انضم إلينا
اغلاق
فورمولا وان.. رياضة حقيقية أم لعبة ترفيهية؟

فورمولا وان.. رياضة حقيقية أم لعبة ترفيهية؟

محمد عبد الرحمن

محرر رياضة
  • ض
  • ض

فورمولا وان، أول شيء سيخطر في بالك هو السرعة، سيارات بسرعة البرق بملايين الدولارات، صوت المحرك الذي لا يهدأ، السرعة مرة أخرى، وسائقون محترفون مثل البريطاني لويس هاملتون سائق فريق مرسيدس بينز الذي يتقاضى 55 مليون دولار في الموسم فقط ليقود هذه السيارات، (9) وإذا تعمقت في التفكير، ستسأل نفسك ما الذي يفعله السائقون لتقاضي كل هذه الأموال؟ أين هي الرياضة في قيادة السيارة؟

البعض يرى أن سباقات الفورمولا وان، أو سباقات السيارات بشكل عام لا تتطلب موهبة، أين هي الموهبة في شخص يقود سيارة بسرعة كبيرة؟ فالقيادة ليست بالشيء الصعب، فنصف عدد سكان هذا الكوكب أو أكثر يقودون، ما المميز في ذلك إذا كان السائق يمتلك فريقا كبيرا هدفه الوحيد أن تصبح السيارة جاهزة للقيادة؟

إذا قد وصلت إلى هذا الاستنتاج، فإنك بلا أدنى شك سترى أن سباقات الفورمولا وان مجرد لعبة ترفيهية، نعم هناك مخاطرة كتعرّض السائق لحادثة قد تودي بحياته، ولكن أي لعبة ترفيهية فيها جزء من المخاطرة مثل المصارعة الحرة، فقط حركة واحدة خاطئة من المصارع قد تعرّضه للموت.

أصعب رياضة في العالم

   

الفورمولا ممتعة ومثيرة، وعندما تشاهد سباقاتها تتخيل نفسك وأنت تقود السيارة، وتظن بأن من السهل عليك أن تكون مكان هؤلاء السائقين، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما؛ وراء تلك الرياضة الممتعة تعب وإرهاق ومجهود بدني وذهني، فالأمر لا يقتصر فقط على القيادة، والموهبة هنا ليست كافية كي تكون سائقا مميزا.

سائقو الفورمولا وان ليسوا بشرا عاديين، فهم يستخرجون القوة الكامنة من أجسادهم في كل سباق، ويقومون بتدريبات شاقة للحصول على اللياقة البدنية التي تؤهّلهم للمشاركة في السباقات. عندما نقول كلمة "رياضي" فإننا نفكر على الفور في الشخص الذي يقوم بمجهود بدني متواصل بدون أن يشعر بالتعب، سواء كان هذا المجهود عن طريق الركض أو السباحة أو أي رياضة ترتكز على العضلات، وبناء على هذا فإن سائق الفورمولا وان يستحق لقب الرياضي عن جدارة واستحقاق.

مثال بسيط؛ جينسون بوتون السائق المعتزل شارك من قبل في سباق ثلاثي "ترياتلون" وهو أشبه بالماراثون، يبدأ بالسباحة لمسافة 1500 متر، ثم ركوب الدراجات لمسافة 43 كم، وينتهي بالركض لمسافة 10 كم. هذا السائق البريطاني أنهى هذا السباق في ساعتين و22 دقيقة و43 ثانية. الجدير بالذكر أن الرقم الأولمبي هو 1:48:24 بفارق 34 دقيقة فقط عن وقت بوتون، وهو أمر مثير للإعجاب، بالنظر لسائق سيارات وظيفته هي الجلوس في السيارة والقيادة. (1)
   

أفضل من كريستيانو رونالدو

الفورمولا لا تقتصر فقط على قيادة السيارة، بل عليك أن تتدرب باستمرار وبدون راحة حتى تؤهل نفسك لقيادة السيارة، والتدريب المقصود ليس بدنيا فقط، بل ذهني أيضا.

بدنيا، أنت تقوم بتدريبات شاقة ومرهقة على أعضاء هي في الأصل ضعيفة في جسم الإنسان، فالرأس والعنق يعتبران من الأجزاء المهمة التي يتدرب عليها السائق باستمرار، حيث تعتبر التدريبات مرهقة حتى للشخص الذي يشاهدها.

 

(تدريبات السائقين الشاقة) (2)
    

تدريبات تقوية عضلات العنق تعتبر من أصعب التدريبات التي قد تمارسها في حياتك، تخيل أن هذا التدريب يقوم به سائق الفورمولا باستمرار، والسبب الرئيسي في تقوية عضلات العنق يكمن في السرعة التي يسير بها سائق الفورمولا حيث تتخطى 320 كم/الساعة، بالإضافة إلى المنعطفات القوية في جميع الحلبات التي تضغط على الرقبة بقوة، وبالتأكيد استخدامه للمكابح باستمرار، لذلك يتطلب الأمر رقبة مرنة وقوية للتعامل مع الضغط الذي يحدث طوال السباق.

"المنحنيات التي تكون عكس عقارب الساعة تُمثّل تحديا كبيرا بالنسبة للسائقين، حيث يرتكز الحِمل كله على ناحية اليسار، لذلك تحتاج إلى ذراع يسرى قوية، فبعض المنحنيات قد تمتد لـ 8 ثوانٍ، وأثناء تلك المدة، الرقبة تتعرض لحِمل يساوي 25 كيلوغراما"

(لويس هاملتون) (3)
    

متوسط عدد ضربات القلب في جسم الإنسان الطبيعي بدون حركة هو 70 ضربة في الدقيقة، ولكن بالنسبة لسائقي الفورمولا وان أثناء السباق تصل إلى 185 ضربة في الدقيقة، بل قد تصل إلى 200، تخيل أن تكون ضربات قلبك أكثر من 170 ضربة في الدقيقة لمدة ساعتين متواصلتين. (4)

سائق الفورمولا وان عليه اتباع نظام غذائي صارم للغاية من أجل القيادة بدون أي مشكلات صحية، بالإضافة إلى العمل على رفع لياقته البدنية، وتحمّل العوامل الجوية المتقلبة، فقط تخيل أن تقود في درجة حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية، ولمدة ساعتين بدون توقف على سرعة لا تقل عن 320 كم، في سيارة ضيقة بالأساس، وتتسع لشخص واحد فقط يجب أن لا يزيد وزنه على 80 كيلوغراما. تُرى هل تستطيع الصمود لنصف ساعة؟ هذا ما يتعرض له سائقو الفورمولا في كل سباق، ناهيك بإمكانية تعرّضه للجفاف بسبب نقص السوائل، ففي بعض الأحيان يتعرض نظام المضخة المستخدم لنقل السوائل -مشروب الطاقة- للسائق إلى الكسر، ويستكمل السائق السباق بدون أي سوائل.
    

سائق الفورمولا وان يجب أيضا أن يمتلك قدما قوية مثل التي يمتلكها رونالدو من أجل الصمود خلال السباق

الأوروبية
   

كذلك يعد الحصول على أذرع قوية من الأشياء المهمة للغاية بالنسبة لأي سائق فورمولا وان، ولكن الأمر الصعب هو الحصول على أذرع قوية مثل المصارعين، وفي الوقت نفسه صغيرة الحجم لتتناسب مع حجم السيارة، معادلة مستحيلة، ولكن سائقو الفورمولا حققوها.

كريستيانو رونالدو نجم منتخب البرتغال ويوفنتوس الإيطالي الحالي الذي يعتبر رمزا للقوة البدنية، ليس فقط في كرة القدم بل في كل الرياضات، تعرّض من قبل لاختبارات بدنية قاسية شبيهة بتدريبات سائقي الفورمولا، وفي اختبار القوة البدنية، قام اللاعب الشهير بالقفز لأعلى مثلما يفعل دائما في مباريات كرة القدم، لقياس طول القفزة، وكانت النتيجة بأنه قفز لأعلى بمقدار 78 سم، وهو رقم يفوق متوسط قفزة لاعبي كرة السلة، وتم قياس أيضا قوة تسديدة رونالدو، وأشارت النتائج إلى وصول سرعتها إلى 80 ميلا في الساعة. (5)

سائق الفورمولا وان يجب أيضا أن يمتلك قدما قوية مثل التي يمتلكها رونالدو من أجل الصمود خلال السباق، فمتوسط استخدام السائق للمكابح، ودواسة البنزين نحو 1500 مرة في السباق الواحد. (6) الأصعب من ذلك أن دواسة القيادة أصلا قوية للغاية عكس السيارات الحديثة، حيث يتطلّب إيقاف سيارة الفورمولا وان توليد 80 كيلوغراما من الضغط النزولي على دواسة المكابح حتى يتمكّن السائق من إبطاء السيارة فقط.
  

بالنظر لقوة رونالدو البدنية، وأرقام سائقي الفورمولا الخاصة بالتدريب البدني، سنرى أنها متقاربة، مع الأخذ بالاعتبار بأن السائق لا يلعب كرة القدم، بل يقود السيارة فقط، وهذا السائق مطالب بأن تكون قدراته البدنية متقاربة مع لاعب مثل رونالدو.
   

القوة الذهنية الخارقة

  

والآن حان الوقت لتسليط الضوء على الجانب الأكثر صعوبة، وهو "الجانب الذهني"؛ بجانب تعرضك للضغط البدني الشديد أثناء السباق، كما سبق وشرحنا في الفقرات الماضية، هناك أيضا الجانب الذهني الذي لن تستطيع استكمال أول لفة في السابق بدونه.

عقل سائق الفورمولا يعمل طوال السباق، لا ليس طوال السابق فحسب، بل يعمل حتى قبل دخول السباق بساعات بل قبلها بأيام؛ عليه أولا حفظ كل مضمار، ومعرفة أماكن المنحنيات، ورؤية قمة كل زاوية، وخط التسابق الأمثل، والسرعة التي سيسير عليها.

يجب عليه كذلك أن يكون جاهزا لأي حادثة كبيرة قد تحدث له أو لأي سيارة بجانبه، وعليه التصرف بسرعة إذا رغب حقا في استكمال السباق، فسيارته قد تتعرض لأي حادثة بقصد أو بدون قصد، وهذا يتطلب حالة استثنائية من الحضور الذهني كي يتعامل مع هذه الظروف.

وبجانب ذلك، عليك كسائق أن تركّز على الشاشة الرقمية الموجودة على عجلة القيادة، ومتابعة حالة السيارة، والحديث مع الطاقم التقني والفني إذا حدثت أي مشكلة ميكانيكية أو فنية، وقبل السباق يفكر السائق في إستراتيجيته التي سيتبعها، ونوع الإطار المناسب الذي سيستخدمه، وحالته طوال السباق، والتفكير أيضا في إستراتيجيات المنافس، وكيفية التفوق عليها، وبالطبع تنظيم التنفس، خاصة وأنه يسير على سرعة كبيرة، هذه الأمور تحتاج إلى ذهن حاضر وسريع كالبرق.

    

السائق الفنلندني السابق هيكي كوفالاينين (رويترز)

   

السائق الفنلندني السابق هيكي كوفالاينين لديه سابقة مع لوحة ردة الفعل المعروف اسمها بلوحة "باتاك"، هذه اللوحة في الأساس تُستخدم لتدريب العقل، والمساعدة على التنسيق بين العين والأخرى، أي بمعنى أصح تدريب العين على ملاحظة الأشياء بسرعة، هذه اللوحة بها الكثير من الألواح التي تُضيء في تسلسل عشوائي، والفكرة هي ضرب تلك اللوحات لإطفاء الضوء بمجرد رؤيتها، ويقال إن الطيار المقاتل يقوم بإصابة نحو 100 لوح في الدقيقة، تُرى كم لوحا قام هيكي بإصابتها في المدة الزمنية نفسها؟ 121، تخيل سائق الفورمولا يتفوق على مقاتل طيار! (7)

ويقول كوفالاينين: "عليك أن تكون في حالة تأهب مستمر في سباقات الفورمولا وان، يجب أن تكون جاهزا لأي شيء، وكل شيء، ولكن المشكلة أنك لا تعرف أين ومتى ستحدث، مهمتنا هي القيادة لمدة يوم ونصف في الأسبوع طوال العام، ويتم قضاء بقية الوقت في الإعداد لفعل ذلك، إذا لم نكن رياضيين، كنا سنشارك في السباق بدون أي تدريب، إذا لم تكن مستعدا بدنيا وذهنيا، فلن تتمكن من تحقيق النجاح في الفورمولا وان". (8)

سائق الفورمولا وان يستحق المزيد من الاحترام، فهو يقوم بكل هذا التعب من أجل الوجود في السباق، وإمتاع الجماهير، فهو أشبه بمُحرك العرائس، لا يظهر أمام الكاميرا، ولا يحصل على المديح، وفقط يكتفي بتحريك جماد ينقل فيه تدريبه ومجهوده المتواصل، فخلال السباق أنت لا تشاهد السائق أمامك، بل تنظر فقط للسيارة وسرعتها، وكيف تمر من أمام السيارات الأخرى.

أي رياضة أخرى في هذا العالم ستحتاج فيها إلى بذل مجهود كبير إذا كنت ترغب حقا في أن تكون الأفضل أو من ضمن الأفضل، ولكن في عالم الفورمولا وان ستبذل هذا المجهود شئت أم أبيت، إذا رغبت فقط في الجلوس على مقعد القيادة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار