انضم إلينا
اغلاق
"ميدان" يحاور مصنفة التنس الأولى عربيا.. هل تقود أُنس جابر العرب نحو حلم الغراند سلام؟

"ميدان" يحاور مصنفة التنس الأولى عربيا.. هل تقود أُنس جابر العرب نحو حلم الغراند سلام؟

محمد سالم

محرر بقسم الرياضة
  • ض
  • ض

المكان: الملعب الوطني بموسكو.          

الزمان: 20 أكتوبر/تشرين الأول، 2018.

 

تدخل اللاعبة التونسية، أُنس جابر، إلى الملعب الوطني هنا في موسكو، لملاقاة صاحبة الأرض، داريا كاساتكينا، المصنفة الرابعة عشرة عالميا، في نهائي بطولة موسكو المفتوحة، أو ما يُعرف بكأس الكرملين للتنس، وذلك لأول مرة في تاريخ التنس العربي. الآمال كبيرة للغاية لصاحبة الـ 24 ربيعا، والتي تقترب شيئا فشيئا من دخول قائمة الـ 100 الأوائل لأول مرة في تاريخها، ويفصلها عن ذلك مركز واحد فقط من أجل تحقيق لقب البطولة، لا سيما أنها قد ظهرت بشكل مميز للغاية طوال هذا الأسبوع، واستطاعت أن تُقصي العديد من اللاعبات ذوات التصنيف العالمي الكبير.(1)

  

الملعب ممتلئ عن آخره، حيث نفدت جميع تذاكر المباراة المرتقبة، يوجد الكثير من أفراد الجالية العربية والتونسية في المدرجات من أجل مساندتها، في لحظات ربما لن تنساها طوال حياتها، فيما يوجد الأغلبية من المواطنين الروس بالطبع من أجل مساندة مواطنتهم، والتي خسرت نهائي العام الماضي أيضا. بدأت المباراة بقوة منذ البداية، ولم تمهل أُنس منافستها الوقت من أجل الدخول في أجواء اللقاء، إذ استطاعت كسر الإرسال والتقدم مبكرا لتنهي المجموعة الأولى بـ 6 أشواط مقابل شوطين؛ لتضع يدها الأولى على كأس البطولة، ولتفقد الروسية أعصابها مرتين في أول مجموعة، بعد أن بدا تأثرها بالضغط الجماهيري.

    

  

"لقد كان شعورا رائعا في موسكو العام الماضي، لعبت بأفضل أداء لديّ طوال الأيام العشرة، ذكريات جيدة جدا، وكان من الممكن أن تكون لحظات عظيمة حقا، لو استطعت تحقيق اللقب وقتها، ولكن في النهاية هذه هي لعبة التنس"

(أُنس جابر في حوار خاص لـ "ميدان")

  

في المجموعة الثانية واصلت التونسية خطواتها بثبات، وتقدّمت بـ 4 أشواط، مقابل ثلاثة، وفي وقت اقتربت فيه يد أُنس الثانية من الكأس، فازت الروسية بشوطين متتاليين، وتبعتهم بشوط كسر التعادل؛ لتحسم المجموعة الثانية لصالحها، وتعود المباراة لنقطة البداية.

  

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، أُصيبت المصنفة 101 عالميا، قبل نهاية المجموعة الثالثة؛ لتخسر النهائي الأول لها في بطولات رابطة المحترفات للتنس، وتفقد حلما كبيرا ظل يراودها طوال هذا الأسبوع في موسكو، ولكنها كتبت لنا حلما أكبر بمولد لاعبة عربية افتقدناها طوال السنوات الأخيرة تستطيع أن تزاحم الكبار في عالم الكرة الصفراء.(2)

   

 

الطفلة المعجزة

قصة نجاح أُنس التي ما زالت تسطر فصولها حتى الآن بدأت من مدينة قصر هلال في تونس، عندما وُلدت في الثامن والعشرين من أغسطس/آب 1994، ونشأت على حب لعبة التنس، حيث كانت تصطحبها والدتها إلى ملاعب التنس وهي في الثالثة من عمرها فقط، مما انعكس عليها في بداية ممارسة اللعبة في المدرسة، وأظهرت تفوقا واضحا على زملائها، حتى مَن هم أكبر منها سنا وطولا؛ ليطلقوا عليها في ذلك الوقت لقب "الطفلة المعجزة".(3)

  

"بدايتي مع اللعبة كانت في الثالثة من عمري، عندما اعتدت أن أذهب مع أمي إلى ملاعب التنس، ومن هنا وقعت في حب كرة المضرب".

(أُنس جابر في حوار خاص لـ "ميدان")

  

رويدا رويدا بدأت علاقتها مع اللعبة تأخذ شكلا جديدا، حيث بدأت تضع كامل تركيزها مع التنس، ولم يتوقف الأمر على كونها هواية فقط، ولم تلتفت إلى أولئك الذين سخروا منها، عندما قالت أثناء مشاركتها في إحدى البطولات في جنوب تونس إنها يوما ما ستفوز ببطولة رولان غاروس، وهي لم تتجاوز السادسة من عمرها بعد.(4)

  

وتقول ريم أبوالليل، الصحافية الخبيرة والمتخصصة في التنس لـ "ميدان": "أهم ما يميّز أُنس أن لديها يقينا قويا، وثقة كبيرة في نفسها منذ الصغر، لقد اختارت أن تحلم أحلاما كبيرة، بعيدا عن القيود التي تعوق لاعبينا العرب في بداية مسيرتهم".

    

اللاعبة التونسية أُنس جابر (الفرنسية)

   

"على عكس الكثير من اللاعبين، لقد حاربت جابر كثيرا من أجل أن تنتقل من مرحلة الهواة إلى الاحتراف، حيث انتقلت بعد مرحلتها الثانوية إلى مركز تدريب خاص بالعاصمة التونسية، وابتعدت عن منزلها وأهلها في قصر هلال في مرحلة مبكرة للدراسة والتدريب هناك في الوقت نفسه، وهذا ليس بالشيء الشائع بين اللاعبين في هذا السن".

   

"أعتقد أن أفضل لحظاتي مع التنس هي لحظة تتويجي ببطولة رولان غاروس لفئة الشباب 2011"

أُنس جابر في حوار خاص لـ "ميدان"

  

توابع تلك القرارات ظهرت مبكرا على الطفلة الحالمة بـ "رولان غاروس"، والتي بدأت رحلتها الاحترافية في 2010، حيث استطاعت الوصول إلى نهائي البطولة التي طالما حلمت بها كثيرا تحت 18 عاما، ولكنها خسرته أمام الأوكرانية إيلينا سفيتولينا، المصنفة السادسة حاليا للسيدات، كما وصلت إلى نصف نهائي بطولة أميركا المفتوحة تحت 18 عاما أيضا، فيما تُوِّجت بلقبَيْ أنطاليا بتركيا، والدار البيضاء بالمغرب.

  

وفي عامها الاحترافي الثاني واصلت التألق اللافت، ووصلت للمرة الثانية على التوالي لنهائي رولان غاروس تحت 18 عاما، ولكنها لم تتنازل عن اللقب هذه المرة، وأصبحت بذلك أول لاعبة عربية تتوج بإحدى بطولات الغراند سلام للناشئات.(3)

    

   

الكنز في الرحلة

مع تلك النتائج الكبيرة للاعبة الواعدة، لم يجد الاتحاد التونسي للتنس بُدًّا من إرسالها إلى العاصمة البلجيكية بروكسل في 2012، من أجل التدرب على يد نخبة من أفضل مدربي اللعبة في الأكاديمية الدولية للتنس هناك، لتقص شريط مشاركتها في بطولات الغراند سلام لفئة السيدات، عن طريق بوابة رولان غاروس المحببة لها، كما نجحت في الصعود لتمثيل منتخب تونس في أولمبياد لندن في أغسطس/آب من العام ذاته.(3)

  

"لكل بطولة سحرها الخاص حقا، ولكن بطريقة ما تتمتع رولان غاروس بشيء خاص لديّ"

(أُنس جابر في حوار خاص لـ "ميدان")

  

وخلال سنوات الرحلة السبع حتى الآن، بدأت أُنس تدريجيا في وضع أقدامها في بطولات الغراند سلام، بجانب صولات وجولات في بطولات رابطة المحترفين الكبرى، حيث سجّلت مشاركتها في الأدوار الرئيسة لبطولتَيْ أميركا المفتوحة وأستراليا المفتوحة، كما نجحت في الصعود لتمثيل تونس في دورة الألعاب الأولمبية ريو دي غانيرو في صيف 2016.

  

انطلاقة أُنس الحقيقية كانت مع بداية عام 2017، عندما خطفت الأنظار في بطولات دبي، والصين، وتايوان، ثم واصلت الإمتاع والإقناع واستطاعت الصعود للدور الثالث الرئيسي في بطولة رولان غاروس، في أفضل إنجاز نسائي عربي في تاريخ الغراند سلام، فيما اكتفت بتسجيل مشاركتها الأولى في ويمبلدون فقط وتودعها من دور الـ 64، واختتمت الموسم بالصعود إلى الدور الثاني من بطولة أميركا المفتوحة بعد أداء مميز أيضا.(5)(6)

     

بالرغم من تعرُّض أُنس جابر للإصابة هذا الموسم، والتي أجبرتها على الانسحاب من عدد من البطولات، فإنها استطاعت الحفاظ على موقعها داخل قائمة الـ 80 الأوائل

رويترز
    

"في بعض الأحيان يكون من الصعب الحفاظ على وجودك في هذا المستوى العالي من المنافسة، بسبب تعرضك للإصابة كثيرا، ولكني أثق أن الإصابة تجعلني أقوى، أريد دائما أخذ الجانب الإيجابي من كل شيء، أعتقد أن هذا الموسم ساعدني بشكل كبير في فهم الكثير من الأشياء، وأنا الآن مستعدة تماما للموسم المقبل"

(أُنس جابر في حوار خاص لـ "ميدان")

  

الحدث الأبرز في 2018 بالطبع كان وصولها للنهائي التاريخي في موسكو، ولكنه لم يكن الوحيد؛ إذ ضمنت التونسية وجودها في قائمة الـ 100 الأوائل لأول مرة، بعدما صعدت أكثر من 39 مركزا، لتصل للمرتبة 61، في إنجاز آخر سُجِّل باسمها، بعدما باتت أول لاعبة عربية تصل إلى هذه المرتبة بعد مواطنتها سليمة صفر صاحبة المركز الـ 75 في عام 2001.(7)(4)

  

وبالرغم من تعرُّضها للإصابة هذا الموسم، والتي أجبرتها على الانسحاب من عدد من البطولات، فإنها استطاعت الحفاظ على موقعها داخل قائمة الـ 80 الأوائل، واستطاعت الوصول للدور الثالث لبطولة أميركا المفتوحة، للمرة الأولى في البطولة، والثانية في بطولات الغراند سلام.(8)

    

     

       

حلم الغراند سلام

رغم ما تقدمه أُنس حتى الآن في عالم الكرة الصفراء، والذي يُعَدُّ شيئا فريدا للاعبة عربية جاءت من جنوب تونس، فإنها ما زالت تريد حصد المزيد، وما زال حلم الغراند سلام يراودها حتى هذه اللحظة، وفي الوقت نفسه هي تعلم جيدا حجم المسؤولية الملقاة عليها كنموذج وقدوة للاعبي التنس العرب والأفارقة، ودائما ما تُشير إليهم في أغلب المناسبات.(9)

  

"أهدافي كبيرة للموسم المقبل، أريد الوصول لقائمة أفضل 20، وحلمي ما زال الفوز بالغراند سلام، وأريد أن أُثبت للاعبين الصغار أنه لا شيء مستحيل، دائما أود أن أكون نموذجا جيدا للاعبين العرب والأفارقة، وأنا فخورة بذلك، إنه شرف عظيم لي حقا"

(أُنس جابر في ختام حوارها الخاص لـ "ميدان")

    

وترى أبو الليل أن الفوز بالغراند سلام ليس بالأمر السهل؛ إذ يتطلب من اللاعب في مثل هذه البطولات الفوز في 7 مباريات خلال 14 يوما فقط، وقالت لـ "ميدان": "هناك الكثير من الأشياء التي يجب أن تتوافر للاعب من أجل حصد هذا اللقب، التركيز لدى اللاعب أمر أساسي، العامل الصحي والبدني، والحفاظ على لياقته طوال الـ 14 يوما، بجانب بعض الحظ في الوقوع في قرعة جيدة".

  

"أنا أعلم أني موهوبة، ولكن الموهبة بلا عمل لا تعني شيئا"

  

وعن هدف الوصول إلى قائمة أفضل 20، أكّدت أبوليل أن الأمر ممكن بالطبع، لا سيما أن أُنس كانت في المرتبة 51 كأفضل تصنيف لها عبر مسيرتها منذ ثلاثة أشهر فقط، وأوضحت: "واحدة من مزايا أُنس أنها لا تُركِّز على التصنيف بشكل أساسي، ولكن دائما تنظر إلى ما يمكن أن تُقدّمه في المباريات، تحاول تحسين أدائها وتسير بخُطى ثابتة في تطوير نفسها في الملعب، ومن خلال ذلك سترتفع في التصنيف تلقائيا".

  

واختتمت حديثها لـ "ميدان" قائلة: "الاهتمام بالتصنيف على حساب باقي الجوانب أمر غير مفيد، لأن منافسات التنس للسيدات أصبحت صعبة للغاية، وتحتاج إلى مجهود أكبر في الملعب، لذلك يجب أن تُركِّز على الجانب البدني والصحي من أجل رفع تصنيفها، وكي تستطيع الحفاظ عليه فيما بعد".

    

   

وستدخل أُنس الموسم المقبل منتشية باختيارها كأفضل رياضية عربية لعام 2019، وهي تؤمن بقدرتها على صناعة تاريخ جديد في لعبة التنس، ليس فقط لتونس وحدها، بل للعرب وأفريقيا أيضا، فهل ستكون 2020 شاهدة على تحقيق الحلم الذي ما زال يراودها منذ السادسة وتطير بأحلام العرب نحو الغراند سلام، أم ستكون إحدى سنوات انتظار تحقيق هذا الحلم؟(10)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار