انضم إلينا
اغلاق
برندن رودجرز وليستر.. عصر ما بعد الزحلقة

برندن رودجرز وليستر.. عصر ما بعد الزحلقة

  • ض
  • ض

"لقد اعتدت أن أقول ذلك دائما، يمكنك العيش بدون مياه لعدة أيام، لكنك لا يمكنك أن تعيش للحظة واحدة بدون أمل".

  

حسنا ، تلك الكلمات الحكيمة السابقة بالطبع ليست لويليام شكسبير، وليست مأخوذة من أحد هؤلاء الأشخاص الذين يحاولون بيع الأمل بزجاجة للناس، بل هي مأخوذة من على لسان الأيرلندي برندان رودجرز، المدير الفني السابق لنادي ليفربول، عندما سُئل قبيل مواجهته أمام سوانزي في فبراير/شباط عام 2013 عن حجم الضغوطات الموضوعة على أكتاف المدير الفني للفريق الأحمر(1). بالطبع الأمل هو شيء جميل ومهم للإنسان، ولن نستطيع إنكار ذلك، لكن لم يفهم أحد حتى يومنا هذا علاقته ببقاء الإنسان على قيد الحياة وبعملية بيولوجية معقدة كشرب المياه، فوق كل ذلك عن علاقة الأمل بمباراة ليفربول مع سوانزي، وعن علاقة كل ذلك الهراء بكرة القدم أصلا.

    

والآن، بوصولك إلى هنا، أيقنت فشلنا في إيجاد أي تفسير لتلك الكلمات، وصدّقنا هنالك "أشياء" كثيرة في الحياة من الصعب تفسيرها، ومع الأسف رودجرز يعرف الكثير من تلك "الأشياء" عن ظهر قلب، مثل أن يتزحلق قائدك وأسطورة النادي الذي تدربه في الأمتار الأخيرة من حلم طال انتظاره، ومثل أن يُضيّع عليك لقب الدوري بأسوأ طريقة ممكنة بالتعادل في تسع دقائق بعد أن كنت مُتقدِّما بثلاثية في السالهرست بارك، صدّقنا الحياة معقدة، لكن ربما بالأسطر القليلة السابقة ليس من الصعب على الأقل أن نكون قد خلقنا صورة عامة عما نحاول قوله هنا.

   

من أين نبدأ؟
برندن رودجرز (وكالة الأنباء الأوروبية)

    

في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015، أُقيل الأيرلندي من على رأس القيادة الفنية لنادي ليفربول الإنجليزي، بعد رحلة استمرت ثلاثة مواسم وشهرا من الموسم الرابع، بالتزامن مع انطلاقة ليستر سيتي الرائعة بالدوري الذي حصد 15 نقطة كاملة في أول ثماني مباريات له، لتمر سبعة أشهر كاملة بعد التاريخ المذكور ثم يتم تعيين رودجرز مديرا فنيا لنادي سيلتيك الاسكتلندي، في التوقيت نفسه الذي يحقق فيه نادي ليستر سيتي معجزة كروية بتتويجه بلقب الدوري الإنجليزي بقيادة كلاوديو رانييري، والذي حسب وصف جون بيرسي الصحفي بالتلغراف حينها؛ أعاد الإيطالي بناء سمعته من جديد في إنجلترا بشكل مذهل للغاية (2) (3).

     

بعدها أتى موسم 2016-2017 لتنهار تلك السمعة من جديد على رأس الإيطالي، فبعد بيع متوسط الميدان الفرنسي نغولو كانتي لتشيلسي اللندني بالصيف، وسلسلة من التعادلات والهزائم المخيبة للآمال، أُقيل كلاوديو من منصبه في منتصف فبراير/شباط عام 2017، ليحل محله الإنجليزي كريج شكسبير الذي نجح بصعوبة في قيادة الفريق بعيدا عن مناطق الخطورة بجدول الترتيب، ليُنهي موسم النادي بالمركز الثاني عشر في جدول الترتيب، وبعيدا بست نقاط فقط عن شبح الهبوط(4).

   

لم تتحسّن الأوضاع كثيرا مع شكسبير في الموسم التالي، لتتم إقالته سريعا بعد ثماني جولات فقط من بداية الدوري، ثم تعويضه بـ "كلود بويل" الذي استمر على رأس القيادة الفنية ما يقارب العام والنصف من الآخر، واستمر معه تذبذب مستوى بطل الدوري السابق، ووسط كل مؤشرات عدم التحسن تلك، يتم إقالته أخيرا بنهاية فبراير/شباط عام 2019.

    

كلود بويل  (رويترز)

   

وعلى الناحية الأخرى كان رودجرز يسير بخطوات ثابتة مع سيلتيك، يحقق الدوري بموسمه الأول بلا هزيمة واحدة، ثم يحققه مرة أخرى في موسمه الثاني ولكن تلك المرة بعد تلقيه هزيمتين فقط طوال الموسم، ليُعيد بناء سمعته من جديد حسب وصف إيوان موراي الصحفي بالغارديان هو الآخر حاله كحال رانييري سابقا، لكن هذه المرة كمدرب في العموم، نعم رودجرز كان جيدا للغاية بالنسبة لسيلتيك، لكن حسب وصف إيوان للمسألة فإن العكس كان أيضا صحيحا، لأن سيلتيك هو عملاق اسكتلندا ككل، ولا يوجد أي سبب بسيط لتبرير أي فشل محتمل (5).

  

يحدث في الكينغ باور

بحلول مارس/آذار من العام الجاري، تعاقد ليستر سيتي مع براندن رودجرز خلفا لكلود بويل، والآن بعد مرور ثمانية أشهر من تولي الأيرلندي زمام الأمور، أصبح من الواضح للجميع أن الفريق تغيّرت معالمه تماما عن تلك الصورة النمطية الهزيلة التي عرفناها عنه تحت إمرة مدربهم السابق، أو حسب وصف آدم بايت المحلل بشبكات سكاي سبورتس للأمور، فإن رودجرز أعاد الاعتقاد بأن الحياة ما زالت تدبّ في عروق الثعالب، بعد أن ضاعت البوصلة وانخفض الطموح في عهد سلفه كلود بويل (6).

 

الأيام هي خير برهان لكلمات باتي السابقة لما يحدث داخل ليستر سيتي، وصيف البريميرليغ والحصان الأسود في الموسم حتى الآن، وأداء يخطف عقول الجميع أكثر حتى من ذلك الذي قدّمه الثعالب حينما سرقوا لقب الدوري من أفواه الجميع. يبدو أن العديد من الأمور قد تغيّرت تحت قيادة الأيرلندي هنا بالكينغ باور، ويبدو أننا هنا لكي نحاول إيجاد تفسيرات منطقية لما يحدث.

   

  

في مقاله الذي نُشر في أبريل/نيسان الماضي بـ "Four Four Two"، بعد شهر كامل من تولي رودجرز القيادة الفنية، لخّص دانيال ستوري أهم ما تغيّر في ليستر سيتي تحت إمرة مدربهم الأيرلندي الجديد في خمسة أشياء، تلك النقاط الخمسة لا تختلف كثيرا عما نراه في الموسم الحالي، بل هي الأساس الذي بُني عليه كل ما يحدث هنا منذ بداية الموسم وحتى الآن (7).

 

أول شيء شَكَّل الفارق من وجهة نظر ستوري كان التغيّر الذي حدث مع جيمي فاردي أسطورة الفريق، الرجل الذي كان من الواضح للجميع أن هناك شيئا ما ناقصا بينه وبين بويل ومنظومته طوال السنة والنصف التي لعبها معه، وذلك على الرغم من تأكيدات بويل مرارا وتكرارا أن العلاقة مع فاردي جيدة، لكن ما كنا نراه في الملعب كان عكس ذلك تماما.

 

الآن، لا يمكننا القول إن رودجرز أصبح يتعامل مع فاردي معاملة متميزة عن الجميع، لكنه على الأقل وجد النظام الذي سيسمح لفاردي باستثمار إمكانياته لصالح الفريق به، وهو الأمر الذي يؤكّده ذلك التناغم الكبير الذي نراه بين لاعبي الفريق في الشق الهجومي الذي نتج عنه 29 هدفا في الدوري الإنجليزي حتى الآن، منهم 11 هدفا من نصيب المهاجم الإنجليزي والذي أصبح بهم هدّافا للبريميرليغ حتى لحظة كتابة تلك الكلمات.

   

   

عظمة تكتيكية

الشيء الثاني والثالث اللذان تغيّرا تحت قيادة رودجرز كانا الشكل الخططي في الملعب وطريقة بناء اللعب والخروج بالكرة، كل ذلك تغيّر تماما، تحوّلت الخطة من ذلك العدم الذي كان يُقدّم مع بويل في نمط الـ 4-2-3-1 الذي كان يلعب به مع الثعالب، إلى 4-1-4-1، بوجود نديدي في المحور كـ "deep lying playmaker" وظيفته هي قطع وتدمير كل ما يحاول الخصم القيام به من هجمات، ثم التمرير إلى زملائه بعد أن يستحوذ على الكرة.

   

هذا بجانب تحرير متوسط الميدان يوري تيليمانس هجوميا أكثر مما كان عليه مع بويل، ووضعه في موقع أقرب إلى فاردي لمساندته من يمين قلب الملعب، ليُوجد على الناحية اليسرى من قلب الملعب جيمس ماديسون الذي أصبح له متطلبات مختلفة عن مركزه كصانع ألعاب كلاسيكي إبان عصر المدرب الإنجليزي، فأصبح يميل يسارا لمساندة الجناح هارفي بارنز، الذي بدوره يحب أن يدخل إلى قلب الملعب لترك المساحة للظهير الأيسر بين تشيلويل لإمداد الموجودين في المنطقة بالعرضيات، وهو الأمر الذي يطبق من ناحية اليمين بدوره، بوجود أيوزي بيريز والظهير البرتغالي ريكاردو بيريرا.

  

كل ذلك تم بالإضافة إلى تغيير الفلسفة التي كان يعتمد عليها الفريق مع مدربهم الإنجليزي السابق، فقد كان يتم الإشارة إلى بويل بأصابع الاتهام لجعله الفريق معتمدا على الكرات المرتدة أكثر من أي شيء آخر، ذلك الأمر الذي كان يخلق لهم مشكلات أمام تلك الفِرَق التي تدافع أمامهم، وهو الأمر الذي أُعيد تشكيله من جديد بواسطة رودجرز، الذي أصبح يرغب في الاستحواذ على الكرة لأطول فترة ممكنة من اللقاء، الشيء الذي يضمن له عددا من الفرص القليلة التي ستصل إلى مرماه، وأصبح هناك طراز أكثر جمالية من كرة القدم، طراز يتسم بالتمريرات القصيرة والتحرك المميز بدون كرة يقوم به الفريق مع بعضهم بعضا، وهو ما خلق للفريق سمات خاصة تميّزه عن باقي الفِرَق تماما.

   

  

شخصية البطل؟

أو هكذا يحاول أن يخبرنا ستوري في مقاله، أن رودجرز خلق فريقا بعقلية عظيمة، أنصفه قبل أي شيء توقيت توليه زمام الأمور بالفريق أصلا، الشيء الذي أعطاه بعض الوقت للتعرف على هوية اللاعبين دون ضغوط، وفي الوقت نفسه منح اللاعبين فرصة لفهم ما يريد الرجل أن يفعله، وهو الأمر الذي يجني رودجرز ثماره الآن.

  

"اعتقادي هو أن أفضل الفرق تبدأ بسرعة وتنتهي بقوة".

(براندن رودجرز، أبريل/نيسان 2019)

  

قبل وصول رودجرز، استقبل الفريق 19 هدفا في أول وآخر 15 دقيقة، 12 هدفا منهم تم استقبالهم في ربع الساعة الأولى، وهو رقم مخيف يبرهن على عدم دخول الفريق إلى اللعبة بسرعة، وهو أيضا الأمر الذي عالجه رودجرز، بجانب فلسفته التي يوضحها تصريحه السابق والتي تتمحور حول القوة المطلوبة لفريقه أمام الخصوم، وخير مُعبِّر عنها هو ما فعله الفريق أمام أرسنال، حينما سجل فاردي هدف المباراة الأول ثم لحقه ماديسون بعد سبع دقائق بإضافة الهدف الثاني.

   

  

أيضا عندما قاموا بسحق ساوثهامبتون، عندما قضوا على أي آمال لجمهور ملعب السانت ماري لمشاهدة فريقهم يلعب كرة القدم أصلا، عندما سجلوا ثلاثة أهداف في أول ثلث ساعة من المباراة التي انتهت بتُساعية نظيفة، أو عندما سحقوا شباك نيوكاسل في قلب ملعب الكينغ باور بتسجيلهم لثلاثة أهداف في الحيّز بين الدقيقة الـ 54 والـ 64، في المباراة التي انتهت بخماسية ضد فريق ستيف بروس، كلها دلائل على السرعة التي أصبح يُنهي بها الثعالب منافساتهم.

  

لأن الجمال والحماقة أصدقاء قدامى

إذن نحن أدركنا أن الأيرلندي يقدم كرة قدم مذهلة مع الثعالب، وأحدث تغييرات على الفريق ربما ستغيّر من معالم النادي نفسه في الأربعة أو الخمسة أعوام القادمة لجعله منافسا حقيقيا على لقب البريميرليغ، وبجانب ذلك فلا يجب أن ننسى أن رودجرز أعاد اكتشاف ذاته من جديد بعد تعثّر تجربته مع ليفربول بموسمه الأخير هناك، لكن هل كل ما سبق يكفي لتصنيف رودجرز واحدا من مُدرّبي النخبة في إنجلترا؟

   

ذلك السؤال هو ما طرحه محرر "Four Four Two" أليكس هيس مؤخرا، وللإجابة عنه يجب علينا أن نُلقي نظرة سريعة على آخر أربع محطات من مسيرة رودجرز التدريبية، سنجد أن كل واحدة منها هي قصة مختلفة عن الأخرى، بين فريق يستلمه من غياهب الشامبيونشيب ليقوده في حملة صعود رائعة إلى الدوري الممتاز، وآخر عبارة عن عملاق مترنح نافس به على لقب غائب عنه حتى الأمتار الأخيرة من الموسم، وفريق عظيم حصد معه لقب الدوري بلا هزيمة واحدة، والآن يقود حملة ناجحة مع فريق متوسط حوّله إلى قوة عظمى، بجانب أنه لا يحتاج إلى معدلات إنفاق كبيرة بالسوق لكي يقوم بكل تلك الأمور(8).

  

وحقيقة الأمر أن أي شخص آخر غير رودجرز مرّ بكل تلك التجارب المتنوعة في فترة زمنية قصيرة كتلك كان سيُحمل على الأعناق وتُكتب عنه الأشعار والقصائد التكتيكية كما يحدث مع أي مدرب آخر، لكن حقيقة الأمر هنا حسب وصف هيس لما يحدث أن أزمة رودجرز الوحيدة هي أنه لم يجعل عمله وحده هو مَن يتكلم بالنيابة عنه، ببساطة لأنه يحب التحدُّث إلى الإعلاميين كثيرا.

   

تجربة رودجرز مع الثعالب تجربة فريدة، كلٌّ من الاثنين كان يحتاج إلى الآخر لكي يعود للواجهة من جديد

رويترز
   

وهي بالمناسبة صفة تُميّز الكثير من المدربين الآن، يورغن كلوب وجوزيه مورينيو مثلا هما أفضل أمثلة عن هذا النوع من المديرين الفنيين الذين يحبون التحدث للصحافة، لكن لا نعتقد أننا سمعنا أحدهما يقول إنه يُفضِّل تعليم اللاعبين لا تدريبهم، لأن "الكلاب" هي مَن تتدرب، أو أن جو ألين هو تشافي هيرنانديز الخاص بويلز. هل أدركت عمق المأساة؟ (9) (10).

  

تلك المشكلة أعاقته كثيرا، وفي عصر الانفتاح على مواقع التواصل الاجتماعي الذي نعيش فيه، يكفي للمرء مجرد زلة لسان لكي يتم التقليل من شأنه، فما بالك برجل يمنحك العديد من التصريحات العجيبة بمجرد بحث بسيط على غوغل؟ مرة لأنها فوق مستوى فهم الجمهور، ومرة لأنها بالفعل غير مفهومة، وفي كل الأحوال، تلك الأمور هي ما جعلت الصورة الذهنية عن الرجل تتمحور حول ما يقوله خارج الميدان، وليس حول ما يُقدّمه داخله.

  

تجربة رودجرز مع الثعالب تجربة فريدة، كلٌّ من الاثنين كان يحتاج إلى الآخر لكي يعود للواجهة من جديد. غاري نيفيل يعتقد أن رودجرز قد يجد نفسه في أفضل أندية العالم قريبا، وأن الأيرلندي قد يكون بديلا محتملا لبيب غوارديولا من وجهة نظره في حال ترك الأخير لمقعده في مانشستر سيتي، وإن تم هذا الأمر فقد يكون هو الأمل لتتويج جيّد لمسيرة رجل لم يأخذ حقه في أغلب الأوقات، وبالحديث عن الأمل، فقد قال أحد الحكماء عنه ذات مرة إن الإنسان يمكنه أن يعيش بدون مياه لعدة أيام لكنه لا يمكن أن يعيش للحظة واحدة بدونه، مهلا، أين سمعت تلك الكلمات من قبل؟(1)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار