انضم إلينا
اغلاق
هواوي في ورطة.. ماذا بعد دخولها ميدان الحرب الاقتصادية؟

هواوي في ورطة.. ماذا بعد دخولها ميدان الحرب الاقتصادية؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
لم يكن إعلان ترمب شركة "هواوي" خطرا على الأمن القومي سوى مؤشرا لدخول الحرب التجارية بين الصين وأميركا مرحلة تصعيدية جديدة، حيث أضحت هواوي أحد أكبر منتجي الهواتف الذكية في العالم وذراع الصين الضاربة في هذا المجال في مدى نيران الإدارة الأميركية وحروبها الاقتصادية.
      
لم تتوقف التبعات عند مجرد القرار الرئاسي الأميركي، فسرعان ما ترجمت الشركات الأميركية القرار إلى أفعال اقتصادية من العيار الثقيل عبر قطع خدماتها عن الشركة الصينة، بدأتها غوغل المورد الرئيسي لأنظمة التشغيل الخاصة بهواتف هواوي، والمحتكر الأهم لميدان تقنية المعلومات في عالم اليوم. 

     

هواوي بلا أندرويد

  

يُسيطر نظام أندرويد، من تطوير شركة غوغل الأميركية، على سوق أنظمة تشغيل الهواتف الذكية بنسبة لا تقل عن 85٪، وهذا يعني أكثر من 2.5 مليار جهاز تقريبا(2)(3). لكن بالنظر إلى أرقام غوغل وأجهزة "بكسل" (Pixel) التي بدأت بتطويرها منذ عام 2016، فالشركة باعت 1.8 مليون جهاز، وهو ما يُشكّل 0.1٪ فقط من إجمالي الأجهزة المبيعة في ذلك العام. ومع إطلاق الجيل الثاني من "بكسل" في 2017، ارتفعت النسبة إلى 0.2٪ فقط، أما في 2018، فالنسبة بالكاد وصلت إلى 0.3٪(4).

  

ما سبق يوضّح دور أجهزة غوغل الضئيل في انتشار نظام أندرويد حول العالم وأهمّية بقيّة الشركات في تلك السيطرة المُطلقة، فشركات مثل سامسونغ و"هواوي" و"شاومي" (Xiaomi) تُعتبر شريكا أساسيا في نجاح غوغل ونظام تشغيلها. لكن قرار ترامب بمنع الشركات الأميركية من التعامل مع الشركات الصينية، وتحديدا في المجال التقني، نتج عنه مُبادرة أوّلية من غوغل التي قالت إنها، وامتثالا لأوامر الحكومة، ستمنع "هواوي" من استخدام نظام أندرويد بشكل شبه كامل.

    

  

الأجهزة الحالية سوف تستمر في العمل كما هو الحال دون أي مشكلات، إلا أن الأجهزة المُستقبلية لن تكون قادرة على الوصول إلى متجر التطبيقات، "غوغل بلاي" (Google Play)، ولا إلى خدمات غوغل مثل الخرائط أو البريد الإلكتروني، دون نسيان التحديثات الأمنية والدورية التي تُطلقها الشركة.

   

لكن الكلام السابق يعني أيضا أن الشركة الصينية ستكون قادرة على استخدام النسخة مفتوحة المصدر من أندرويد، النسخة التي لا تصل التحديثات الأمنية لها أولا بأول، وستحتاج هواوي إلى تطوير نظامها الخاص للتحديثات لأن غوغل بالأساس تنوي ابتداء من النسخة المُقبلة استخدام متجر التطبيقات لإرسال بعض التحديثات العاجلة، الأمر الذي سيُحرم منه مُستخدمو أجهزة هواوي الحاليون والمُقبلون أيضا(5)(6).

   

بعبارة أُخرى، ووفقا للقرارات الأخيرة، ستكون نسخ أندرويد في أجهزة "هواوي" ناقصة المزايا، خصوصا الأمنية منها، إلا أن مُستخدمي "هواوي" في الصين لن يتأثّروا لأنهم بالأساس محرومون من جزء كبير من مزايا غوغل بسبب الحظر الذي تفرضه الحكومة الصينية منذ سنوات طويلة.

   

   

أرقام هواوي

لم توجّه غوغل طعنتها بشكل فردي، فشركات مثل "إنتل" (Intel) و"كوالكوم" (Qualcomm)، ومن خلفهما مايكروسوفت، في طريقها للإقدام على طعن الشركة الصينية التي ستُصبح بلا حول ولا قوّة(7)، فشركة "إنتل" مسؤولة عن تزويدها بمعالجات لحواسبها المحمولة التي تعمل بنظام ويندوز، وهذا يعني أن حواسبها ستُصبح قريبا بلا مُعالج وبلا نظام تشغيل. أما "كوالكوم"، فهي مسؤولة عن تزويدها ببعض الشرائح الإلكترونية المُستخدمة في الهواتف الذكية، لتتلقى بذلك ضربة مزدوجة قد تكون الأعنف في مجال التاريخ التقني الحديث.

  

وبالنظر إلى الأرقام، وتحديدا إلى الربع المالي الأول من عام 2019، باعت "هواوي" أكثر من 59 مليون هاتف ذكي، حاصدة بذلك المركز الثاني بحصّة 19٪ في السوق، وهذا يُمثّل نسبة نمو تتجاوز 50٪ مُقارنة بالفترة نفسها من عام 2018. ولا يتفوّق على الشركة الصينية، من ناحية المبيعات، سوى سامسونغ التي باعت أكثر من 71 مليون جهاز بنسبة نمو سالبة بلغت 8.1٪(8).

    

   

في 2018، أعلنت الشركة عن بيعها أكثر من 200 مليون جهاز طوال العام، لتُصبح بذلك ثاني أكثر مُصنّع للهواتف الذكيّة خلف سامسونغ الكورية، دافعة آبل الأميركية بذلك للمركز الثالث(9). وفي الفترة ذاتها، ركّزت الشركة على تطوير مُعالجات "كيرن" (Kirin) وعلى تعزيز وظائف الذكاء الاصطناعي لمنافسة الكبار، وهذا يُفسّر سبب قفزتها الكبيرة التي حقّقتها، فهي شركة تُطوّر أجهزة ذكية من كافّة الفئات وأجبرت أسماء كبيرة مثل آبل وغوغل على دخول سوق الأجهزة مُنخفصة المواصفات بعد سنوات من الامتناع عنها.

  

واستمرارا مع تفوّق الشركة، حصدت أجهزة "بي 30 برو" (P30 Pro) المركز الأول في معيار "دي إكس أو مارك" (DXoMark) المُختص في تقييم كاميرات الهواتف الذكيّة متفوّقة على هواتف مثل "غالاكسي إس 10" (Galaxy S10) وآيفون "إكس إس" (Xs) من شركة آبل(10)، وهذا يُظهر من جديد قوّة الشركة على مُختلف الأصعدة في مجال الهواتف الذكيّة، على الرغم من فضائحها التي طالتها هنا وهناك. كما لا يجب تجاهل أجهزة "ميت إكس" (MateX)، الهواتف الذكية المزوّدة بشاشات قابلة للطيّ، والتي من المفترض أن تصل مع حلول مُنتصف عام 2019 الجاري.

  

بدائل؟

شدّد أحد مؤسّسي شبكة فيسبوك على ضرورة تحطيم كيان الشبكة الاجتماعية ومنعها من الاستمرار على نهجها الحالي الذي يقضي على المُنافسة العادلة، فأي شركة ناشئة أصبحت تجد صعوبات بالغة في منافسة فيسبوك ومُنتجاتها المُختلفة، كما أن ترك القرار في يد جهة واحدة أمر غير منطقي(11).

    

  

بتكرار نهج التفكير نفسه، لكن مع غوغل، فإن سيطرتها على سوق أنظمة تشغيل الهواتف الذكية جعلها خيارا أوحد عجزت شركات كُبرى مثل فايرفوكس أو سامسونغ على الوقوف أمامه، لتكون "هواوي" أول كبش فداء يذوق مرارة هذا الكأس، فطردها خارج منظومة أندرويد ومايكروسوفت يعني أنها أصبحت بدون العصب الأساسي، وهذا لا يعني بالضرورة أنها قُطعت من شجرة.

  

تمتلك الشركة الصينية خيار اللجوء لسامسونغ الكورية التي تمتلك سابقا نظام "تايزن" (Tizen)، النظام الذي جاء أساسا للهواتف الذكية قبل أن ينحصر دوره ويُصبح موجّها للساعات الذكية فقط. يُمكن تخصيص النظام لتشغيله من جديد على الهواتف الذكية. وبفضل نظام توافق التطبيقات (Application Compatibility Layer) الذي يوفّره "تايزن"، يُمكن تشغيل تطبيقات أندرويد عليه دون أي مشكلات بعد الاستفادة من متاجر تطبيقات أندرويد المتوفّرة(12).

  

سوف تستفيد سامسونغ من دعم "هواوي" كثيرا، فهي الأُخرى لن تكون سعيدة لو قرّرت غوغل لسبب من الأسباب سحب البساط من أسفلها، ولهذا السبب يُمكن اعتبار "هواوي" وأجهزتها أفضل حقل للتجارب لمعالجة المشكلات أولا بأول ولتقديم مزايا جديدة قد تُساعد على إيجاد نظام تشغيل جديد.

    

  

ولا تحتاج "هواوي" إلى البحث كثيرا في الخارج، فبحسب أحد مسؤوليها، تعمل الشركة منذ عام 2012 على تطوير نظام تشغيلها الخاص للأجهزة الذكية وللحواسب، النظام الذي لا تُعرف عنه أي تفصيلة حتى اللحظة، والذي قد يكون تصريحا لحفظ الكبرياء فقط نظرا لعدم حديث الشركة عن النظام أبدا(13)، بانتظار الأشهر المُقبلة لمعرفة عواقب قرار "ترامب" الذي دفع الشركة لشراء كمّيات كبيرة جدا من المعالجات والشرائح الإلكترونية لتخزينها كضربة استباقية لقرار المنع، إلا أن نظام التشغيل مُعضلة تحتاج الشركة إلى حلّها لعلّها تكون فاتحة خير تُغيّر واقع سوق أنظمة تشغيل الأجهزة الذكية الذي تُسيطر عليه غوغل وآبل فقط.

  

لم نتطرّق أبدا للحديث عن الأسباب التي دفعت "ترامب" لمثل هذا القرار، فهو تحجّج أكثر من مرّة بعمل "هواوي" لصالح الحكومة الصينية عبر توفير أكواد خبيثة تسمح للمسؤولين في بكين بالتجسّس على المُستخدمين دون علمهم. لكن، ولأن الرئيس الأميركي يهتم بالاقتصاد أكثر من أي شيء آخر، فإن ما يحدث قد يكون عبارة عن حرب باردة لكسر هيمنة الشركات الصينية، والحكومة ولو بشكل غير مُباشر، إلا أن هذا الجبهة قد تحرق رؤوس شركات أميركية، في مُقدّمتها آبل وغوغل، لأن اعتمادها على المصانع الصينية كبير ولا يُمكن تهميشه أبدا! ومن يدري، لعلّ هذا ما يُريده الرئيس الأميركي، فهو طالب الشركات الأميركية بالتركيز على المصانع المحليّة والتخلّي عن تلك الموجودة في الشرق الآسيوي.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار