انضم إلينا
اغلاق
سيرة ميسي الرقمية.. عصر الاضمحلال الأول

سيرة ميسي الرقمية.. عصر الاضمحلال الأول

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"مدربكم الآن ليس هولنديا ولم يتخرج من لا ماسيا"

(تاتا مارتينو)

    

هذه هي الحلقة الثالثة من سيرة ميسي الرقمية لصناعها "StatsBomb"، والتي مُنح "ميدان" حقوقها من ضمن عدد من المواقع الأجنبية والعربية. (1) ننصح بقراءة الجزأين الأول والثاني قبل الاستمرار.

    

مقدمة فيانوفا

"الأفكار التي رأيتموها كانت نتاج عمل مشترك بيني وبين تيتو، لم أكن سوى الصوت الذي يوصلها إليكم"

(بيب غوارديولا) (2)

عبقري! ماذا يطرأ في ذهنك عندما تسمع هذه الصفة؟ رجل على قدر من الخَرَق غالبا، بلا حياة اجتماعية، حاد الذكاء طبعا، مهووس، ولكن الأهم؛ يعمل وحيدا.

 

هذه الصورة الذهنية الآتية من الأفلام والدراما ليست واقعية، بل هي مجرد انعكاس لهوس البشر بفكرة المُنقذ المُخَلِّص، وحاجتهم الأزلية إلى الإيمان بكيانات مُطلقة أكبر من تخيّلهم، لذا عندما نشاهد مشروعا كـ "برسا بيب" نتخيل أنه قائم على رجل واحد، ومهما رددنا العبارات التقليدية عن العمل الجماعي والتعاون والتوفيق فإننا لا نؤمن بها فعلا، هي في الحقيقة مجرد عبارات تقليدية نرددها، والدليل أنه ما زال "برسا بيب" حتى اللحظة.

    

  

قطعا هناك أناس أذكى من غيرهم وأكثر قدرة على الإنجاز، وفي السنوات الأربع ما بين 2008 و2012 كان أثر بيب هو الأوضح بين باقي العناصر في كتالونيا، ولكن أثر بيب الأوضح، أو أثر أي شخص في موقع مشابه بأي مشروع آخر، لا يصل حتى إلى النصف، وقوته الحقيقية لا تكمن عادة في كونه يستأثر بـ90% من القرارات مثلا، ولكن في كونه الوحدة المتماسكة الأكبر بين باقي قطع المشروع. قوته الحقيقية تكمن في صعوبة تعويضه، لا سهولة الاستغناء عن الباقين.

  

هذه هي أول مشكلة ينبغي تجاوزها؛ العبقرية أقرب لمشروع ضخم يساهم فيه العديد من الأفراد، تراكمات من الابتكارات تُكمل بعضها بعضا، تولستوي لم يكن لينجز ما أنجزه بدون صوفيا، وشيرلوك لم يكن لينجو بلا واطسون، و"برسا بيب" لم يكن لبيبا وحده. (2)

  

المنطق ذاته ينطبق على ميسي؛ هو أهم قطع المشروع قطعا، ولكن ما حدث بعد رحيل غوارديولا أن باقي الأجزاء بدأت تتبدل وتحل محلها قطع أخرى دخيلة، قطع لا تؤمن بالمشروع أصلا، أو في أفضل الأحوال؛ تؤمن أن ميسي هو المشروع.

  

الآن أعرنا انتباهك من فضلك، لأن ما شاهدته خلال موسم برشلونة الماضي، وما ستشاهده خلال الموسم القادم غالبا، قد بدأ فعليا في هذه الفترة، مع تولي رجل اسمه ساندرو روسيل رئاسة النادي، وبالطبع رحيل أهم قطع المشروع بعد خسارة مؤسفة أمام تشيلسي في نصف نهائي الأبطال.

  

فخ وهمي

خلافة غوارديولا قد تكون إحدى أصعب المهام على أي مدرب، خاصة في برشلونة، ولكن فيانوفا كان يعي ما يفعله. في الواقع، ربما كان بيب هو من سهّل الأمر على صديق عمره، عندما أعلن لاحقا أنه "كان راكعا على ركبتيه من فرط التعب"، وأن السنوات الأربع قد أنهكته نفسيا وعصبيا واستنفدت كل أفكاره وحِيله، وبالطبع يمكنك أن تتخيل أنه قد صرّح بكل ذلك لفيانوفا قبل الرحيل. (3)

    

   

أنت تعلم كيف تجري الأمور؛ يخسر برشلونة أمام فريق دفاعي آخر بعد إنتر مورينيو، ولسبب ما يقرر الجميع أن يقوموا بأسوأ مغالطة ممكنة ويخلطوا ما بين العقم التهديفي الذي أقصى الفريق من دوري الأبطال، وبين العقم التكتيكي الذي يعد مفهوما مختلفا لدرجة التضاد أحيانا، ببساطة لأنه لا يمكن اتهامك بإهدار الفرص ما لم تكن تصنعها بغزارة.

  

المهم أن التعامل الإعلامي مع أزمة برشلونة اختصرها في عنوان واحد ضخم هو الحاجة إلى المزيد من اللعب المباشر والتخلي عن فترات الاستحواذ الطويلة؛ كرات طولية وقُطرية أكثر وحلول أسهل وأقل تعقيدا. طبعا البراغماتية أمر مطلوب ولا غنى عنه، ولكن مشكلتها أنها متوالية لا نهائية لا يمكن التحكم فيها، وفي كرة القدم، لا يوجد قانون يُعرّف الحد الأقصى المسموح به من البراغماتية.

  

فيانوفا لم يقع في هذا الفخ، وقدّم معه برشلونة إحدى أفضل نسخ كرة القدم في الليغا على الأقل، لدرجة تجعلك تأسف أن أهم ما سيتذكّره الناس من هذا الموسم هو هزيمة بايرن ميونيخ الساحقة، ولكن الحقيقة أن هذا الفخ لم يكن حقيقيا أصلا، بل صنعه الإعلام، ربما لأنهم ملّوا سيطرة برسا بيب شبه المطلقة، وربما لأنهم لم يصدقوا أن فريقا بهذه الجودة يمكن تعطيله بطرق ببدائية تشيلسي 2012.

  

المهم أن الأزمة الحقيقية كانت تقع في مكان آخر تماما، وبينما كان تيتو يعتقد أنه يعالجها كان في الواقع يعمّقها ويزيدها حجما على حجمها. أزمة اسمها تزايد الاعتمادية على ميسي، بدأت في آخر مواسم غوارديولا ولم تتوقف عن التصاعد من حينها.

  

نصف الحقيقة

السؤال: هل وجود نجم بحجم ميسي في فريقك يمنحك الأفضلية؟ هذا سؤال فلسفي للغاية على عكس ما يبدو. للوهلة الأولى تعتقد أن نعم هي الإجابة الوحيدة، لذا دعنا نطرحه بصيغة أخرى؛ هل من مصلحة أي فريق في لعبة جماعية أن يُمثّل لاعب واحد نسبة كبيرة من قوّته؟

     

طبعا هذه "النسبة الكبيرة" لن تتجاوز 25-30% بأي حال من الأحوال، والخطأ الذي يرتكبه الجميع كما أسلفنا هو أنهم دائما ما يسألون عما سيحدث لو أزلنا الباقي، ولأن هذا لم ولن يحدث أبدا في لعبة ككرة القدم فإن السؤال الأوقع سيكون عما سيحدث لو فقدت هذه الـ30% أو انخفضت إلى 15% أو 10%، وليكن في مباراة مهمة كنصف نهائي دوري الأبطال مثلا.

  

كان هذا الفخ الوهمي الذي لم ينتبه له فيانوفا، أنه حتى مع منظومة أقرب للمثالية كمنظومة غوارديولا، تمكّن إنتر مورينيو وتشيلسي دي ماتيو من إحباط آمال ميسي ورفاقه، والأمر المشترك الوحيد في المباراتين، مع التسليم أن دفاع البرتغالي كان أكثر صلابة بكثير من الإيطالي، كان تراجع الـ30%، تراجع ميسي وتقديمه لمباراة أقل من المعتاد بفارق ملحوظ. طبعا في موسم فيانوفا الوحيد تجاوز هذا الأثر مجرد الهزيمة للإذلال أمام بايرن ميونيخ، لسبب واضح ومتوَقّع هو أن حجم ميسي صار أكبر مما يُمكن استيعابه.

    

 

وجود نجم أسطوري مثل ميسي في أي فريق أمر رائع، هذا مفروغ منه، ولكنه رائع حتى حدٍّ معين، وهذا الحد المعين لا يتضمن تسجيل لاعب واحد لـ73 هدفا خلال موسم واحد، خاصة عندما يفشل 18 فريقا بجدول الليغا في معادلة هذا الرقم. الحكمة تقتضي ألّا تضع البيض كله في سلة واحدة كما يقول المثل الشهير، ولكن توحش ميسي كان يغري الجميع بالعكس.

   

هل تم تحجيم أدوار سانشيز وفيا وغيرهم لصالح ميسي؟ قطعا. هل كان الأمر يستحق؟ مرة أخرى هذا يتوقف على ما تعنيه بـ"تحجيم أدوار سانشيز وفيا وغيرهم"، الأمر هنا يعتمد على كمِّ التحجيم، وهذا هو دور المنظومة الذي يهمله الكثيرون أثناء تحليلهم لهذه الحقبة. هناك شعرة فاصلة بين تعظيم قدرات الفريق وتعظيم قدرات ميسي، وهذا هو ما جعل مهمة غوارديولا صعبة للغاية في آخر فترته.

  

في الواقع، قد تكون هذه هي المعضلة الفلسفية التي أركعت غوارديولا على ركبتيه؛ أنه اكتشف عند لحظة ما أنه لن يستطيع الحصول على كل شيء، وأنه كلما تطور ميسي وزاد حجمه التكتيكي في الملعب تراجع دور المنظومة. صدق أو لا تصدق، هناك حدٌّ أقصى من الكفاءة لأي فريق كرة قدم، وإيجاد التوازن بين النجم الأبرز -لا الأوحد- والباقين بشكل يضمن الحصول على أفضل ما يملكه الجميع هي عملية أقرب للاستحالة، وإن حدثت فهي لا تستمر أبدا، لذا فبينما كان باقي المدربين يتخيلون أن كل ما يحتاج إليه برشلونة هو "المزيد من المباشرة" كان بيب يدرك أن الأمر أكبر من ذلك بكثير.

   

مشروع الاضمحلال

ما ناله ميسي مع فيانوفا كرفاهية أصبح ضرورة لاحقا، لأن موسم مارتينو شهد تراجع بويول وتشافي لأدنى مستوياتهم منذ 2008. صحيح أن الأمر كان حتميا، ولكن لهذا السبب تحديدا كان دور الإدارة والمدربين في إعداد البدائل مُهما، وهو ما لم يحدث طبعا لأنه إن كانت العبقرية مشروعا متكاملا فإن الاضمحلال لا يختلف كثيرا. (4)

     

مع تراجع تشافي اتسع الفراغ في وسط الملعب وخارجه أيضا، لأن المايسترو لم يكن مجرد قائد لأسلوب اللعب، بل رمز للهوية ذاتها. ماذا يفعل ميسي عندما يجد الفراغ؟ يتمدد ليملأه طبعا، وبعد أن كان قد سجل أقل معدلاته في جودة الفرص التي يصنعها لزملائه بموسم فيانوفا، عاد ميسي لقمة إحصائياته في الموسم التالي ليعوّض تشافي، ولكن رغم استطاعة البولغا ملء فراغه في الملعب فإنه لم يكن أبدا مؤهّلا لذلك خارجه.

    

لاحظ الفارق بين جودة الفرص التي يصنعها ميسي من لعب مفتوح خلال 90 دقيقة (open play xg assisted) بين موسمي فيانوفا ومارتينو  (المصدر statsbomb)

   

  

أتت اللحظة الفاصلة بعد مرور شهرين فقط من بداية الموسم، وتحديدا في 21 سبتمبر/أيلول 2013 عندما فاز برشلونة برباعية نظيفة على رايو فاييكانو بقيادة المهووس باكو خيميث، ولكنه سجّل أقل من 50% من الاستحواذ لأول مرة منذ 2008. حينها عبّر تشافي عن امتعاضه الشديد ولكن من المكان الوحيد الذي لا يتيح له تغيير أي شيء؛ دكة البدلاء. (5) (6)

    

أين كان الباقون ساعتها؟ بيكيه بدأ بالقول إنهم كانوا مهووسين بأسلوب اللعب لدرجة أنهم أصبحوا "عبيدا له"، وسيسك أكد أن الفريق عليه أن يقرأ المباريات مثلما يريد مارتينو، وبعدها خرج ميسي ليقول إنه "ستأتي مباريات تتطلب منّا أن نركن الباص" فيما يعتبر أول تصريح تكتيكي له على الإطلاق، (7) وعند هذه المرحلة كان يصعب أن تتخيل أن كل ذلك بدأ بالرغبة في "المزيد من المباشرة في اللعب".

    

  

طبعا في كرة القدم لا يوجد قانون يعرّف الحد الأقصى المسموح به من البراغماتية، ولكن عندما تسمع ميسي يتحدث عن ركن الباص ولا تتوقف أو تطرح الأسئلة فأنت لن تتوقف أبدا، و"بعض المباريات" ستتحوّل تدريجيا إلى "الكثير من المباريات"، والكرات الطويلة المباشرة ستتحوّل من حل إضافي إلى حل أساسي، والتركيز على نقاط القوة سيتحوّل إلى إفلاس واستسلام وفقر في الإبداع. لاحقا سيهدر برشلونة 5 سنوات على الأقل بعد موسم مارتينو ليدرك هذه الحقيقة، أو لكي يعاندها بالأحرى.

  

 هذه طبيعة بشرية لا مهرب منها، ببساطة لأنه إن كانت ضربات الخصوم هي ما أفقدك الثقة في الأسلوب الذي منحك كل شيء، الأسلوب الذي ينشأ عليه لاعبو الأكاديمية ويستعدون لتطبيقه طيلة حياتهم، فإن ذات الخصوم سيفعلون ما هو أكثر بكثير مع أي أسلوب آخر. المفارقة هنا أن ميسي هو أكثر من سيدفع ثمن كل ذلك رغم كونه أكثر المتحمسين.

  

لعبة الأرقام

في كتاب "لعبة الأرقام" (The Numbers Game: Why everything you know about football might be wrong) يقول ديفيد سالي وكريس أندرسن إن كرة القدم، باعتبارها لعبة جماعية، ينطبق عليها نظرية الحلقة الأضعف (The Weakest Link)، أي إن معالجة فرق كرة القدم لعيوبها وثغراتها يجب أن تحتل الأولوية على حساب تدعيم نقاط القوة، وهم هنا يستخدمون المبدأ المنطقي البسيط؛ كلما قلّت الكفاءة كان تحسينها أسهل وأسرع. عندما تمتلك ظهيرا تبلغ كفاءته 40% مثلا ومهاجما يتخطى الـ80% فإن استبدال الأول سيحمل إضافة أكبر للفريق. (8) (9)

  

هذا هو بالضبط عكس ما فعله برشلونة عقب موسم مارتينو الصفري؛ رفض التعامل مع نقص الأطوال الواضح في الدفاع والذي تلقّى بسببه عددا أكبر من الأهداف من رأسيات مقارنة بالمواسم السابقة، بل إن واحدا منها بالتحديد كان السبب في خسارة الليغا في آخر جولة، ثم تجاهل الأزمة الواضحة في وسط الملعب، في الواقع الوصف الأدق لما حدث هو أن إدارة بارتوميو قررت تعميق الأزمة بالتخلي عن فابريغاس رغم بيع تياغو في الصيف المنصرم، والاستثمار الوحيد المنطقي تم في حراسة المرمى، ولكن أكثر الأموال ذهبت لتدعيم خط هجوم لم يكن يعاني من مشكلات ضخمة مقارنة بباقي الخطوط.

  

الأهم أن راكيتيتش أتى ليحتل موقع تشافي. الكرواتي لاعب رائع، أو كان كذلك وقتها على الأقل، ولكن قدراته البدنية أغرت إنريكي بحجزه للتغطية على ألفيش، والذي كان قد بدأ يعاني آثار السن بدوره، وهذا كان يعني أن ميسي سيلعب دور تشافي أغلب الوقت تاركا إنهاء الفرص لنيمار وسواريز، وفي واحدة من أغرب ظواهر كتالونيا بدأ المشجعون يحمّلون مسؤولية كل ما سبق لإنريكي، وعانى الرجل الأمرّين حتى نهاية عهده، رغم أنه في الواقع لم يفعل أكثر مما فعله سابقوه؛ تعامل مع الواقع كما هو لأنه لم يملك القدرة على تغييره، هذا إن تجاهلنا هوسه المَرَضي بالمداورة في الموسم الأخير.

   

المقدمات لم تكن تشي بثلاثية نهائيا، ولكن ميسي قدّم واحدا من أعظم مواسمه على الإطلاق في 2014-2015. في الحقيقة ميسي رجل بسيط للغاية، وهناك عدد من المؤشرات يمكنها أن تخبرك عن نتيجة موسمه، منها أمر لا ينال القدر الكافي من الاهتمام كالإصابات؛ عندما يصاب ميسي لفترات طويلة فتأكد أنه يسهر أكثر من اللازم، ويشرب أكثر من اللازم، ولا يتبع النظام الغذائي السليم. على سبيل المثال، في حقبة بيب كاملة لم يغب ميسي بداعي الإصابة سوى مرة واحدة لم تمتد لأكثر من مباراتين، ولكن في الموسمين التاليين مع تيتو وتاتا تسببت إصابات ميسي المتكررة في غيابه عن 19 مباراة. (10)

  

في هذا الموسم وصل ميسي إلى درجة غير مسبوقة من النحافة والتركيز والفاعلية في الوقت ذاته؛ بعض الأرقام تجاوزت الحد الأقصى على رادارات "StatsBomb" كالعادة، ولكن الجديد أن عددا من الإحصائيات الأخرى قد تحسّنت أيضا، مثل نسبة الأهداف المتوقعة من تسديداته على سبيل المثال. ميسي لم يكن يسدد كثيرا بحكم دوره الجديد، ولكنه كان قد توقّف عن الاستئثار بالكمّ المعتاد من المحاولات على المرمى وصارت مهمته أن يصنعها، وبعد تسجيل الهدف الأول في أي مباراة وضمان التحكم في مجرياتها يصعد ميسي ليحصل على نصيبه. الرجل الذي كان أفضل مهاجمي الفريق أصبح أفضل صانعي ألعابه أيضا، ولم يغب عن أي مباراة بداعي الإصابة كذلك.

    

لاحظ تطور إحصائيات ميسي على رادار صناع اللعب خلال المواسم الأربعة التالية لحقبة غوارديولا  (المصدر statsbomb)





   

      

 

   

على مستوى القاعدة

موسم 2014-2015 كان استثناء لم يدرك الكثيرون أنه استثناء، وأغلب العوامل التي ساعدت على إنهائه بهذه النتائج لم تكن قابلة للتكرار؛ احتفاظ ميسي بحالته البدنية والذهنية حتى الأمتار الأخيرة كان بسبب بداية متواضعة للموسم قلما تتكرر مع برشلونة، وعروض ألفيش وبيكيه وإنييستا الرائعة كانت أشبه بالضربة الأخيرة لملاكم على وشك فقدان وعيه، ونيمار لم يكن ليقبل بتحجيم أدواره للأبد وكان على الجميع أن يدرك ذلك منذ التعاقد معه؛ البرازيلي لن يبقى أمام الكرة لفترة طويلة حتى لو منحه ذلك أكبر حصيلة تهديفية في مسيرته، وعند لحظة ما لن يتسع الملعب له ولميسي معا لأنه سيرى نفسه بديلا للأرجنتيني لا شريكا له.

  

هذا يقودنا إلى خلاصة مهمة جدا؛ وهي أن سيرة ميسي الرقمية في سنوات ما بعد غوارديولا، رغم تعقيدها وكثرة إحصائياتها، يمكن التعبير عنها بإحصائية واحدة لا تخص ميسي أصلا، وهي عدد لاعبي برشلونة أمام الكرة وخلفها. النقطة التي يبدأ عندها كل شيء وينتهي.

  

خلف الكرة وأمام الكرة هي مصطلحات تكتيكية تُستخدم للتمييز بين اللاعبين المنوط بهم الاستحواذ وصناعة الهجمات وبين هؤلاء المختصين بإنهائها. في نهايات حقبة بيب على سبيل المثال كان برشلونة ينتشر فيما يشبه 2-4-4. من فضلك لاحظ أنها 2-4-4 وليست 4-4-2، برشلونة كان يحتاج إلى تمركز يشبه نقيض تمركز الخصم، ومع توالي التكتلات الدفاعية من المنافسين كان غوارديولا يضع 4 مهاجمين في الثلث الأخير لهدف واضح؛ 4 مهاجمين سيراقبهم 5 مدافعين على الأقل، وهذا يمنح تشافي ورفاقه في الوسط زيادة عددية تُمكّنهم من مداورة الكرة بصبر حتى تظهر الثغرة.

  

بعدها بدأت المتوالية برغبة برشلونة في مزيد من المباشرة كما أسلفنا، ثم انتقل الأمر للتركيز على قوة الهجوم وتجاهل الوسط تماما، ثم رحل تشافي وفقد الخط الأمامي أهم أضلاعه بعودة ميسي للوسط، ثم تراجع إنييستا ففقد ضلعا آخر في نيمار الذي بدأ يتأخر بدوره لتغطية العجز وإخراج الكرة. خط وسط برشلونة الأميز في العالم أصبح ثقبا أسود يبتلع جهود كل نجومه، وهذا يثبت نظرية سالي وأندرسن بما لا يدع مجالا للشك، ويخبرك عن حجم الجرائم التي ارتكبتها إدارة بارتوميو على مستوى الميركاتو والتخطيط، أو انعدام التخطيط بمعنى أصح.

  

هذه هي الرؤية التكتيكية التي افتقدها ميسي عندما ساند مارتينو، وعندما كرر الأمر مع فالفيردي لاحقا، هذا هو ما كان تشافي يحذر منه بلا جدوى. المشكلة ليست في البراغماتية بحد ذاتها ولا الرغبة في التطور والتأقلم مع المستجدات، المشكلة الحقيقية تقع عندما يستخدم كل ذلك كقناع للفشل والإفلاس والاستسهال. برشلونة كان حتما سيتأثر بتفكيك أفضل ثنائية وسط في تاريخه، هذا بديهي، ولكن بكل تأكيد كان في الإمكان أفضل بكثير جدا مما كان.

     

عظمة الاضمحلال

المحصلة هي أعظم مواسم ميسي على الإطلاق والعكس لبرشلونة. قد يوحي ذلك أن البولغا سجل وصنع بهذه الفترة أكثر مما قبلها، ولكن هذا ليس حقيقيا. عليك أن تنتبه الآن لأن القادم يحمل قدرا لا بأس به من التعقيد.

     

في الرسم التالي تظهر مقارنة بين الأهداف والتمريرات الحاسمة المتوقعة لميسي، وبين تلك التي سجلها فعلا، وللوهلة الأولى تشعر أنه لا رابط بين الأرقام في المواسم المتتالية، لا تزيد بشكل منتظم أو العكس، وهنا يجدر الإشارة إلى نقطتين مهمتين؛ الأولى أن السياق مهم جدا في قراءة هذه الأرقام، على سبيل المثال فإن الأسباب التي دفعت ميسي لزيادة حصيلته في 2012-2013 لم تكن الأسباب ذاتها في 2015-2016، لاختلاف وضع الفريق وظروفه ومدى المساندة التي يتلقاها ميسي من زملائه.

     

مقارنة بين الأهداف والتمريرات الحاسمة المتوقعة لميسي والأهداف والتمريرات الحاسمة الفعلية (المصدر statsbomb)

     

ما يؤكد هذا السياق هو إحصائية أخرى عن معدل توغلات ميسي ومراوغاته وتمريراته الأمامية في المباراة الواحدة، والتي تُظهِر تطورا منتظما من 2010-2011 حتى 2015-2016 وما بعدها، لدرجة أنها ارتفعت بمقدار 50% في السنوات الثماني الأخيرة، والتي منها 3 مواسم في الثلاثينيات من عمر ميسي. في 2010 كانت توغلات ميسي وتمريراته الأمامية تُشكّل نحو 21% من إجمالي إنتاج الفريق، وفي 2018 صارت تزيد على 34%! (11)

  

أما الرسم التالي فيوضح تطور إحصائيات ميسي في التمرير عبر الفترة نفسها، وهنا يظهر مجددا التشابه بين موسمي فيانوفا ومارتينو من جهة وأول موسمين لإنريكي من جهة أخرى رغم الفارق الضخم في تكوين المنظومة وعناصر قوتها وضعفها بين هذا وذاك.

    

تطور إحصائيات ميسي في التمرير عبر 12 موسما منذ بدايته مع برشلونة  (المصدر statsbomb 2222)

  

السؤال

الآن نطرح السؤال مجددا؛ هل وجود نجم بحجم ميسي في فريقك يمنحك الأفضلية؟ الآن تبدو الإجابة أكثر تعقيدا بكثير مما سبق. المشكلة كلها تكمن في حقيقة واحدة؛ تحقيق الاستفادة القصوى من لاعب بكفاءة ميسي دون الإضرار بالمنظومة يتطلب مدربا وإدارة بكفاءة ميسي ذاته. هذا هو ما يجعل الأمر صعبا لهذه الدرجة، أن الطفرات داخل الملعب مثل ميسي تحتاج إلى طفرات شبيهة خارجه ليتم استغلالها على الوجه الأمثل.

  

السؤال الآخر المنطقي هنا؛ لماذا إذن ما زلنا نشعر بتأثير ميسي الضخم في كل مباراة لبرشلونة تقريبا، حتى رغم غياب المنظومة والمدربين الأكفاء والإدارة الواعية والتعاقدات الصحيحة؟ الحقيقة أن الأمر يتوقف على رؤيتك لما يفعله ميسي؛ على المستوى الفردي هو يحقق أعظم إنجازاته في المواسم الأخيرة، ولكن من وجهة نظر جماعية فإن استنفاد ميسي على هذا النحو طيلة المواسم السابقة هو أشبه بإهدار الموارد، وأيًّا كان ما حققه الفريق في هذه الفترة فإن منظومة أفضل ومدربين أكفأ وتعاقدات أوقع كانت قادرة على تعظيمه.

  

ما حدث في برشلونة عقب حقبة بيب وتحت قيادة روسيل وبارتوميو من بعده هو أقرب للجريمة الكاملة. هذه الإدارة هي الشيء الوحيد القادر على تحويل هبة عظيمة مثل ميسي إلى لعنة على الفريق، تُصدّره للجماهير وتختبئ خلفه، وتنتظر منه أن يدلي برأيه في المدربين والتعاقدات والمراكز المُثلى لزملائه الحاليين، والأهم من كل ذلك أن جهده وإبداعه المستمر يحميها من تلقي أي عقوبات منطقية على أخطائها، في الوقت ذاته الذي يشعر فيه ميسي نفسه بالتقصير أحيانا، ويتحدث عن تحمله مع الفريق مسؤولية الهزائم المتتالية.

    

كما قلنا؛ جريمة شبه كاملة، وهذه الجريمة على وشك أن تأخذ أبعادا أكبر في المواسم الثلاثة التالية، وميسي ما زال أقل خبثا وذكاء وحنكة من أن يدرك الأمر، والأغلب أنه سيعتزل على الحال ذاته.

   

الآن نترككم هنا بانتظار الجزء الرابع والأخير من سيرة ميسي الرقمية، والذي تقرر تأجيله حتى أول توقف دولي في الموسم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار