انضم إلينا
اغلاق
جوزيه مورينيو.. العبقري الذي غرق في ماضيه

جوزيه مورينيو.. العبقري الذي غرق في ماضيه

حسن لطيف

محرر رياضة
  • ض
  • ض

أينما حل البرتغالي جوزيه مورينيو فإنه يصنع الحدث، الجدل، الصخب، وكثيرا من الأزمات. هو المدرب الأكثر إثارة في جميع الدوريات، وهو أيضا الرجل الذي صنع ماضيا تدريبيا عظيما، لكنه غرق فيه بدلا أن ينطلق منه نحو مجد كروي أعلى وأفضل، ربما لأن الحاضر قد تجاوزه، أو لأن مورينيو نفسه ما زال مُصِرًّا على أن كرة القدم تُلعب له وليس للجمهور.

  

رحلة مورينيو الاستثنائية على خط التماس، من بورتو إلى تشيلسي مرورا بإنتر ميلان، ريال مدريد، تشيلسي مجددا، مان يونايتد، وأخير توتنهام، كلها، دون استثناء، كانت تركب بساط الغطرسة. هو مدرب متغطرس بقدر ما هو مدرب عظيم، حيث يمكننا أن نتذكر مواقف كان مورينيو بطلها أكثر من تذكرنا لألقاب كان فريقه بطلها، ورغم أن معظم الأشخاص الناجحين لديهم قدر من الغطرسة، فإن غطرسة مورينيو أغرقته في ماضيه بدلا من أن تغرقه في جذوره، مثلما هو الحال للعظيمَين أرسين فينغر وأليكس فيرغسون.

  

النتائج الجيدة التي حققها مورينيو، والبطولات التي حصدها، لم تكن لأنه مدرب بارع تكتيكيا بقدر ما هو مدرب ذكي، يستطيع بتصريحاته أن يرفع الضغط عن لاعبيه، ويضع أضعافها على الفريق المنافس، وهو ما يمنحه أفضلية، فكل مواجهة طرفها مورينيو يحترمها الخصم احتراما ربما يصل إلى مرحلة الخوف الذي يلحق به الفشل. (1)

       

      

ولأن التاريخ حافل بالمواقف المثيرة والشائكة للمدرب البرتغالي، فكان من الطبيعي أن تلقى تجربته الحالية في توتنهام رفضا قاطعا من الجماهير الإنجليزية، لأن إنجلترا التي كانت قبل عقد ونصف من الزمان -حيث صنع مورينيو مجده التاريخي- تغيرت عن إنجلترا الآن، ولم يعد فيها مكان بين الكبار لمن يريد أن يدافع ويلعب المرتدات، بعدما أعلنت الكرة الهجومية تفوقها، وطغت أفكار كلوب، غوارديولا، وحتى بوكيتينو الذي حلّ مورينيو محله، على مدارس الخوف والبقاء في الخلف، وانتظار هدايا القدر وأخطاء المنافس لشن هجمة مرتدة. (2)

        

عقدة الفشل

فشل مورينيو أن يكون نجما يقدره البرتغاليون كوالده، فلم يكن جوزيه لاعبا محترفا لكرة القدم أو مميزا فيها، رغم أنه ولد في بيئة كروية خالصة وأحاطت كرة القدم بطفولته، فكان والده حارس مرمى المنتخب البرتغالي ومحترفا مع أوس بيلينينس وفكتوريا دي شيتوبال ووالدته سيدة أعمال معروفة في البرتغال، وبينما كان الوالد يكرس حياته لأن يسير الابن على دربه ويُجّدد مجده، كانت الأم الثرية تُحفّز ولدها للتعليم وريادة الأعمال ليكون امتدادا لأسرتها، لكن جوزيه فشل في تحقيق رغبة الوالدين، فلا هو أصبح طالبا فذا في الدراسة شغوفا بالتعليم، ولا أصبح لاعبا مهما ملهما في كرة القدم، وأدرك الشاب قبل أن يتم عامه العشرين أنه يفتقر إلى الرغبة في التعليم، وكذلك إلى السرعة والقوة اللازمتين للاعب كرة القدم الاحترافية، فركَّز على مهنة التدريب بدلا من ذلك. (3)

  

درس مورينيو علوم الرياضة لتكون مرجعيته في عالم التدريب الذي قرّر مبكرا أن يقتحمه، ووجد فرصته الأولى حينما عمل مترجما للعبقري الإنجليزي بوبي روبسون، ولم تكن مهنة الترجمة عملا يستهوي مورينيو، لكنه رأى أنها خطوة يمكن أن تضعه على الطريق الصحيح للتدريب، وبالفعل في وقت قصير قرّر بوبي روبسون تحويل مورينيو من مترجم إلى مساعد له في مسيرته، فانتقل جوزيه مع بوبي في تجاربه التدريبية من بورتو إلى تشيلسي إلى برشلونة.

    

جوزيه مورينيو (مواقع التواصل)

    

في موسم 1996، انتقل روبسون لتدريب برشلونة، واصطحب معه مترجمه ومساعده الصغير جوزيه مورينيو صاحب الـ 33 عاما، لكن إدارة برشلونة بعد إقالة كرويف كانت تريد الزج بأبناء النادي في الجهاز الجديد، وكان المرشح لمساعدة روبسون لاعب برشلونة المعتزل للتو وقتها خوسيه رامون أليكزانكو، ومع إصرار إدارة البارسا على تعيين الأخير وافق روبسون على مضض، مع إشراك مورينيو الصغير لأليكزانكو في دور المساعد، وسرعان ما ظهر للجميع أن مورينيو ليس مجرد مترجم، إذا كان يُدلي بآرائه خلال المؤتمرات الصحفية التي يجيدها الشاب البرتغالي بست لغات، وكانت له وجهة نظر فنية للدفاع عن مدربه، لكن انتهت علاقة (مورينيو روبسون) حينما قرر الأخير الرحيل عن برشلونة لتدريب آيندهوفن، وسلمت إدارة البارسا الأمور الفنية للهولندي فان خال. (4)

   

بقي مورينيو في برشلونة، على الرغم من رحيل روبسون. طموحه الكبير للتدرُّج في تدريب برشلونة وصولا لمنصب الرجل الأول شجعه على البقاء مع فان خال، وبعد فترة قصيرة جدا اكتشف مدرب أياكس السابق أن مورينيو شاب متعجرف، لا يحترم التخصص كثيرا، يسير في الاتجاه المعاكس دائما، ولكنه أُعجب به، ومع مرور الوقت انتهى الأمر بفان خال إلى الاستماع إلى مورينيو أكثر من غيره من المساعدين.

  

كان دور مورينيو مختلفا في عهد فان خال، كان موثوقا به لاكتشاف نقاط القوة والضعف في الفِرَق المنافسة، ورغم فجوة الاختلافات الواسعة بين المدرب والمساعد، فإن فان خال كان يرى في مورينيو وجها تدريبيا مشرقا وطموحا وله شخصية قوية.

     

بطولة المستضعفين

حوَّل دوري أبطال أوروبا 2003-2004 مورينيو من مدرب إلى بطل في عيون العالم، لكن الحقيقة أن هذه النسخة بالذات كانت الأضعف عبر تاريخ المسابقة

رويترز
   

بعد انتهاء تجربة برشلونة مع فان خال، ظل مورينيو عاطلا عن العمل لبضعة أشهر، رفض العودة لمساعدة روبسون معلمه وملهمه الأول في نيوكاسل يونايتد، وربما كان يعلم أن نهاية يوب هاينكس مع بنفيكا قد اقتربت، وقد لامس بنظرة ثاقبة أنه سيكون الخليفة ويتقلّد أخيرا مهام الرجل الأول، وبالفعل أصبح مورينيو مديرا فنيا من بوابة فريق يحلم بتدريبه مَن هم أعظم من مورينيو، ورغم أنها لم تكن تجربة مثالية، فإنها كانت بوابة العبقري المجنون إلى بورتو، وهنا كان منعطف تاريخي صنع اسم مورينيو.

  

حوَّل دوري أبطال أوروبا 2003-2004 مورينيو من مدرب إلى بطل في عيون العالم، لكن الحقيقة أن هذه النسخة بالذات كانت الأضعف عبر تاريخ المسابقة، وكانت نقطة تحول بالنسبة إلى المستضعفين الأوروبيين، لأن الأدوار النهائية فيها كانت خالية من القوى التقليدية في أوروبا. وتضمّنت مواجهتا نصف النهائي فريقا واعدا من موناكو يقوده ديدييه ديشامب أمام تشيلسي المنتعش كرويا مع كلاوديو رانييري، بينما قُدِّر لمورينيو ولاعبي بورتو أن يواجهوا ديبورتيفو لا كورونيا.

  

كان العالم على استعداد لمفاجأة البطل، لأن تتويج أيٍّ من الفِرَق الأربعة التي وصلت لنصف النهائي يُمثِّل مفاجأة، بينما كانت الأسماء الكبيرة خارج المنافسة بالفعل، بعد إقصاء ريال مدريد على يد موناكو، وخروج يونايتد على يد بورتو، وتغلب ديبورتيفو لاكورونيا على ميلان بطل المسابقة.

  

لم يُقدِّم مورينيو بطولة تاريخية لبورتو قط، لكنه قدّم أيضا مواهب أصبحت فيما بعد أساطير مثل ديكو الذي رحل بعد البطولة لبرشلونة، ومانيش، وريكاردو كارفاليو، وباولو فيريرا، وكوستينا، ونونو فالينتي، وبيني مكارثي، وخورخي كوستا، بعدما حقق بورتو ما لا يمكن تصوره، وصعدوا لقمة المجد الأوروبي. (5)

  

 نهائي دوري أبطال أوروبا 2004 بين بورتو وموناكو

   

نقطة تحول

حملت هذه البطولة الاستثنائية جوزيه مورينيو إلى لندن، حيث سارع تشيلسي بالتعاقد معه، وفي مؤتمر تقديمه للإعلام الإنجليزي قال مورينيو جملته الشهيرة: "أرجوكم لا أريد أن تروني مغرورا، لكنني بطل أوروبا لذلك أنا الرجل المميز (السبيشال وان)"، لتطلق عليه الصحف البريطانية لقب "السبيشال وان" منذ ذلك الحين.

  

مورينيو يطلق على نفسه سبيشيال وان

   

لم يذهب مورينيو للندن عبثا، إنما ذهب بتحديات كبيرة ووعود أكبر، وأنفق رئيس النادي الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش 100 مليون جنيه إسترليني لجلب لاعبين جدد، فنجح البرتغالي الحالم في ضم ديديه دروغبا من مارسيليا الفرنسي مقابل 24 مليون يورو وتياغو مينديز بـ 10 ملايين قادما من بنفيكا، ومايكل إيسيان من ليون بـ 24 مليون يورو، ومن بورتو كارفاليو وباولو فيريرا صخرتي الدفاع أيضا مقابل 32 مليون يورو. وبهم نجح المدرب البرتغالي في استعادة البطولات، فأحرز مع البلوز لقب الدوري مرتين متتاليتين في موسمي 2004-2005، و2005-2006، بجانب كأس الاتحاد الإنجليزي، حتى صار جزءا من تاريخ النادي.

  

في سنة 2008، كان مورينيو على بُعد خطوات من حلم تاريخي يراود أي مدرب، وهو تدريب برشلونة، وكان برشلونة أمام قرار مصيري في تاريخه الكروي الحديث، للاختيار بين مدرب مغمور لفريق الشباب هو بيب غوارديولا، أو مدرب عظيم تاريخه يتحدث عنه هو جوزيه مورينيو، وهو الأمر الذي انقسمت حوله إدارة البارسا، وفي حين كانت لمورينيو الكلمة الأعلى والتاريخ الأفضل والقبول الأكثر من جانب الجماهير، كان لكرويف كلمة أخرى فرضت نفسها على الجميع، حينما فضَّل غوارديولا باعتباره مشروعا جديدا لفلسفته الكروية. (6)

    

مورينيو لم يكن شغوفا بالكرة الدفاعية لهذه الدرجة التي هو عليها الآن قبل ذلك القرار الذي غيّر حياته التدريبية، لكن بعدما رفضه برشلونة كرَّس حياته وفلسفته لإثبات نظرية أن هذا الزمان ليس زمن الكرة الهجومية، وبمعنى أدق حاول إثبات أن "فلسفة كرويف سيئة"، وبالكاد هذا ما حوَّل مورينيو من مدرب يعشق الكرة والمخاطرة إلى مدرب خائف يميل لبقاء الكرة في الهواء حتى يأمن مخاطرها، ويعتبر الفوز بهدف دون رد هو أفضل وأسهل ما في الكرة.

  

ربما نُرجع فرضية حب مورينيو للكرة الجميلة للفترة التي قضاها مع برشلونة، ففي فيلم "take the ball, pass the ball"، يقول تشافي وفالديز إن مورينيو كان مَن يدربهم على تعاليم برشلونة الأساسية حين كان مساعدا في الفريق الأول مع فان خال وهم كانوا في فريق الشبان، وأنه كان مدربا منصهرا في تكتيك الاستحواذ والتمرير والسيطرة، وكل ما يشبه كتالونيا. (7)

  

فرصة للانتقام
مورينيو وغوارديولا (رويترز)

    

انتظر مورينيو عدالة كرة القدم وأن تعطيه فرصة أخرى للانتقام، وبالفعل حانت لحظة المواجهة بين مورينيو وبين عالم برشلونة الذي رفضه، مواجهة يخوضها مورينيو بفلسفته الخاصة أمام برشلونة إدارة وجمهورا ومدربا ولاعبين، وظهر وقتها كم أن مورينيو غير قادر على إنكار ماضٍ ما زال يلاحقه، انتظر مورينيو مواجهة غوراديولا وكأنه يستعد لحرب تفوق في أهميتها مباراة لكرة القدم.

  

في الدور نصف النهائي من دوري أبطال أوروبا عام 2010، واجه إنترناسيونالي المتوهج مع مورينيو نادي برشلونة في أفضل نسخة مع غوارديولا، كان العالم يترقب هذا الصدام، وسجل إنتر انتصارا بثلاثة أهداف مقابل هدف في سان سيرو بمباراة الذهاب، وفاز برشلونة في مباراة الإياب 1-0، لكنه لم يكن كافيا للتأهل.

   

عقب التأهل التاريخي وفي ملعب كامب نو -رغم الخسارة بهدف دون رد- قال مورينيو: "إنها الهزيمة الأجمل في حياتي، قبل عام كان تشيلسي يبكي وكان برشلونة يضحك مع الحكم"، في إشارة إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا الموسم السابق في ستامفورد بريدج، التي اتخذ فيها الحكم توم هينينغ عددا من القرارات المثيرة للجدل. (8)

   

تصريحات مورينيو عن هزيمته الأجمل من برشلونة

   

كعادة غوارديولا مع مورينيو، عندما يخسر مرة يعود في المواجهة التالية بالانتقام والفوز عليه، وهو ما حدث في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2011 عندما فاز غوارديولا بفريق برشلونة على مورينيو بفريق ريال مدريد ذهابا (2-0)، وتعادلا إيابا (1-1)، ليتأهل الفريق الكتالوني للنهائي.

    

لعب مورينيو ضد غوارديولا في كلاسيكو الأرض بين برشلونة وريال مدريد 11 مباراة، فاز خلالها غوارديولا 5 مرات، وتعادلا 4 مرات، ولم يفز مورينيو سوى مرتين فقط على منافسه الكتالوني الذي تفوق بشكل واضح في المواجهة التكتيكية في إسبانيا.

 

منحنى الهبوط

يمكن اعتبار تجربة الريال نقطة السقوط من القمة، أو منحنى التراجع في مسيرة مورينيو، رغم أنها لم تكن خالية من الألقاب، ففي تجربة مدريد كان الفشل حليف مورينو في العديد من المحطات، ولم ينجح أن يُركِع أو حتى ينال من كبرياء برشلونة الذي سيطر بالطول والعرض على الملكي، وعلى هذا اعتبر جمهور الريال أن تدريب مورينيو لريال مدريد خطأ لا يُغتفر.

  

أغرب لقطات وانفعالات مورينيو مع ريال مدريد

  

حطم مورينيو أسطورته بنفسه حينما قرّر العودة لتشيلسي، فأولا فقد ثقة اللاعبين في الولاية الثانية (2016)، وأُقيل بعد 6 أشهر من فوزه بلقب البريميرليغ، وخسر 9 من أصل 16 مباراة لعبها الفريق، باللاعبين أنفسهم الذي تُوِّجوا باللقب قبل موسم والذين فازوا به مرة أخرى بعد موسم واحد، وثانيا بدأت أسهمه في بورصة المدربين تتراجع بشكل يُهدّد استمراره في الدوريات الخمسة الكبرى، ربما سيؤكد تلك الافتراضية إذا ما انتهى به الحال في توتنهام كما انتهت محطته مع اليونايتد. (9)

    

الأسوأ من النتائج نفسها أن مورينيو لم يتخلَّ حتى الآن -وهو في أسوأ الوضعيات- عن عاداته القديمة، ما زال يتهم الجميع بالتآمر عليه، ما زال مُصِرًّا أن المجموعة يجب أن تخدم مصالحه من دون أن يلتفت هو إلى مصالحها، وما زال مقتنعا بأن القوة البدنية هي أساس كرة القدم وليس الموهبة أو التكتيك، ما زال مُصِرًّا على العيش في الماضي والغرق فيه، فهو لا يتذكّر أنه مورينيو الفائز بلقبين لدوري أبطال أوروبا وخمسة وعشرين لقبا في تاريخه بقدر ما يتذكّر بأنه مورينيو الذي رفضه يوما ما برشلونة. (10)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار