انضم إلينا
اغلاق
تاريخ أحذية كرة القدم.. كيف أطاحت بماتيوس من قلوب الألمان وساهمت في شعبية بيليه؟

تاريخ أحذية كرة القدم.. كيف أطاحت بماتيوس من قلوب الألمان وساهمت في شعبية بيليه؟

محمود عصام

محرر بقسم الرياضة
  • ض
  • ض

قبل خمس دقائق فقط من انتهاء الوقت الأصلي لنهائي مونديال 1990، وبينما تشير النتيجة إلى التعادل السلبي بين منتخبَيْ ألمانيا الغربية والأرجنتين، قرر الحكم المكسيكي كوديسال مينديز أن يحتسب ركلة جزاء مثيرة للجدل لصالح المنتخب الألماني. بدأ لاعبو الأرجنتين بقيادة مارادونا في الاعتراض بشكل عنيف على الحكم، وعلى الجانب الآخر تعلّقت أعين لاعبي المنتخب الألماني وجمهوره برجل وحيد، لوثر ماتيوس. (1)

  

كانت تلك هي اللحظة المثالية تماما لرجل متغطرس مثل ماتيوس، الذي ظل يلعب حتى عامه الأربعين كي لا يفقد الاهتمام الذي أُحيط به دوما، وبعد أن اعتزل أخيرا صرّح باقتضاب: على ألمانيا أن تشعر بالخجل من الطريقة التي تُعامل بها معبودها. هذا الرجل المتغطرس الذي قلّما أضاع ركلة ترجيح كان على موعد بعد دقائق معدودة من انتزاع كأس العالم من قلب روما والعودة به إلى بون، لكن، وللعجب، فوّت ماتيوس تلك الفرصة المثالية. (2)

   

تفاجأ الجميع برفض معبود ألمانيا المفترض تسديد ركلة الجزاء طالبا من زميله بريمه أن يسددها بدلا منه. تُوِّجت ألمانيا بالمونديال بفضل ركلة جزاء بريمه، وتُوِّج بعدها ماتيوس بالبالون دور والأفضل في أوروبا، لكن رغم كل ذلك شعر الألمان في قرارة أنفسهم أن قائدهم خذلهم، ووضعهم على محك الخطر بعد أن فقد ثقته بنفسه في أهم الأوقات. وأمام كل تلك الاتهامات الثقيلة كان لماتيوس تبرير مُغاير تماما.

     

لوثر ماتيوس في كأس العالم 1990 (رويترز)

  

قبل تلك الواقعة، اعتاد ماتيوس أن يرتدي الحذاء نفسه لأربع سنوات كاملة دون أن يبدّل به حذاء آخر أبدا. تأقلمت قدما ماتيوس مع هذا الحذاء بشكل مثالي، لكن أثناء المباراة انكسر أحد مسامير الحذاء الأيمن. اضطر ماتيوس أن يرتدي حذاء جديدا تماما بين شوطَيْ المباراة، لكنه لم يشعر أبدا بالراحة، ولم يستطع أن يأخذ القرار بتسديد ركلة الجزاء المصيرية تلك بهذا الحذاء الجديد غير المريح. (3)(4)

   

"خلال الشوط الأول كنت أواجه بعض المشكلات في حذائي. لقد انكسر أحد المسامير، وكان عليّ أن ألعب الشوط الثاني بحذاء جديد تماما. كل ما أردت فعله هو العودة إلى الملعب، لذا استخدمت الأحذية الجديدة لكنني لم أشعر بالراحة فيها".(5)

    

هل يبدو لك لوثر ماتيوس على قدر من السذاجة بعد تلك القصة؟ الحقيقة أن ماتيوس الذي وُلد لأب يعمل في مصنع "بوما" للأحذية كان يعلم تماما أن العلاقة بين لاعب كرة القدم والحذاء الرياضي أكثر عُمقا مما تبدو عليه، وهذا ما يعرفه جيدا كل من لعب كرة القدم، بداية من الملك هنري الثامن إلى لاعبي الوقت الحالي، والذين يؤكدون أن حذاء مريحا أفضل كثيرا من حذاء آمن يُقلِّل من الإصابات.

  

الحذاء الملكي في مواجهة أحذية العمال
الحذاء الملكي (مواقع التواصل)

  

رغم محاولات الملك هنري الثامن حظر لعبة كرة القدم لما ينتج عنها من أعمال شغب وعنف وإصابات بالغة ذلك الوقت، فإن ذلك لم يمنعه أن يطلب من صانع الأحذية الخاص به السيد كورنيليوس جونسون حذاء مخصصا للعب كرة القدم عام 1525. (6)

  

هذا الحذاء الملكي لم يعرفه عامة الشعب خلال ذلك الوقت، حيث كانت أحذية كرة القدم هي ببساطة أحذية العمل نفسها. لم تكن تلك الأحذية مُصمَّمة للركض أو ركل الكرة، حيث كانت ثقيلة للغاية وبرقبة عالية، كما تحتوي مقدمة الحذاء في بعض الأحيان على جزء من المعدن الصلب. تسبّب ذلك بالطبع في حدوث العديد من الإصابات كلما ركل لاعب قدم الآخر عن طريق الخطأ، ولكن سحر الكرة كان أكبر من أن يمتنع الناس عن ممارستها، فقرروا مع الوقت صناعة أحذية تتناسب مع اللعبة. (7)

    

t>

   

مع زيادة شعبية كرة القدم وظهور قوانين أساسية لتنظيم اللعبة، اختفت أحذية العُمّال وظهرت أحذية خاصة باللعبة، حيث سمح أحد القوانين عام 1891 باستخدام المسامير الصغيرة في نعل أحذية كرة القدم. هنا ظهر حذاء كرة القدم الحقيقي والمُصمَّم من أجل أداء أفضل في هذه الرياضة. صُنعت تلك الأحذية من الجلد السميك، وكانت لا تزال ثقيلة للغاية، حيث تزن ما يقرب من نصف كيلوجرام، وقد يزيد هذا الوزن ليصل إلى كيلوجرام في الظروف الجوية الرطبة. كانت هذه بداية أحذية كرة القدم الحديثة التي نعرفها اليوم. (8)

  

من الخسارة بثمانية أهداف للفوز بكأس العالم

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شهد تصنيع أحذية كرة القدم تطورا ملحوظا، حيث بدأ الاهتمام يزيد بكرة القدم على الصعيد الدولي. ظهرت مع الوقت أحذية كرة قدم أكثر مرونة وأخف وزنا، حيث تحوّل التركيز في صناعة الأحذية الرياضية على الركل والتحكّم في كرة القدم بدلا من مجرد إنتاج أحذية واقية. بدأت شركات التصنيع في الظهور على نطاق أوسع، مثل شركات غولا وهامل، ثم حدثت الطفرة بإنشاء مصنع الأخوين داسلر في ألمانيا. (9)(10)

  

اشتكى اللاعبون مرارا من تأثير الظروف المناخية في مجريات اللعب، فمع هطول الأمطار تصبح الأحذية أثقل والاتزان على العشب المبتل مهمة صعبة للغاية، لكنها كانت شكاوى لا ينظر إليها بجدية أبدا. يشبه الأمر في الوقت الحالي عندما يصيح صديقك أن ذراع التحكم في يديه هو العائق الوحيد لكي يسحقك في ألعاب الفيديو، فقط تكتفي بالنظر إليه دون رد وتكمل اللعب. آل داسلر هم الوحيدون الذين قرروا تفحص الأمر بشيء من التدقيق ومعالجته بشكل احترافي، وقدّم أدولف ورودولف داسلر إسهاما ملحوظا في تصنيع أحذية كرة قدم ذات وزن أقل، كما قدَّم ذلك المصنع حذاء رياضيا يحتوي على مسامير قابلة للتبديل، إما مطاطية وإما بلاستيكية، وتم تصنيعها خصيصا لاستخدامها في ظروف الطقس المختلفة.

    

  

انفصل الأخوان داسلر عن بعضهما بعضا في أوائل عام 1940، حيث احتفظ أدولف بالمصنع الأصلي وأعاد تسمية الشركة إلى "أديداس"، بينما قام رودولف بإنشاء مصنع أحذية خاص به تحت اسم "بوما" عام 1948، وخلال مونديال 1954، فاجأت "أديداس" عالم كرة القدم بالأحذية الخاصة بالفريق الوطني الألماني والتي بلغ وزنها 380 جم فقط. الأهم من ذلك ما حدث خلال المباراة النهائية، فبعد أن خسر المنتخب الألماني أمام منتخب المجر في مرحلة المجموعات 8-3، تقابل الفريقان مرة أخرى في المباراة النهائية، إلا أن الطقس كان في صالح الألمان تلك المرة، حيث بدأ هطول الأمطار بغزارة قبل المباراة. خلال ذلك الوقت قدم أدولف داسلر للمنتخب الألماني أحذية ذات بروزات أطول للمساعدة في الحركة على سطح الملعب المبتل، واستطاعت ألمانيا الفوز على المجر بثلاثة أهداف لهدفين وتحقيق كأس العالم. (11)

  

الملك بيليه وكريغ المفترس

لم تتوقف أحذية كرة القدم عن التطور مع الوقت، سواء في الشكل أو المضمون. أصبح من الرائج أن يرتدي اللاعبون أحذية خاصة بعلامات تجارية معينة أثناء اللعب مقابل الحصول على أموال لهذا العرض. ظهر بيليه لأول مرة بحذاء من طراز "بوما" خلال كأس العالم 1962، ثم تُوِّج بكأس العالم 1970 مرتديا حذاء "بوما" بتصميم خاص يحمل اسم "الملك" (Puma King)، وهو اللقب الذي لم يفارق بيليه بعد ذلك. لم تنتهِ تلك الشراكة بين بيليه و"بوما" والتي بدأت منذ ما يقرب الـ 57 عاما، حيث كان الظهور الأخير للبرازيلي بيليه قبل نحو أسبوعين فقط من خلال فيديو تم بثه من خلال حساب إنستغرام الخاص به وهو يُوقِّع أحد الأحذية في إحدى الحملات الإعلانية.

     

   

ظهر خلال فترة السبعينيات تطور ملحوظ في المظهر، حيث ظهرت ألوان أخرى من الأحذية لأول مرة، بدأ الأمر بالأحذية البيضاء ثم ظهرت تلك الأحذية الملونة مع الوقت. أما عن التطور في المضمون، فقد أنتجت "أديداس" خلال عام 1979 حذاء يحمل اسم "كوبا مونديال" (Copa Mundial) مصنوعا من جلد الكنغر الفاخر والذي تم اختياره لقدرته على الثني بشكل أسرع من الجلود الأخرى. أما العلامة الفارقة في ذلك التطور فكانت تصميما آخر لـ "أديداس" تحت اسم "المفترس" (Predator) ابتكره كريغ جونستون.

  

لم يحظَ كريغ بشهرة بالغة أثناء فترة لعبه كرة القدم رغم أنه كان لاعبا أساسيا لسنوات في صفوف فريق ليفربول الإنجليزي. وُلد كريغ في جنوب أفريقيا، ويحمل الجنسية الأسترالية، وتقاعد عن لعب كرة القدم وهو في الثامنة والعشرين. كل تلك المعلومات لا تُعرِّف كريغ بقدر ما يُعرّفه إلى الجميع التطور الهائل الذي أحدثه في مجال تصنيع أحذية كرة القدم. (12)

  

أصبح كريغ بعد الاعتزال مدربا لناشئي نادي أفالون في سيدني، وكانت إحدى نصائح كريغ للأطفال فيما يخص الدوران بالكرة هي التعامل مع الحذاء وكأنه مضرب تنس طاولة، ليرد عليه أحد الأطفال ببساطة: لكن أحذيتنا مصنوعة من الجلد وليس من المطاط. بعد دقائق معدودة أُلغي المران بسبب هطول الأمطار، ثم عاد كريغ سريعا للمنزل وقام بتجريد مضرب تنس الطاولة الخاص به من طبقة المطاط ولفّها حول حذائه الرياضي بأربطة مطاطية وخرج ليركل به الكرة تحت المطر، حينئذ أدرك كريج أنه على وشك اكتشاف شيء ما على قدر من الأهمية. طوّر كريغ ما لا يقل عن ألف نموذج أوّلي من هذا الحذاء، ثم عرض الأمر على شركات "أديداس" و"بوما" و"نايكي" ولم يُبدِ أحدهم اهتماما كافيا نحو الأمر.

    

تصميم لـ "أديداس" تحت اسم "المفترس" (predator) الذي ابتكره كريغ جونستون (رويترز)

   

في ديسمبر/كانون الأول 1990، استطاع كريغ أن يقابل بيكنباور وأقنعه بتجربة هذا الحذاء رفقة كارل رومينيغه تحت الثلج المتساقط في ميونخ. لاقى الحذاء إعجاب نجمَيْ ألمانيا كثيرا آنذاك، وقام جونستون بتصويرهم أثناء تلك التجربة، ثم عاد إلى "أديداس". تزامن ذلك مع اجتماع لمجلس إدارة الشركة لمناقشة الإفلاس المحتمل، لكن في غضون دقائق من مشاهدة الفيديو، أدرك الجميع أن فكرة جونستون تلك هي مستقبل "أديداس"، وقد كان. أصبح جونستون مصمم الأحذية الرئيسي ورئيس قسم ابتكار كرة القدم في "أديداس". أطلق جونستون و"أديداس" الحذاء تحت اسم "المفترس" في لاس فيغاس عام 1994 قبل كأس العالم في الولايات المتحدة، وأصبح الحذاء ظاهرة فعلية مما جعل "أديداس" تجني مئات الملايين. (13)

  

"لم يسمحوا لي بمغادرة القاعة إلا بعد توقيع عقد حصري معهم"

(كريغ جونستون)

    

   

التطور والتأثير الفني

أصبحت أحذية كرة القدم الآن تُصنع لتكون مناسبة لقدم اللاعب خصيصا بفضل تقنية الليزر، وأصبح من الشائع أيضا كتابة أسماء أو أرقام مُفضَّلة فوق أحذية اللاعبين، وتم تحديث المسامير المطاطية والبلاستيكية لمزيد من تحكُّم أفضل في الملعب. مع التطور التكنولوجي، أصبح من الممكن وضع رقائق صغيرة محوسبة تسمح بتتبع تحرُّكات وأداء اللاعب على أجهزة الحاسوب، وما كان يشتكي منه اللاعبون منذ اختراع كرة القدم آن لنا الآن أن نتحرّى عن دقته؛ هل تؤثر الأحذية بالفعل في أداء اللاعبين داخل الملعب أم أن الأمر محض خيال؟

  

عام 2010، أصدر مختبر الميكانيكا الحيوية بجامعة دويسبورغ بالتعاون مع جامعة شيمنيتز للتكنولوجيا في ألمانيا بحثا بعد دراسات استمرت لعشر سنوات لتوضيح كيف يمكن لتصميم الأحذية تعزيز الأداء في كرة القدم. أُجري استبيان لمعرفة أكثر المزايا المرغوبة التي يتوقّعها اللاعبون من أحذيتهم، وقد أوضحت النتائج أن هناك طلبا أساسيا لدى لاعبي الكرة وهو الحصول على أحذية مريحة، يلي ذلك في الأولوية الحصول على حذاء أكثر ثباتا، ثم بعد ذلك القدرة على الإحساس بالكرة ووزن الحذاء المنخفض، والمثير للدهشة أن الحماية من الإصابات حصلت على تصنيف منخفض للغاية لدى اللاعبين. (14)

  

طبقا للبحث، فإن استخدام قياسات توزيع الضغط داخل الحذاء كان مناسبا تماما للمساعدة في تصميم أحذية مريحة، كما أن المسامير الموجودة في نعل الأحذية أثّرت في القدرة على التحرُّك بشكل كبير. وبإجراء بعض التعديلات لتوفير المزيد من الاحتكاك بين الحذاء والكرة، أدّى ذلك إلى تأثير مباشر على دقة وسرعة ركل الكرة، وعلى الرغم من أن الزيادة المحتملة في السرعة القصوى للكرة ليست سوى نسبة مئوية قليلة، فإن كرة القدم في الواقع تتأثر بفوارق الثواني والسنتيمترات.

  

هل ما زلت غير مقتنع بحديث ماتيوس عن أهمية الحذاء المريح؟ حسنا، إليك باقي القصة لتتأكد من الأمر. قبل عامين من تلك المباراة النهائية، تقابل ماتيوس ومارادونا في مباراة خيرية، حيث أعار ماتيوس الحذاء نفسه لمارادونا للعب به، وعندما أعاده مارادونا إلى ماتيوس اكتشف الأخير أن الأرجنتيني عقد الرباط على نحو مختلف تماما. ارتدى ماتيوس الحذاء بعد ذلك ووجده أكثر راحة من ذي قبل، ولذا قرر استخدام طريقة دييغو نفسها في عقد رباط الحذاء حتى انتهاء مسيرته.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار