انضم إلينا
اغلاق
آيباد والتقنية.. من الذي أفشل الآخر؟

آيباد والتقنية.. من الذي أفشل الآخر؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

من كان يعتقد أنه شاهد ذروة غرائب الشركات التقنية فهو مُخطئ تماما، لأن ما قدّمته آبل في الثالث من يونيو/حزيران سيصمد لفترة طويلة كأغرب مُنتج تُقدّمه شركة تقنية، وهنا الحديث عن حامل الشاشة الذي ستبيعه لقاء 999 دولارا أميركيا على الرغم من كونه قطعة معدنية لا تُسمن ولا تغني من جوع(1). واستمرارا مع سياستها الغريبة، أقدمت الشركة على تغيير حواسب "آيباد" اللوحية عبر تقديم نظام تشغيل جديد يُخالف توجّهها القديم الذي صبرت عليه، فهل كانت نظرتها خاطئة من الأساس؟

 

"آيباد أو إس"

خلال العامين المُنقضيين، أكّد مسؤولون من شركة آبل أكثر من مرّة أن نظام "ماك أو إس" (macOS) لن يدعم اللمس، أي إنه لن يعمل يوما من الأيام على حواسب "آيباد"، ولن تقوم الشركة كذلك بإنتاج حواسب محمولة بشاشات تدعم اللمس(2). في 2018، عادت الشركة من جديد للحديث عن النقطة نفسها ولكن هذه المرّة بعدما كشفت عن مشروع جديد يُتيح تشغيل تطبيقات "آي أو إس" (iOS) -المتوفّرة لآيباد وآيفون- على حواسب الشركة، المشروع الذي شاركت مزيدا من تفاصيله في مؤتمرها الأخير قبل أيام قليلة.

  

المُطالبات بتشغيل نظام "ماك أو إس" على حواسب "آيباد" جاءت كضرورة لتوفير بعض المزايا مثل تحميل الملفّات من الإنترنت، وفتح أكثر من نافذة وتطبيق في الوقت نفسه، بالإضافة إلى إمكانية نقل الملفّات من، وإلى، الحواسب اللوحية بأريحيّة أكبر، فحواسب "آيباد" بنظام "آي أو إس" مُقيّدة بقيود قاتلة لأن النظام نفسه مسؤول عن تشغيل هواتف آيفون، وهنا يأتي دور نظام "آيباد أو إس" (iPadOS) الجديد لسد تلك الفجوة وإعطاء مُستخدم "آيباد" المزايا التي يبحثون عنها(3).

    

   

ابتداء من خريف 2019، ستعمل حواسب "آيباد" اللوحية بالنظام الجديد الذي سيُقدّم إمكانية فتح أكثر من نافذة في الوقت نفسه، أي إن المُستخدم سيُصبح قادرا على تشغيل تطبيق البريد مثلا إلى جانب تطبيق المُلاحظات، أو حتى تشغيل نسختين مُختلفتين من تطبيق المُلاحظات جنبا إلى جنب. كما أضافت الشركة شريطا جانبيا كنافذة صغيرة يُمكن من خلاله أيضا فتح أكثر من تبويب، وهذا يعني فتح تطبيقات بوظيفة بسيطة مثل يوتيوب أو "سبوتيفاي" لتشغيل الأغاني، أو تويتر لتصفّح آخر التغريدات بسرعة، دون الحاجة إلى فتحه ضمن نافذة مُنفصلة تؤثّر على سير العمل.

   

وبعد سنوات من الانتظار والترقّب، أصبحت أجهزة "آيباد" تدعم استخدام الماوس للمرّة الأولى، فبعد تقديم قلم آبل (Apple Pencil) كوسيلة إدخال جديدة، يُمكن الآن وصل ماوس واستخدامها بكل أريحيّة، إلا أن الميزة الأهم ليست تعدد المهام أو الماوس، بل تكمن في إدارة الملفّات، فالآن وفي 2019 يُمكن لمُستخدمي آيباد وصل ذاكرة تخزين خارجيّة لنقل الملفات بكل سهولة، دون نسيان إمكانية وصل الكاميرات الاحترافية لنقل الصور وتعديلها باستخدام "آيباد" الذي يُعتبر أداة مُميّزة بالنسبة للمُحترفين. وهذا، أي نظام إدارة الملفّات الجديد، هو الذي يُمثّل تغييرا جذريا في رؤية الشركة.

   

  

التخزين السحابي

عندما كشفت آبل للمرّة الأولى عن حواسب آيباد اللوحية في 2010 كان السؤال الأول الذي طُرح عليها هو سبب عدم وجود إمكانية استخدام بطاقات ذاكرة خارجية، فكلمة حاسب تعني مرونة أكبر في التعامل مع الملفّات، عكس الهواتف الذكية التي كانت فئة جديدة تحكّمت آبل في طريقة تقديمها للمُستخدمين.

  

تنوّعت الإجابات، فسياسة آبل في نظام "آي أو إس" قائمة على الحماية أولا وأخيرا، ومنع وصل ذواكر تخزين خارجية يخدم هذا الغرض تماما، فالشركة ترغب في تقليل احتمالية وصول أي برمجية خبيثة للجهاز، كما ترغب أيضا في إجبار المُستخدمين على التوجّه للمتاجر الإلكترونية لتحميل الكُتب، أو لشراء الأفلام والأغاني، دون نسيان التطبيقات، وهذا للانتفاع المادّي أولا وأخيرا.

  

السبب الأهم وراء عدم دعم الذواكر الخارجية كان التخزين السحابي، فالشركة كانت منذ ذلك الوقت تطمح لجعلها صيحة تقنية ثابتة في قاموس المُستخدمين، وهي التي قامت بهذا الشيء مرارا وتكرارا مع تقنيات أُخرى، تارة عبر التخلّص من منفذ السمّاعات التقليدي (3.5mm) لدفع السمّاعات اللاسلكية، وتارة أُخرى عبر إزالة المنافذ التقليدية لتقديم منافذ "يو إس بي سي" (USB-C) الجديدة، وفي قراراتها الثلاثة لاقت استهجانا لا مثيل له، لكن إيمانها بأن مسؤولية تغيير اتجاه سوق الأجهزة الذكية تقع على عاتقها دفعها لمثل تلك القرارات الخطيرة خلال السنوات الماضية(4).

    

  

لكنها اليوم، وبعد عقد من الزمن تقريبا غيّرت تلك السياسة تماما، فحواسب "آيباد برو" ستبدأ بدعم ذواكر التخزين الخارجية بأنواعها المُختلفة، سواء كانت أقراصا صلبة، بطاقات ذاكرة، أو ذواكر عاديّة، وهذا عبر تطبيق إدارة الملفّات (Files App) الذي يجمع ما بين الملفات المُخزّنة على الجهاز، وتلك المُخزّنة على السحاب، لتُقدّم بذلك حلا أوسط يُرضي جميع الأطراف، فهل أُجبرت على هذا الأمر؟ أم أنها نجحت بالفعل في فرض رؤيتها ولم تعد مُضطرة لفرض تلك القيود؟

  

قطاع الخدمات

عندما قرّرت شركات تقنية أُخرى، وهي قليلة بالمناسبة، السير على خُطى آبل وعدم دعم بطاقات التخزين الخارجية في هواتفها الذكية وحواسبها اللوحية، لجأت لتوفير ذواكر تخزين داخلية كبيرة تبدأ مثلا من 64 غيغابايت، في وقت حافظت فيه آبل على مساحة 16 غيغابايت فقط كأرخص خيار. كما أن اتّباع خطوات آبل لم يأتِ تقليدا لها، بل من أجل تقديم مزايا جديدة مثل هاتف ذكي بهيكل نحيف جدا، أو هاتف مقاوم للماء بمعيار "آي بي 68" (IP68)، وهذا يعني إمكانية ترك الجهاز تحت الماء لمدة نصف ساعة على عمق متر ونصف المتر تقريبا دون أن يتضرّر.

  

تراجع آبل عن موقفها وعدم اتجاه الشركات التقنية للأمر نفسه قد يعني أن آبل فشلت في فرض وجهة نظرها وفي إرسال السوق التقني في الطريق الذي ترغب به، إلا أن قطاع الخدمات في آبل وعوائده الماديّة ينفي تلك الفرضية، ويُظهر آبل في موقف البطل الذي حرّك الأحجار بالطريقة التي تُرضيه، وعاد بعد ذلك للعب بقواعد البقيّة نفسها، وهذا بعد ضمان نجاح خطّته وحصد ثمارها أيضا.

    

   

مع نهاية الربع المالي الثاني من عام 2019، كشفت آبل عن وجود أكثر من 390 مليون مُشترك شهري بخدماتها المُختلفة كخدمتي الموسيقى والتخزين السحابي، وهذا يُمثّل زيادة بنسبة 30٪ مُقارنة بالربع المالي الأول من العام نفسه مع توقّعات بوصول العدد إلى نصف مليار مُشترك مع حلول 2020، وهذا بسبب نسبة الزيادة التي لم تتوقّف عن النمو خلال الأرباع المالية الأخيرة(5).

   

ومن الناحية الماديّة، فإن تلك النسب تعني أن الشركة حقّقت دخلا تجاوز حاجز الـ 11.5 مليار دولار أميركي من ذلك القطاع لوحده، وهي التي حقّقت 9.9 مليار دولار من القطاع نفسه قبلها بعام، وهذا رقم كبير جدا قابل للزيادة إلى 14 مليار دولار مع حلول 2020، ليُساهم قطاع الخدمات بجزء رئيسي من دخل الشركة التي تُركّز على الترفيه والخدمات بعد سنوات من التركيز على الأجهزة فقط.

   

وبناء على ما سبق، فإن خطوة آبل الأخيرة لا تحتاج إلى مُبرّر، فسواء كانت نيّتها دفع مفهوم التخزين السحابي أو تحقيق العائدات من المتاجر الإلكترونية، أو حتى حماية المُستخدمين من البرمجيات الخبيثة، فهي نجحت في تحقيق ذلك، والنتائج المالية كبيرة ومُمتازة، ونظام "آي أو إس"، وطفله الجديد "آيباد أو إس"، ضمن قائمة الأكثر أمانا على مستوى الأنظمة عالميا(6)(7)، وبالتالي ليس هناك داعٍ للقلق بالنسبة لآبل أو بالنسبة للمُستخدمين على حدٍّ سواء.

   

  

عامٌ واحدٌ تقريبا فصل ما بين كشف "ستيف جوبز" عن حواسب "آيباد" اللوحية للمرّة الأولى وبين وفاته، الحواسب التي بقيت على حالها من ناحية الوظائف طوال تلك الفترة بينما تغيّرت شركة آبل بقيادة "تيم كوك" (Tim Cook) الرئيس التنفيذي الحالي الذي لا يزال مُستمّرا في قيادة آبل وفقا لرؤيته الخاصّة مُستفيدا من الإرث الكبير الذي تركه له "جوبز"، والذي يُمكن القول إن رؤيته بعد التغييرات الأخيرة أصبحت في كُتب تاريخ الشركة فقط لا غير.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار