انضم إلينا
اغلاق
رالف رانغنيك.. عملاق الكرة الألمانية الذي لا يحبه أحد

رالف رانغنيك.. عملاق الكرة الألمانية الذي لا يحبه أحد

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

سنكون في منتهى الصراحة معك؛ في البداية لم نكن متأكدين إن كنت ستهتم بالتعرف على رجل مثل رانغنيك، حكايته ملهمة جدا ولكنها مكروهة جدا أيضا، ولكننا قررنا أن إنجازات الرجل تستحق التعريف؛ للأسف نحن لا نعلم كيف نصف الأمر بالضبط ولكن يمكنك أن تعتبر رانغنيك هو ميسي الإدارة الرياضية. لم نجد تشبيها أقرب من هذا لأن الرجل أجاد في كل المناصب المتعلقة بكرة القدم تقريبا، والفارق الوحيد فقط أنه لم يفعلها في نادٍ جماهيري مثل برشلونة، بل في آر بي لايبتسيتش، أكثر نادٍ مكروه في عموم ألمانيا. هذا ما يجعل قصته مثيرة للاهتمام.

  

أعيدوا لنا العرش

التاريخ هو عام 2009، والحدث هو عودة إنيرجي كوتبوس للدرجة الثانية الألمانية في موسم صعوده نفسه للأولى، وهو حدث مهم لأن البوندزليغا ليست معتادة على وجود الأندية من شرق ألمانيا، ومن حينها لم ينشط أي فريق ينتمي إلى ما كان يُعرف بألمانيا الشرقية في الدرجة الأولى، لأنه في السنوات التالية لهدم سور برلين واتحاد ألمانيا مجددا قامت أندية الغرب الغنية بتفريغ أندية الشرق من مواهبها، ثم استمر الوضع على هذه الحال لأن كرة شرق ألمانيا افتقدت التمويل الكافي للمنافسة والحفاظ على مواهبها، أو بالأحرى؛ استمر هذا الحال حتى قررت شركة ريد بول شراء أحد أنديتها وعزمت على الصعود به من الدرجة الرابعة للأولى ومناطحة كبار الغرب. (1) (2)

    

  

هذا هو السبب الأول للكراهية، أو الثاني، لا نعلم بالضبط، لأن كل معارضي التجربة يرفضونها لأنها لا تعتبر كرة القدم هدفا بحد ذاتها، بل مجرد وسيلة للترويج لشركة عالمية تبلغ ميزانيتها عدة مليارات. يان هنريك غروزيكي، أحد مشجعي دورتموند الذين قادوا الاحتجاجات ضد لايبتسيتش إبان صعودهم للدرجة الأولى في موسم 2016-2017 أخبر غارديان أن الفارق بين دورتموند ولايبتسيتش ليس في كمِّ الأموال التي ينفقها أيٌّ منهم، بل في حقيقة أن دورتموند يستخدم موارده للعب كرة القدم، بينما تستخدم ريد بول كرة القدم لبيع سلعتها. (3)

  

 

طبعا كل ذلك مبني على ميزة مهمة طالما تفردت بها البوندزليغا عن غيرها من دوريات القارة وهي قاعدة الـ 50+1 التي تفرض على أي نادٍ في الدرجة الأولى أن تكون أكثرية المصوِّتين على قراراته من أعضائه، والتي اعتبرها الألمان ما يجعل دوريهم مختلفا عن نظيره في إنجلترا أو إسبانيا أو إيطاليا، لأنها تجعل التحكّم في أمور مثل أسعار التذاكر بيد جمهور اللعبة، ووجود لايبتسيتش ونجاحه كنموذج يُهدّد كل ذلك، ويُمهّد الطريق لمزيد من التجارب ومزيد من الشركات العالمية التي ستحوّل البوندزليغا إلى ما يشبه البريميرليغ، وهذا هو أحد كوابيس جمهور الكرة الألمانية، لذا يمكنك أن تتفهّم من أين تنبع الكراهية.

  

في الواقع، الكثير من المتابعين للبوندزليغا يصفون لايبتسيتش بأنه أكثر الفِرَق "بريميرليغية" في البوندزليغا. قبل لقائهم الأول على الإطلاق في 2016، رفض دورتموند منح الوافدين الجدد رخصة وضع شعاره على كوفيات مشتركة بمناسبة لقاء الفريقين، وفي الدور الأول من كأس ألمانيا قام مشجّعو دينامو دريسدين بإلقاء رأس ثور مشوهة من المدرجات إلى الملعب، حتى مشجّعو هوفنهايم الذي كان موضع اتهامات مشابهة وصلت لوصفه بنادٍ "بلاستيكي" لم يقفوا في صفهم، وعندما حان موعد مواجهتهم رفعوا لافتة ضخمة تقول: "أعيدوا لنا عرشنا المفضل؛ نحن أكثر فريق مكروه في ألمانيا". (3)

   

  

أرض معادية

 

طبعا يمكنك أن تتخيّل كيف كان العمل صعبا في ظروف كتلك، وطبعا نحن لسنا في موضع يؤهّلنا للوم الجماهير على آرائها حتى وإن اعترضنا على طريقة التعبير، ببساطة لأن أغلب هذه الاعتراضات كانت منطقية. في دورتموند مثلا، العضوية التي تؤهّلك للتصويت على قرارات النادي تُكلِّفك 62 يورو سنويا، ولكن في لايبتسيتش تحتاج إلى أكثر من 1000 يورو حتى تصبح عضوا مساندا فقط، وحتى حينها لا يحق لك التصويت. هذا سبب آخر للكراهية بالمناسبة والألمان يملكون الكثير منها. (4) (5)

  

المشكلة أن هذا ليس السبب الوحيد لعداوة جمهور اللعبة في ألمانيا، حداثة التجربة أيضا لها نصيب في ذلك، ببساطة لأن لايبتسيتش ليس النادي الوحيد الذي حاول استخدام كرة القدم للترويج لمنتج ما، وسبقه في ذلك باير ليفركوزن وفولفسبورغ وإنغولشتاد، ولكن الألمان تسامحوا تدريجيا مع هذه التجارب، ربما لأن أغلبها مرّ عليه زمن طويل، أو ربما لأنه لم تسعَ أي واحدة منها لتقويض قاعدة الـ 50+1 علنا، بل اكتفت بالتحايل عليها، وهذا منح لايبتسيتش أسبابا كافية لاتهام معارضيهم بالتناقض والازدواجية.

   

 

  

كل ذلك يمكن إرجاعه لاسم واحد هو رالف رانغنيك. الرجل لم يكن يعمل منفردا بالطبع ولكنه كان أساس كل هذا النجاح وكل هذه الكراهية بالتبعية. لو كان لايبتسيتش مجرد تجربة استثمارية فاشلة لما أثار كل هذا العداء وهذه الضجة، ولو اعتبرنا هذا المشروع مثل ماكينة من 500 قطعة كما يُشبّهه رانغنيك، فإنه لن يكون أكبر القطع فيه، بل الرجل الذي يجمعها معا.

   

 

"تنقّلت بين العديد من الأندية وقابلت الكثير من الناس خلال مسيرتي ولم أجد رجلا أكثر هوسا بهذه اللعبة من رالف رانغنيك"

(كيفين كامبل لاعب لايبتسيتش (6))

  

الأمر يشبه كثيرا ما يفعله أمهر لاعبي "Football Manager" على حواسيبهم، فقط رانغنيك يقوم به في العالم الواقعي. على حد علمنا، لم تشهد كرة القدم رجلا استطاع الجمع بين كل هذه المهام بالنجاح نفسه من قبل، لم تشهد رجلا على هذا القدر من الدراية التكتيكية ويمتلك في الوقت ذاته خبرة رائعة في اقتصاد الأندية، والأهم على الإطلاق؛ قدرة خارقة على إدارة الموارد البشرية وإخراج أفضل ما فيها، سواء كانوا مجموعة من الشباب اليافعين في غرفة ملابس الفريق الأول أو عشرات الموظفين في مقر النادي. رالف رانغنيك هو جيمس ميلنر كرة القدم الألمانية، الرجل الذي يلعب بكفاءة في كل المراكز تقريبا، فقط هو يفعلها في كل ما هو خارج الملعب.

  

رانغنيكليغا

نتمنى ألا تكون قد اقتنعت تماما بالعبارة الماضية لأنها ليست صحيحة 100%، رانغنيك لا يفعل ما يفعله خارج الملعب فقط، بل ما يجعل هذا الرجل عسيرا على التصديق هو أنه مدرب رائع أيضا. في الواقع هو ليس مدربا رائعا وحسب، بل هو، وبلا جدال، عرّاب كرة القدم الألمانية الحالية وأهم منظريها على الإطلاق.

    

رالف رانغنيك (رويترز)

  

دعك من حقيقة أن تجاربه السابقة في شالكه وهوفنهايم شهدت قيادة هذه الفرق من الدرجات الدنيا إلى البوندزليغا مجددا، وقدمت خلال ذلك العديد من المواهب الشابة التي كان رانغنيك السبب في ظهورها، ودعك من حقيقة أنه قاد تجربة ريد بول الأول مع سالزبورغ، وحقيقة أن 4 من لاعبي ليفربول حاليا يدينون له بالفضل في اكتشافهم ومنحهم الفرصة للعب في بداياتهم؛ جويل ماتيب في شالكه، وروبرتو فيرمينو في هوفنهايم، وساديو ماني ونابي كيتا في سالزبورغ، وكلهم من أهم رجال كلوب الآن باستثناء الأخير. (7)

  

الحقيقة الأهم هي أن الرجل أخرج جيلا جديدا من المدربين الألمان الذين يعتبرونه معلمهم، مدربين يؤمنون بفلسفته القائمة على التحولات السريعة والتي استمدها من ولعه الشديد بالكرة الإنجليزية في شبابه، مدربين يطبقون قواعده التكتيكية بحذافيرها في أندية البوندزليغا المختلفة؛ يسترجعون الكرة خلال 8 ثوانٍ من فقدها ويسجلون أغلب أهدافهم بعد 10 ثوانٍ من استرجاعها، ناهيك بكلوب نفسه الذي يعتبره ثاني الرجال تأثيرا في مسيرته بعد فرانك وولفغانغ. (8)

  

"انتشار موظفي لايبتسيتش السابقين في البوندزليغا بهذا المعدل يثبت الازدواجية في معاييرنا؛ من ناحية، نحن نعتبر مشروعهم الشر المطلق، ومن جهة أخرى نحن نرغب في الاستعانة بموظفيهم في أعلى المناصب"

(جوخين شنايدر المدير الرياضي الجديد لشالكه والسابق للايبتسيتش)

   

يسمونها الآن الـ"رانغنيكليغا". إحدى المؤسسات الصحفية قامت بصك فعل جديد مشتق من اسم الرجل لتصف عملية "رنكنغة" البوندزليغا الحالية، لأن هذا الرجل كان هو مَن منح ماركو روز وأوليفر غلازنر وأدّي هويتر بدايتهم التدريبية إبان وجوده في سالزبورغ، بالإضافة إلى تأثيره الكبير على كلٍّ من ديفيد فاغنر وخولين نيغلزمان أثناء عمله في هوفنهايم. نعلم أنها ليست الأسماء الأشهر في عالم التدريب، ولكن ما لا تعلمه غالبا أن هذه الأسماء تُمثِّل 5 من التسعة الأوائل في جدول البوندزليغا حاليا بما فيها المتصدر، والفارق بين أعلاهم وأدناهم لا يتجاوز 5 نقاط فقط لاغير. ليسوا مشهورين ولكنهم، بلا شك، واعدون للغاية. (9)

   

  

كل شيء أو لا شيء

 

نتمنى أن تكون قد اقتنعت تماما بالعبارة الماضية لأنها صحيحة 100%. في الواقع، تعبير "ليسوا مشهورين لكنهم واعدون" يختصر سياسة رانغنيك في التعاقدات أيضا. منذ البداية قرّر الرجل أن أندية ريد بول لن تتعاقد مع أي لاعب يفوق عمره 24 عاما. لماذا؟ لأن الرجل ذاته هو مَن وضع الهوية التكتيكية لفِرَق المؤسسة أساسا، وهو يؤمن أنها تحتاج إلى لاعبين شباب ما زالوا قادرين على التعلّم وقابلين للتطور. لا شيء يُعبِّر عن تشعّب مهام الرجل وقدرته على تنفيذ مهام مختلفة مثل قدرته على انتشال لايبتسيتش من أزمة فنية طاحنة في نهاية الموسم الماضي، وقيادته لأول نهائي كأس في تاريخه. (10)

   

"لقد كنت أنا مَن تعاقد مع كل لاعبي تقريبا لذا كان الأمر سهلا إلى حدٍّ ما"

(رالف رانغنيك) (10)

  

في الواقع، ما يفعله الرجل يجعل الكتابة عنه صعبة للغاية لأنه بعد أن أخبرناك بكل ذلك ما زلنا مطالبين بإخبارك أن جزءا من مهامه هو التعامل النفسي مع هؤلاء الشباب الذين ينتقلون فجأة لحياة الثراء والإغراءات، وهو ناجح للغاية في هذه المهمة لأنه رغم رغبة الأندية الكبرى في ضم العديد من لاعبيه فإن أحدا لم يرحل سوى نابي كيتا تقريبا، وبعد مفاوضات شاقة ذاق فيها ليفربول الأمرّين. النادي الذي يمتلك واحدا من أفضل المديرين الرياضيين في البريميرليغ، مايكل إدواردز، والذي تمكّن من جعل كوتينيو أغلى لاعب في تاريخ برشلونة، اضطر لدفع رقم قياسي في لاعب أقل شهرة بكثير مثل نابي كيتا، بل والسماح للايبتسيتش بالاحتفاظ به لعام إضافي، وهذا ما يجعلنا مطالبين بأن نخبرك أن رانغنيك مفاوض لا يشق له غبار أيضا. هذا ما يجعله أروع مَن أن يكون حقيقيا كما ينص التعبير الإنجليزي الشهير. (11)

    

  

منذ أيام أجرى الرجل حوارا مع غارديان قال فيه إنه كان أحد المرشحين لقيادة المنتخب الإنجليزي في 2016 رفقة سام ألاردايس الذي تم اختياره لاحقا، ومؤخرا بدأت الأخبار تنتشر عن رغبة مانشستر يونايتد في تعيينه مديرا رياضيا، ولكن إجابة الرجل كانت مثيرة للإعجاب بقدر شخصيته؛ "إن لم يسمحوا لي بالتأثير على النادي في جميع القطاعات فلن يحصلوا على نصف ما أستطيع فعله فقط". بمعنى آخر؛ الحصول على رانغنيك سيُكلِّف مانشستر يونايتد التخلي عن رجل مثل وودوورد، ولو حدث ذلك فقد يكون الرجل هو الحل الأكثر واقعية لملاك مثل الغليزرز، لأنه يعلم كيف يحقق أفضل النتائج بأقل التكاليف ودون تعاقدات ضخمة مدوية. في آخر خمس سنوات فقط حقق سالزبورغ صافي أرباح بلغ 200 مليون يورو تقريبا من بيع اللاعبين، والنسبة الأكبر من الاستثمار المالي في تجربة لايبتسيتش تذهب للأصول؛ للأكاديميات وملاعب التدريب والمعدات والتقنية. (10)

  

سنكون في منتهى الصراحة معك؛ ما زلنا غير متأكدين إن كانت حكاية رانغنيك قد أثارت اهتمامك أم لا، ربما أثارت كراهيتك لأنه فعل كل ما فعله في خدمة مثال استثماري يرغب في نزع السلطة من الجماهير، وحقيقة لن نلومك على ذلك، ولكن ما نحن متأكدون منه أن الرجل يُجيد عمله لدرجة خيالية فعلا، ولو كان قد أنجز نصف ما أنجزه في أي نادٍ جماهيري آخر لاعتبرناه أسطورة حقيقية. في الواقع، هو كذلك فعلا. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار