات والبحث عن الفراغات، تكرار هذه الكلمات ليس عبثيا بالمناسبة. (10)

  

لماذا هيغوايين؟ لأن المهاجم الأرجنتيني يمتلك كل ما يحتاج إليه ساري، يُسجِّل كثيرا، يتحرّك داخل منطقة الجزاء وخارجها وحولها، يهبط ويمرر ويسمح بتقدم الأجنحة ودخولهم للعمق، يعرف متى يتحرك وأين وفقا لمنظومة المثلثات وقاعدة البناء الهجومي التي يتّبعها المدرب الإيطالي. إذن فوفقا للرسم التكتيكي 4/3/3 سيكون المهاجم هو هيغوايين وليس رونالدو، ثم ماذا؟ ثم البحث عن أجنحة تُجيد الأدوار المركّبة المذكورة سلفا.

  

من هنا بدأت الأزمة، رونالدو لن يلعب كمهاجم صريح كما يحبّ في السنوات الأخيرة، سيتحوّل إلى جناح، مع تجربة بيرنارديسكي وكوستا وديبالا على الناحية الأخرى من أجل الاستقرار على أحدهم، أو المداورة بينهم حسب نوعية المباريات والخصوم. السؤال الآن؛ ماذا يحتاج ساري من "الجناح" رونالدو؟ تذكّر كلماتنا المفتاحية؛ التحرك في أنصاف المساحات والبحث عن الفراغات. أين؟ خارج منطقة الجزاء وحولها، وهذه هي الأزمة، أن كل ذلك لا يحدث حيث يحبّ كريستيانو؛ داخل المنطقة.

     

    

بالتعامل مع مباراة ميلان التي شهدت تفاقم الأزمة كمثال، تجد أنه بخروج رونالدو ودخول ديبالا تحوّلت كفة المباراة تماما من تفوق الروسونيري إلى سيطرة تامة لليوفي، دخول ديبالا منح ساري المزيد من الحلول الفردية، هيغوايين رقم 9 وديبالا رقم 10 مع تحرّك للجناح البديل كوستا على الطرف الآخر، ما سمح بالابتكار والارتجال أكثر حول منطقة الجزاء، الأمر الذي غاب بوجود رونالدو وهيغوايين معا كثنائي هجومي أقرب لكونهما رأسَيْ حربة من أي شيء آخر.

  

كوستا على الجناح الأيسر بدلا من رونالدو خيار يسمح بفتح الملعب عرضيا بشكل أكبر، ويعطي المساحات المرجوة لديبالا وهيغوايين، والنتيجة؟ زيادة في الفراغات واتساع أنصاف المساحات نتيجة لإفساد التنظيم الدفاعي للخصم، بين قوسين؛ الوصول إلى غاية ساري التي يبحث عنها من خلال كل تفاصيل خطته هجوميا.

  

وبناء على كل ذلك، يجد ساري نفسه في حاجة إلى إخراج رونالدو واللعب بدونه، نظرا لتحوّل صاروخ ماديرا إلى آلة تهديفية تحتاج إلى البقاء داخل منطقة الجزاء لتُترجم الفرص إلى أهداف، وهو ما لا يريده ساري من مهاجمه، يحتاج منه إلى حركية أكبر وإفساح المجال للآخرين للابتكار، لا لتكرار اللعبة كل مرة وإرسالها لرأس رونالدو أو قدميه. بالإضافة إلى أن تسلّم رونالدو الكرة خارج المنطقة يعني انتهاء الهجمة عمليا في أغلب الحالات، بسبب نزوعه للتسديدات البعيدة حتى لو كانت هناك خيارات تكتيكية أفضل، وهذا هو آخر شيء يتمناه ساري في أجنحته.

   

  

قبل مباراة ليتشي أعلن ساري استبعاد رونالدو من القائمة لإراحته، ولإبعاده عن المعجبين الذين سيطلبون التصوير معه مما سيجعله يشعر بالملل. بالطبع هذا لا يبدو مقنعا، من هنا تحديدا بدا ساري راغبا في تجربة شيء ما بدون رونالدو، وإشارة النجم البرتغالي بعد استبداله الأول في مباراة لوكموتيف موسكو تعزز هذه الفرضية، حيث أشار إلى مدربه أن هذه هي المرة الثانية التي تقوم فيها بذلك، وبالتفتيش في موسم يوفنتوس لن تجد واقعة أولى مشابهة سوى تلك التي استبعده فيها من مباراة ليتشي لسبب كوميدي للغاية. (11)(12)

  

وهنا في حال أقسم ساري ألف مرة أن خروج رونالدو جاء فقط لعدم جاهزيته بدنيًّا لن نستطيع تصديقه، ليس فقط لأن ردة فعل النجم البرتغالي الغاضبة تكشف عن الأزمة، بل لأن التحسّن التكتيكي الذي يحدث ليوفنتوس ساري بمجرد خروج كريستيانو يقودنا إلى البحث عن الأسباب الحقيقية داخل الكواليس.

  

عقب انتهاء مباراة ميلان قال فابيو كابيلو إن رونالدو لم ينجح في مراوغة لاعب منذ ثلاث سنوات، الأمر الذي يجعله جيدا داخل منطقة الجزاء فقط، أما يوفنتوس فيحتاج إلى ثنائية ديبالا وكوستا من أجل صناعة الفارق. هذه هي النقطة المفصلية، نحن لسنا هنا لمناقشة جودة رونالدو بشكل عام، الحديث فقط حول ملاءمته لما يريده المدرب، مع وضع مئة خط حول كون الحديث عن نسخته الحالية لا عن مجمل أعماله. (13)

    

  

رونالدو ضد رونالدو

يُنصح أولا في هذه النقطة أن تتعامل مع رونالدو قبل 2013 كشيء، وبعدها كشيء آخر، حتى لا تتوه في التفاصيل، نحن هنا لنناقش نسبية خطورة رونالدو، وكيف تقل، وكيف تتضاعف، وكيف يمكن الحد من تأثيره، كلها عوامل ارتبطت بعدة معطيات منذ بداية مسيرته وحتى 2013، ثم بدأت تسير إلى مساحة أخرى منذ ذلك الحين وحتى الآن.

  

في 2018 تحدّث ماسيمليانو ألليغري عن كيفية إيقاف رونالدو قبل مواجهة ريال مدريد ويوفنتوس، حيث قال المدرب الإيطالي حينها إنه لم يضع تكتيكا محددا لإيقافه، بل إن الأمر يدور حول قطع الإمدادات عنه، لا يمكن استعادة الكرة من فوق رأس رونالدو داخل منطقة الجزاء، ولكن لديك حلول متعددة لمنع وصول الكرة إلى رأسه، هذا باختصار ما لجأ إليه ألليغري، وكان منطقيا للغاية ليس لأنه يتحدث عن كريستيانو، بل لأنه يتحدث عنه في 2018، وهذا ما تتفق عليه أغلب التحليلات التي تحدّثت عن تباين تأثير رونالدو في نسخته الجديدة. (14)

  

بالعودة لأسلوب لعب ساري الذي أسلفنا شرح تفاصيله يصبح السؤال هنا؛ هل يتضمن تكتيك الإيطالي ما يمنح رونالدو هذه الوضعية بانتظام؟ تلك التي يتم فيها العمل من أجل وضع الكرة على رأس رونالدو أو إحدى قدميه ليحوّلها بلمسة واحدة إلى المرمى؟ الإجابة لا، الرجل يلجأ إلى الحلول الابتكارية من قبل لاعبيه في الثلث الأمامي، ويتعيّن على المهاجم في هذه الحالة المشاركة في العمل الهجومي الذي يسمح بهذه الحلول ويزيد من فاعليتها، لا يمكن أن يقف مهاجم في خطة ساري داخل منطقة الجزاء منتظرا للكرة، وحين يخرج منها يبحث عن الكرة ليوجّهها إلى المرمى مباشرة بلا حلول أخرى.

    

ساري كان يحتاج إلى رونالدو 2012 وما قبلها، اللاعب القادر على زعزعة استقرار أي دفاع في العالم، مَن يتحرك بين الخطوط وحولها وداخل منطقة الجزاء وخارجها

رويترز
   

في هذه الحالة يمكن القول مجازا إن رونالدو يأكل نفسه، هو باختصار مَن يضع خطة إيقافه، هو لا يساعد في عملية البناء الهجومي بالشكل الذي يريده ساري، وفي الوقت نفسه لا يحبّذ الإيطالي خسارة لاعب من المنظومة الهجومية لصالح وظيفة واحدة فقط هي الإنهاء أمام المرمى مما يفسد الخطة، ومن هذا المنطلق تنطبق خطة ألليغري بواسطة الدون نفسه، ويصبح هو السبب الرئيسي في تعطيل الإمداد الذي يجعل منه فتّاكا أمام الشباك. وتذكّر دائما أن الحديث حول رونالدو الحالي، والذي يبلغ من العمر 35 عاما.

   

هنا نستطيع القول إن ساري كان يحتاج إلى رونالدو 2012 وما قبلها، اللاعب القادر على زعزعة استقرار أي دفاع في العالم، مَن يتحرك بين الخطوط وحولها وداخل منطقة الجزاء وخارجها، يعمل بالكرة وبدونها ويُجيد اللمسة الأخيرة وما قبلها. هذه النسخة لم تكن لتُسبّب أي أزمة بالنسبة لتكتيك أغلب مدربي الكوكب، بل إن نوعية ساري كانت ستبحث عنها، بالطبع نسخة رونالدو الشابة لا تُقارن بأيٍّ من الأسماء التي أشرف ساري عليها وأخرج أفضل ما بداخلها، سواء فيما يخص مركز الجناح أو الثلث الهجومي بشكل عام.

    

معضلة كبرى

المعضلة هنا أن كرة القدم لا تؤخذ من جانب واحد، ولا يمكن للحسابات التكتيكية أن تطغى على كل التفاصيل الأخرى، كذلك لا يمكن أن يكون النفوذ هو كل شيء، وبناء على ذلك، فإذا كان ساري في حاجة إلى التعامل مع رونالدو كأحد أفراد المنظومة ليس إلا، يدخله أحيانا ويستبعده حين يحتاج إلى مَن هم أكثر ملاءمة، فهل سينجح في ذلك؟

  

المؤشرات تنفي، والسبب يكمن في النقطة التي بدأنا بها، ساري ليس نجما بما فيه الكفاية حتى يتخذ قرارات ثورية كهذه، كونتي استطاع الوقوف أمام بيرلو وإعلان أن امتعاض أي لاعب من الاستبدال سيعرّضه للعقوبة، رغم ذلك خصّص بيرلو فصلا كاملا من كتابه للتغزل في أنطونيو كونتي، الأمر الذي لم يفعله مع أي مدرب آخر ممّن تدرب تحت إمرتهم، وهو ما يُبرز أن قرار المدرب الثوري لا يوجب معاداة اللاعبين، بل يحتاج فقط إلى الشخصية التي تفرض ذلك، وإلى بعض المرونة والتفهم لدى اللاعب لتفهم ذلك. (15)

    

الوضع الآن غير ملائم لرونالدو لتحقيق ما جاء إلى يوفنتوس ليحقّقه، ولن يساعد ساري في تطبيق ما جاء لتطبيقه

 
رويترز
   

في حالة ساري ورونالدو لا يبدو ساري صاحب نفوذ كافٍ، ولا يبدو رونالدو مستعدا لتفهم أي شيء يُخرجه من الملعب، ما سيجعل الأمور تزداد سوءا في حال قرر المدرب فعل ما يريد بغض النظر عن الحسابات الأخرى، أما في حال تراجع فإنه سيضطر للتخلي عن جزء من خطته وإخضاع تكتيكه لما يسمح بوجود رونالدو دائما في الوضع الذي يحبه، وهو ما سيحمل خسائر أخرى، يكفي أن تتحدث عن أرقام يوفنتوس حتى الآن الذي سجل 20 هدفا فقط في 12 مباراة كأسوأ متصدري الدوريات الأوروبية الكبرى على الإطلاق، بل وفي المركز السابع على مستوى التهديف في الدوري الإيطالي فقط، وبأداء باهت ودون شكل وبلا ملامح، ما يعزّز من إمكانية السقوط مع مرور الوقت. مع التأكيد أن أنييلي لم يخالف الكل وجلب رونالدو من أجل تدفئة مقاعد الاحتياط، أو ليلعب 60 دقيقة من كل مباراة ثم يُستبدل. (16)

  

في هذه الحالة لا يمكن توجيه اللوم لأحد الطرفين دونا عن الآخر، فكلاهما وجد نفسه ضحية لدوامة العشوائية والعبث، إدارة لم تضع أي تصورات لمرحلة ما بعد التعاقد مع أفضل لاعب في العالم، ولم تعطِ الأدوات اللازمة للمدرب الذي استلزم التعاقد معه تغيير فلسفة النادي بأكملها. الوضع غير ملائم لرونالدو لتحقيق ما جاء إلى يوفنتوس ليحقّقه، ولن يساعد ساري في تطبيق ما جاء لتطبيقه. ونتيجة لذلك العبث، من البديهي أن تكون النهاية فشلا عكس ما أراد الجميع.

  

الأمر لا يتعلق فقط بامتعاض صاروخ ماديرا، حتى وإن لم يغضب رونالدو، وحتى وإن لم يخرجه ساري، هناك مشكلة، الفارق الوحيد أن هناك سياقا يُسهِّل الحديث عنها الآن بعد تلك الواقعة، ولكن تخيّل أن كل ما حدث بين المدرب والنجم البرتغالي لم يحدث، هل كانت لتنتهي المشكلات؟ لا، ستستمر ولكنها لن تطفو على السطح، ستظل هناك أزمة لفريق لا يلعب كرة القدم المنتظرة منه دون أن تعرف الغالبية السبب، فقط لأن البعض يظن أن سوء التخطيط أمر هيّن، وأن العبث لا يُنتج الفشل دائما.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار