انضم إلينا
اغلاق
لماذا أحب وادي السيليكون شركة "أوبر" أكثر من الآخرين؟

لماذا أحب وادي السيليكون شركة "أوبر" أكثر من الآخرين؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

تعتبر "أوبر" واحدة من أكبر الشركات التي طرحت أسهمها للتداول العام. وبات بإمكان أي شخص [يتوفر لديه المال الكافي] أن يشتري أسهم الشركة التي تبلغ قيمتها مجتمعة نحو 70 مليار دولار أميركي. ورغم أن هذا الرقم ليس سيئا بالنسبة لشركة تخسر مليارات الدولارات سنويا، فإن هذا التقييم أقل بكثير من مبلغ 120 مليار دولار الذي تحدث عنه مصرفيون قبل أن تقوم "أوبر" بطرح أسهمها للاكتتاب العام الأوّلي، في واحد من أكبر الاكتتابات التكنولوجية في التاريخ. ولكن تلك القيمة لم تقترب حتى من القيمة التي قدرها المستثمرون من القطاع الخاص (بنحو 72 مليار دولار) منذ ثلاث سنوات، بما أن إيرادات الشركة بلغت ما قيمته 7.43 مليار دولار فقط هذا العام.

  

يشير ذلك إلى وجود فجوة كبيرة بين الصورة التي يرى بها أصحاب رأس المال الاستثماري المغامر الشركة وبين ما يراه عموم المستثمرين في الأسواق العامة. وقد طرح الصحفيون والمحللون نظريات عديدة لتفسير هذه الفجوة العميقة. يعود السبب في هذه الفجوة من وجهة نظر البعض إلى أن الشركة فضّلت عدم طرح أسهمها للاكتتاب العام في البورصة لفترة طويلة، أو ربما لأن منافستها شركة ليفت الأميركية أفسدت على نظيراتها من الشركات المتخصصة في النقل التشاركي ما كانت تصبو إلى تحقيقه عند طرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي، أو ربما لأن التوقيت كان سيئا، أو لأن الآثار العميقة التي خلفتها الممارسات السيئة للشركة أدت إلى إضعاف مصداقية العلامة التجارية. ومع خسارة نحو 50 مليار دولار من القيمة الإجمالية، تعددت التكهّنات، وارتفعت أصابع اللوم تشير إلى كل الأطراف.

  

بيد أن بعضا من هذا اللوم ينبغي أن يُوجَّه إلى انحراف ثقافة وادي السليكون عن الواقع التجاري. فقد أحب المستثمرون الشركة ليس باعتبارها وحدة تشغيل، لكن بوصفها فكرة عن الكيفية التي ينبغي للعالم أن يكون عليها. وفي حين كان المدير التنفيذي لشركة "أوبر" متهورا ومستعدا لفعل كل ما يلزم، كان موقف شركته تجاه الحكومة معاندا ومتحديا. بالإضافة إلى أن النموذج الذي وضعته الشركة للمجتمع، وعلى وجه التحديد الكيفية التي ينبغي بها تلبية مطالب المستهلكين من قبل القوى العاملة، رفع من شأن الفرد، كما لو أن أحلام عالم الاقتصاد ميلتون فريدمان تجسدت في تلك الشركة. أعرب نافال رافيكانت، وهو أحد المستثمرين في شركة "أوبر"، عن ذلك التصور لمجلة سان فرانسيسكو عام 2014، قائلا: "إنها تقريبا شركة التكنولوجيا المثالية، ما دامت تخصص موارد في العالم المادي وتضطلع بتصحيح بعض أوجه القصور الحقيقية".

      

شعار شركة "أوبر"  (رويترز)

    

اتفق العديد من المستثمرين على هذا الرأي حتى قبل فترة طويلة من اقتراب الشركة من تحقيق أي أرباح. وقد تجلى ذلك في تصريح شون كارولان، الذي شارك في قيادة استثمارات شركة "مينلو فنتشرز" في "أوبر"، حين قال الشهر الماضي: "بصراحة، لم يكن هناك أبدا شركة مثل "أوبر"". لقد حصلت "أوبر" على أموال تفوق ما حصلت عليه أي شركة أخرى من مجموعة كبيرة من المستثمرين الذين يمولون الشركات الجديدة نسبيا. تضم قائمة المستثمرين في "أوبر" عددا من الشركات، منها ألفابت، وهي الشركة الأم القابضة لشركة غوغل، فضلا عن جيف بيزوس، ومجموعة سوفت بنك، وصندوق الثروة السيادية السعودي، وعدد كبير من شركات رأس المال المغامر البارزة؛ ومؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية غولدمان ساكس، وحتى رائد الأعمال تيم فيريس. وفي عام 2014، سجلت الشركة الرقم القياسي لأكبر تقييم على الإطلاق لشركة تكنولوجيا خاصة -بقيمة بلغت 17 مليار دولار- ثم تفوقت على هذا الرقم القياسي الذي حققته عدة مرات.

   

ما الذي جعل "أوبر" مميزة لهذه الدرجة؟ أولا، عمل كلا المؤسسين، جاريت كامب وترافيس كالانيك، في بيع الشركات قبل تأسيسهما لشركة "أوبر". فقد كانا رائدي أعمال محنكين مشهودا لهما بالنجاح، وقد أزالت لهما مسيرتهما الكثير من العقبات وفتحت لهما العديد من الأبواب.

  

لكن الأهم من ذلك أن الخدمة التي تقدمها "أوبر" أثارت إعجاب أصحاب رأس المال المغامر أنفسهم. ففي عام 2016، ذكر هايز أول تجربة له مع "أوبر"، قائلا: "رأيت منتجا بإمكاني استخدامه طوال الوقت، على الرغم من أنني لا أستقل السيارات السوداء أبدا. وكذلك أصدقائي لم يستقلوا السيارات السوداء، ولكنه كان منتجا من المرجح أن يستخدموه طوال الوقت". ولذا اعتمد هو وشركته على الفراسة بدلا من وضع رقم على قيمة الشركة بالطريقة المعتادة، وذلك من خلال النظر في السوق الذي تستهدفه "أوبر" ومعرفة مقدار الحصة السوقية المتوقعة من إجمالي حجم السوق المستهدف.

  

لدى شركات كثيرة مؤسسون على قدر عالٍ من الخبرة، وتقدم شركاتهم خدمات تثير إعجاب واهتمام أصحاب رأس المال المغامر. لكن ما يُميز "أوبر" عن بقية تلك الشركات -والسبب الذي أدى إلى نشأة ظاهرة من الشركات على غرار ""أوبر" لتوصيل X" (أي شيء، مثل الطعام، والملابس ومرافقة الكلاب، وما إلى ذلك)- هو نموذجها السوقي.

   

  

فقد استخدمت الشركة الحواسيب لإعادة هيكلة سوق قيادة السيارات ("الأمر الذي ينطوي على تصحيح بعض أوجه القصور الحقيقية"). لماذا يوجد شخص يعمل على تنظيم وإدارة سيارات الأجرة وإرسالها لطالبي الخدمة في جميع أنحاء المدينة، في حين تستطيع خوارزمية فعل الشيء نفسه بدون أي تكلفة عمالة أو وجود هياكل أساسية تنظيمية، وربما تحقق نتائج أفضل؟ مما أخرج شركات سيارات الأجرة، بتاريخها المؤسسي المعقد، من الصورة تماما. فقد صار السائقون يقودون سياراتهم والركاب يستقلون تلك السيارات، والشيء الوحيد الضروري للربط بينهما هو مجرد تطبيق على الهاتف. بالنسبة لأشخاص شبّت مَلَكَاتهم الفكرية في وادي السيليكون منذ مطلع الألفية، لم يكن هذا النموذج معقولا من الناحية المالية فقط، بل كان منطقيا أيضا من الناحية الأيديولوجية.

  

بينما كان تطبيق "أوبر" يلغي الحاجة إلى شركات سيارات الأجرة، ساهم كالانيك (الذي سيستقيل من منصبه في يونيو/حزيران 2017 في الوقت الذي أوشكت فيه الشركة على الانهيار) في أن تصبح صناعة سيارات الأجرة المحلية أكبر جماعة ضغط مرعبة منذ شركات التبغ الكبرى. فقد وصف الصناعة ذات الأجور المنخفضة ومؤسساتها العتيقة بأنها مجرد "اتحادات" و"تكتلات احتكارية". وقد تحدث كالانيك أثناء مقابلة أجراها مع صحيفة وول ستريت جورنال عن النهج الذي يتبعه، قائلا: "مبادئي هي مكافحة الاحتكار والتركيز الشديد ودعم الكفاءة. الأمر الذي سيعود بالنفع على الجميع، وليس له علاقة بالأحمر والأزرق (كناية عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي)".

  

تحدث كالانيك بأريحية أكثر مع كارا سويشر خلال مؤتمر التكنولوجيا العالمي الرئيسي "كود"، وقال: "نحن نخوض غمار تلك الحملة السياسية، التي يُمثّل فيها "أوبر" المرشح الرئيسي. والمنافس ما هو سوى مرشح حقير يُسمى سيارات الأجرة". حاولت الشركة تحفيز السائقين لكي يتواصلوا مع المسؤولين المحليين للشركات التابعين لها، ليطلبوا منهم السماح لشركة "أوبر" بالعمل، وبغض النظر عن القواعد والأنظمة المعمول بها والمتعارف عليها، عُرفت هذه المساعي باسم "عملية هزيم الرعد" -نسبة إلى حملة قصف جوي متدرجة ومستمرة قامت بها الفرقة الجوية الأميركية الثانية، والبحرية الأميركية، ضد جمهورية فيتنام الديمقراطية-. واختتم حديثه قائلا: "يتوجب علينا أن نبيّن الحقيقة حول مدى الظلام والخطورة والشر التي تنطوي عليها سيارات الأجرة التقليدية".

   

  

استعان كالانيك في حملته الوطنية ضد سيارات الأجرة بمدير حملة الرئيس السابق باراك أوباما، ديفيد بلوف، وفاز في معركة طاحنة في نيويورك، استعان فيها بمدير حملة مايكل بلومبيرغ، عمدة مدينة نيويورك الأسبق، برادلي توسك. أسس توسك بعد ذلك إحدى شركات رأس المال الاستثماري المغامر بهدف مساعدة الشركات الناشئة في تطويع السياسة. ونبعت رؤيته لهذا الأمر على حد قوله في مقابلة أجراها مع صحيفة "ذي إنفورميشن" من منطلق "مواجهتنا لكيانات لديها أهداف ومصالح متأصلة، وتناضل بكل جد من أجل التقدم والدفاع عن تلك المصالح، وإما أن ننجح في إقناع المشرعين أن القوانين التي تنظم تلك العمليات جيدة كما هي، وإما ندفعهم لتغييرها. وعلى الرغم من أن تلك الإستراتيجيات ليست سهلة، فإننا نتمكّن من تحقيقها". ومن أجل تقديم مثل هذا النوع من الخدمات لـ "أوبر"، جنى توسك على الأرجح 100 مليون دولار.

  

بالنسبة للمستثمرين الأوائل في "أوبر"، كانت الشركة مثالا على ما يُفترض أن يكون عليه التغيير الجذري في صناعة أو إستراتيجية العمل، وخصوصا تلك التي تنطوي على تقديم منتج أو خدمة جديدة تساهم في إنشاء سوق جديدة. إذ قدمت الشركة تطبيقا جديدا، ابتكره عدد قليل من الأشخاص في أحد مكاتب سان فرانسيسكو، واستخدمته للقضاء على المؤسسات -التي كانت تسمى سابقا شركات- التي كانت تضطلع بدور الوساطة بين المشترين ومقدمي الخدمات. لم تكن "أوبر" مجرد شركة، بل كانت الشركة التي قضت على الحاجة إلى وجود الشركات الأخرى. لقد مثلت درسا واضحا وكاملا في علم الاقتصاد، وعبرت عن الرأسمالية كما يجب أن تكون. ساهمت الشركة أيضا في صناعة أشخاص فاحشي الثراء، عبر القضاء على الكثير من الوظائف التي تعين وجودها في السابق لتنظيم خدمات السيارات. حسنا، ففي النهاية يفوز المبتكرون بكل الغنائم.  

  

تمكّن مثل هذا التفكير من النجاح، في أوائل القرن الحادي والعشرين على الأقل، على اعتبار أنه يرمي إلى تشجيع الكفاءة، حتى وإن كان من الواضح أنه يعارض تماما العمل المنظم، على أقل تقدير. فقد كان سلوك شركة "أوبر"، الذي عبّر عنه المدير التنفيذي للشركة ومستشاروه السياسيون البارزون المشهورون عالميا، جديرا بالتقدير والثناء. وفي المقابل، كان سلوك شركات السيارات الأجرة، كما عبر عنه عدد كبير من أصحاب الأعمال الصغيرة والموظفين، "شريرا".

    

تُجسد "أوبر" حقا انتصارا للنزعة الفردية، تلك الروح التي تسري خفية في جسد وادي السيليكون لدرجة أنه يصعب على معظم الناس هناك رؤيتها

وكالة الأناضول
   

يمتلك الناس رغبات استهلاكية، وفي الوقت نفسه لديهم رغبات سياسية وإحساس بالمصلحة العامة يصبون إليها. فقد ترغب في قيادة سيارة تعمل بالوقود الأحفوري، ولكنك أيضا تدعم ضريبة الكربون -التي تُفرض على محتوى الكربون في الوقود- كجزء من مكافحة تغير المناخ. وقد تشتري بيضا بأسعار رخيصة، لكنك تدعم التشريعات التي تشدد على القواعد التنظيمية المتعلقة بالأقفاص التي يعيش فيها الدجاج. بيد أن محاولات "أوبر" الالتفاف لاستغلال الثغرات التنظيمية اعتمدت على جعل رغبة المستهلك الفردية نابعة من إحساسه بالمصلحة العامة. فقد أنشأت الشركة قاعدة موالية من المستخدمين في منطقة قانونية غير محددة المعالم، ومن ثم، عندما يتخذ الزعماء السياسيون المنتخبون في إحدى المدن قرارا لا يُعجب "أوبر"، ستستخدم الشركة قوتها لدفع رسائلها السياسية لمستخدميها. حتى صار المسؤولون المنتخبون مثل مندوبي خدمة العملاء عندما ينقطع عنهم اتصال الهاتف يائسين ومتوترين.

  

لا يوجد في عالم "أوبر" ما يسمى بالعمل الجماعي. إذ يُمثّل كل شخص جزءا فرديا من السوق، يتفاعل بحرية مع جميع الأشخاص الآخرين، ما لم يكن ثمة تدخل مزعج من الحكومة. تُجسد "أوبر" حقا انتصارا للنزعة الفردية، تلك الروح التي تسري خفية في جسد وادي السيليكون لدرجة أنه يصعب على معظم الناس هناك رؤيتها. ولذا فإن الشركات التي تتسق مع هذا النمط هي الأكثر قدرة على جذب اهتمام أصحاب رأس المال الاستثماري المغامر، وتتمكّن من الحصول على التمويل، وتحقيق النجاح. هكذا يُشكّل وادي السيليكون العالم.

  

لكنهم لن يتمكّنوا من تمويل الشركات داخل فقاعات نفوذهم إلى الأبد، وسيتعيّن على تلك الشركات في نهاية المطاف الخروج من كنف الرعاية والأمان لمواجهة الأسواق العامة التي تقيمها وفقا لما تحققه من أرباح وخسائر. وحتى الآن، تشير مؤشرات السوق إلى أن قيمة هذه الشركة تقل بمقدار 50 مليار دولار عما توقعه مديروها التنفيذيون والمصرفيون. وفي عالم "أوبر"، السوق دائما على حق.

-------------------------------------------------------------------

ترجمة: فريق الترجمة.

- هذا المقال مُترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

آخر الأخبار