انضم إلينا
اغلاق
المؤسسة الدينية في إيران.. جدل التقليد والثورة والدولة

المؤسسة الدينية في إيران.. جدل التقليد والثورة والدولة

نور الدين دغير

مراسل الجزيرة
  • ض
  • ض

تحدث مرشد الثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي، في خطاب له، بتاريخ 9 يناير/كانون الثاني 2019، عن مدينة قم ذات الطبيعة المذهبية كأحد مراكز التشيع في العالم وعن حوزتها العلمية، ولم يكن الحديث إلا نوعًا من التحذير مما يمكن أن يُفهَم منه التحديات التي تواجهها المدينة والحوزة الدينية وعلاقتها بالثورة؛ حيث قال: "قم هي منبع الثورة في إيران وحوزتها العلمية هي الداعم الروحي والمعنوي للثورة وهناك من يتحرك لتغيير هويتها الثورية ويجب ألا نغفل عن كيد الأعداء"(1).

   

ويمكن القول بأن هذا الكلام تحديدًا يطول الكيان العلمائي في منظومة الثورة الإيرانية حيث تعتبر مدينة قم مركزًا له وأغلب منظِّري الثورة كانوا من علماء المدينة، وقد يستهدف السؤال بالأساس مؤسسة الحوزة العلمية. ولم تکن هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها المرشد الإيراني عن علاقة الحوزة بالنظام أو عن دور رجل الدين في نظام الجمهورية الإسلامية، ففي كلمة أمام علماء دين من محافظة خراسان الشمالية، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2012، أكد خامنئي أن الحوزة العلمية ورجال الدين هم جنود النظام ولا يمكن أن يتصوروا أنفسهم مفصولين عنه (2)، بل إن خامنئي رسم خطوطًا لعلاقة رجل الدين بالنظام حيث رأى أن أي فكر يفصل رجل الدين عن النظام هو فكر علماني، بمعنى أن المرشد الإيراني يؤسس لعلاقة جديدة في التعاطي ما بين الحوزة الدينية والنظام حيث إن طبيعة التفكير ونوعيته داخل المؤسسة الدينية يجب ألا تكون خارج إطار النظام الإسلامي في إيران ودائرته السياسة التي تحدده وهي نظام ولاية الفقيه والثورة.

 

هنا، يبرز تعريف جديد للعلمانية في إيران وهو أن أي فكر غير فكر الدولة هو فكر علماني، وفي النهاية فإن الحوزة لا يمكن أن تكون علمانية. ليُطرح السؤال الأساس: هل بدأت تتبلور رؤية جديدة للتعامل بين نظام الجمهورية الإسلامية والحوزة الدينية؟ وما حدود التفاعل بينهما؟، وهو ما تناقشه هذه الورقة.

   

مرشد الجمهورية الإيرانية "علي خامنئي" (الأوروبية)

  

الحوزة العلمية: الدور والمصطلح

تعدُّ الحوزة العلمية مؤسسة دينية واضحة المعالم على مستوى الأداء المعرفي تاريخيًّا، وبحسب الرؤية الشيعية فقد تأسست كمجمع ديني ومذهبي لتولي أمور أتباع المذهب سواء على المستوى الفقهي أو القضائي، وهي بدون منازع الجهاز الديني التعليمي الذي يشرف على تكوين رجال الدين في المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري (3)، ومن داخل هذه المؤسسة يرتقي الطالب في درجات المعرفة الدينية ليصل بعد مدة إلى مرحلة الاجتهاد الفقهي ثم تولي منصب المرجعية. ولم تفقد الحوزة العلمية هذا الدور المعرفي التاريخي إلى يومنا هذا، أما انخراطها في المجالات الاجتماعية والسياسية فقد كان محل تساؤل دائم؛ إذ إن السلطة السياسية في الدائرة الشيعية هي من اختصاص الأئمة الاثني عشر. وفي ظل نظرية غيبة المهدي -الإمام الثاني عشر للشيعة- باعتباره هو الولي والحاكم الشرعي، تزداد التساؤلات تعقيدًا حول دور الفقيه وشرعية السلطة القائمة ومن له الحق في تولي السلطة وكيف تعاطت مؤسسة الحوزة مع هذا الموضوع.

 

التطور التاريخي للحوزة العلمية وعلاقتها بالسلطة

يعود تاريخ الحوزة العلمية في التراث الشيعي إلى حوالي ألف عام؛ حيث تبلورت بشكل كامل في عهد الشيخ الطوسي (4)، بعد أن استقر في مدينة النجف هاربًا من بغداد (5). ولم يُسجَّل للحوزة وقتها نشاط تجاوز الإطار العلمي والمعرفي الذي تأسست من أجله بل ظل الفقيه مراعيًا للمنظومة الفقهية بعيدًا عن مجال السياسة وظلت حوزة النجف بشكل عام مستقلة عن النظام السياسي حتى من الجانب المالي. وبمعنى آخر، لم يتبلور بشكل عملي مفهوم الولاية العامة للفقيه، هذا المصطلح الذي شكَّل نوعًا من الحضور السياسي للفقيه الشيعي في المنظومة السياسية، وقد برز ذلك بوضوح أثناء تأسيس الدولة الصفوية بإيران في القرن السادس عشر الميلادي.

 

وبالرغم من تضارب الآراء حول دور العالم الديني الشيعي، محقق الكركي، في تأسيس الدولة الصفوية وعلاقته بمؤسسها "إسماعيل صفوي"(6) إلا أنه نُصِّب من قبل الملك، طهماسب الصفوي، شيخًا للإسلام(7) ويمكن القول هنا بأن هذه المرحلة تمثِّل بداية لتشكل علاقة الفقيه بالسلطان، أو بمعنى آخر، علاقة المذهب الشيعي بالسلطة السياسية، وخروج الفقيه من نظرية الغصب السياسي التي تطول كل حاكم غير أئمة المذهب الشيعي الاثني عشري، وكانت هناك علاقة مصلحية تربط الجانبين، فالملك يسلِّم الفقيه أمر المحاكم والقضاء، والعلماء يعطون الشرعية للحاكم، والتعاون بينهما كان يقوم على طبيعة العلاقة بين الحكام والفقيه وقوة أي منهما، وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع علماء الشيعة اتبعوا المسلك نفسه بل ظل الكثير منهم على رأي أن من تولى السلطة في غياب المهدي فهو غاصب للسلطة(8) .

  

     

في ظل هذا العلاقة المتغيرة بين الفقيه والسياسة في الدائرة الشيعية، كانت هناك محطات تاريخية أخرى لعب فيها الفقيه دور سياسيًّا بارزًا، ومنها "ثورة التنباكو" عام 1892؛ حيث كان لفتوى المرجع الديني، ميرزا الشيرازي، دور مهم في تحريك الشارع الإيراني ضد اتفاق التبغ الموقع بين حكومة ناصر الدين شاه القاجاري والحكومة البريطانية (9). وحضر الفقيه كذلك في الثورة الدستورية عام 1905، تنظيرًا عبر النائيني في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيل الملة" أو تحريكه للشارع من خلال المرجع الديني "آخوند خراساني"(10). وتُجسِّد الثورة الإسلامية في إيران أكبر تبلور لعلاقة الفقيه بالسياسة والسلطة، وشكلت الحوزة العلمية في "مدينة قم" الأساس في هذا الانقلاب الفكري في الرؤية السياسة لعلماء الشيعة تجاه السياسة والسلطة، وأصبح الفقيه هو الحاكم نيابة عن الإمام الثاني عشر الغائب عند الشيعة. وفي سياق هذه التطورات يمكن الفصل في ثلاث رؤى أطَّرت فكر الفقيه الشيعي تجاه السياسة والسلطة: 

 

-علماء دين يصنفون ضمن التيار التقليدي ويرون أن أية سلطة قامت في عصر الغيبة حتى ولو كانت شيعية (11) هي سلطة غاصبة وغير شرعية.

 

-صنف تقليدي آخر يتعاطى مع السلطة القائمة من باب الولاية العامة وفي إطار شراكة معها، يعترف بشرعيتها ويتولى هو الأمور العامة من قضاء وحسبة وجمع للزكاة، وهناك من ذهب إلى ترجيح القبول بسلطة قائمة تضمن حقوق الناس وتراعي مصالحهم، رغم أنها سلطة غصب (12)

 

-والتيار الثالث: وهو الذي فرض نفسه بعد انتصار الثورة في إيران عام 1979؛ وذلك من خلال أحقية رجل الدين في تولي السلطة بشكل كامل نيابة عن الإمام الثاني عشر عبر ما يُعرف بولاية الفقيه المطلقة. وهذه النظرية التي خرجت من حوزة قم وأسَّس لها مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، الإمام الخميني، في كتابه "الحكومة الإسلامية"، وقد أدى هذا إلى صعود نجم حوزة قم الدينية وأصبح الإيرانيون ينظرون إليها على أنها القطب العلمي الجديد للطائفة الشيعية بديلًا عن حوزة النجف التاريخية وذات المسلك التقليدي في التعاطي مع السياسة والسلطة.

 

حوزة قم الدينية.. المنشأ والدور

لم يكن للحوزة العلمية لمدينة قم جنوب إيران أن تصل إلى الشهرة بالشكل الذي وصلت إليه اليوم لولا نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وأكثر من ذلك فقد أصبحت هي المصدر الأساس لنظرية ولاية الفقيه. وبالنظر إلى تاريخها فهي تعتبر حديثة بمعيار الزمن والتاريخ مقارنة مع حوزة النجف، حيث يعود تأسيسها إلى عام 1336 هجرية (13)، وقد كانت هناك أسباب اجتماعية وثقافية وأخرى سياسية تحكم تأسيس الحوزة في قم؛ حيث شكلت وجهة لطلاب العلوم الدينية الإيرانيين بدل التوجه إلى مدنية النجف. أما على الصعيد الثقافي، فقد كانت وسيلة لمواجهة التمدد الشيوعي في إيران وقتها (14). ويرى عماد الدين فياضي أن إيران كانت تحتاج لمثل هذا المركز الديني لتفادي الأخطاء التي وقعت أثناء الثورة الدستورية، منها: إعدام رجل الدين، آية الله فضل الله نوري، وأن يكون علماء الدين بالقرب من مركز القرار في طهران وليسوا في النجف (15). وبالرغم أنه لم يُسجَّل لمؤسِّس حوزة قم، الشيخ عبد الكريم الحائري، نشاط سياسي ولامواجهة السلطات القائمة آنذاك أو معارضتها (16) إلا أن هناك من اعتبر تأسيسها مرحلة جديدة لرجال الدين في إيران (17).

 

    

جدل الحوزة والدولة

مثَّل تاريخ 15 يونيو/حزيران 2018 منعطفًا جديدًا في الجدل السياسي والعلمي بشأن الحوزة العلمية والسلطة؛ وذلك بعد الكلمة التي ألقاها عضو مجلس الثورة الثقافية "رحيم بورازغدي" في مدينة قم تطرق فيها إلى الحوزة ودورها، وأعاد المضمون ذاته في كلمة على منبر صلاة الجمعة بعد أسابيع من كلمة مدينة قم. وهذا جدل جديد يشير إلى أن نخبة جديدة من قلب النظام السياسي في إيران بدأت تعيد النظر في وظيفة الحوزة بشكلها الحالي، وإلى أي حد تقوم بدور يتناسب مع ما تتطلبه مرحلة النظام في إيران. مواقف "بورازغدي" لم تمر بسلام؛ فقد لقيت انتقادات من طبقة مهمة من داخل الحوزة العلمية ومن مراجع دينية، وهو ما يُقرأ على أن هناك خلافًا قد يكون مستترًا ويظهر إلى العلن في بعض الأوقات، ومحور الخلاف قد يكون حول استقلالية الحوزة، وهو ما يدعو إليه تيار تقليدي من داخلها، وحول دورها في العملية السياسية ونظام الحكم وهو ما يدعو إليه جيل صاعد يأخذ بعين الاعتبار ما يمكن أن يحمله المستقبل من تغيرات تنعكس بشكل أو بآخر على النظام السياسي في إيران. وفي سياق هذا الجدل، يمكن رصد ثلاثة أنماط في النظر إلى وظيفة الحوزة ورجل الدين في إيران ما بعد الثورة:

 

-تيار تقليدي لايخرج عن النمط التاريخي للدور الذي يقوم به رجل الدين في الوعظ والإرشاد والفتوى، ولا يرى ضرورة لأن تكون له علاقة بالسلطة أو أن يكون جزءًا منها، حافَظَ على مسافة معها حتى بعد انتصار الثورة في إيران، بل هناك من لم يقدم البيعة والولاء للنظام (18). ويذكر سيد هادي طباطبائي نماذج متعددة لعلماء دين لم يكونوا على ودٍّ مع الجمهورية الإسلامية كالمرجع أحمد خونساري، ومحمد كاظم شريعتمداري، وشخصيات دينية أخرى لم تهتم بالسياسة لكن لم تقطع خيط الوصل مع النظام السياسي الجديد (19).

 

-تيار الإصلاح الديني أو ما عُرف بإيران بـ"البروتستانتية الدينية"، وهي محاولة فكرية لإعادة العلاقة بين الدين والدولة وعلاقة الدين والشعب، والدعاة لهذا التيار كانوا من خارج التيار الديني وانطلقوا من بين النخب المثقفة في إيران. وقد شهد هذا التيار نشاطًا واضحًا في العشرية الماضية وكاد أن يُفضي إلى إعدام أستاذ التاريخ هاشم أقاجري عام 2004(20) لولا تدخل خامنئي حيث ألغي حكم الإعدام (21)

 

إن إعادة النظر في علاقة رجل الدين بالدين ذاته وإن جاءت من خارج الحوزة إلا أنها شكَّلت تحديًا كبيرًا خاصة للنظام السياسي القائم في إيران، والحديث عن أن الإنسان لا يحتاج إلى وساطة رجل الدين في علاقة الانسان بربه، والأكثر إثارة هو الحديث عن مسألة التقليد وهو من العناصر المهمة التي تؤسس للعلاقة بين الانسان ورجل الدين في المذهب الشيعي، ووصف العملية بأنها لا تختلف عن مسألة القردة والتقليد واعتبر أن العلاقة بين رجل الدين والإنسان هي علاقة معلم ومتعلم وليس علاقة الشيخ والمريد وليست علاقة مقلِّد ومقلَّد (22). ويبدو الأمر نقاشًا فكريًّا في الدائرة الشيعية وقد أثار حفيظة رجال الدين التقليديين، وهو من دون شك قد رفع مستوى التحدي للنظام السياسي في إيران؛ حيث إن سحب الشرعية عن رجل الدين قد يستهدف بشكل كبير الولي الفقيه باعتباره يمثل الوصاية الدينية والسياسية وبشكل غير مباشر سحب الشرعية عن النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه. هذا التيار عمليًّا فقد بريقه ونفوذه بالمجتمع الإيراني تحت سطوة التيار الديني التقليدي وكذلك التيار الديني المرتبط عضويًّا بنظام الجمهورية الإسلامية.

   

المؤسسة الدينية تمثل مظهرًا من مظاهر العلمانية حينما تفصل نظامها وحركتها العلمية عن الإجابات على الإشكالات الملحَّة والمحدثة

رويترز
   

- تيار بدأ يتبلور بشكل كبير من داخل الحوزة والنخبة المثقفة المؤمنة بنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو ما أصبح يُعرف بالحوزة الثورية وهو ما سنشير إليه بتفصيل في هذا البحث.

 

إشكالات الحوزة والثورة

بالعودة إلى ما صرح به "رحيم بورازغدي"، نقف على الإشكالات التي يطرحها التيار الصاعد في إيران، وكيف يخطط لرسم المشهد الديني في إيران مستقبلًا، وأكثر من هذا في رسم مستقبل سياسي قد يكون على رؤى سياسية واجتهادات جديدة تهدف إلى حل ما يمكن أن يواجهه النظام السياسي من إشكالات سواء على مستوى القيادة أو على مستوى التسيير. والإشكالات التي أخذها بورازغدي عن الحوزة يمكن وضعها في قسمين (23):

  

-المؤسسة الدينية تمثل مظهرًا من مظاهر العلمانية حينما تفصل نظامها وحركتها العلمية عن الإجابات على الإشكالات الملحَّة والمحدثة في الفقه والاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية. بمفهوم آخر، فإن المؤسسة الدينية بشكلها التقليدي بعيدة عن الواقع وعلومها التقليدية غير مسايرة للواقع ولا تستجيب لمتطلبات الثورة في مجالات الحكم والإدارة.

 

-المؤسسة الدينية تعمل على تفريخ مراجع دين دون أن يكون لذلك فائدة عملية على المجتمع والدولة، وأنه لا حاجة لهذا الكم الكبير من المراجع، وقد يكون ذلك هو البعد الأكثر جرأة في كلام بورازغدي.

 

أثارت تصريحات بورازغدي عددًا من مراجع الدين في إيران وانتقدوها (24) لكن الأمر لم يصل إلى حد الاتهام بالردة والتكفير والحكم عليه بالإعدام، بل هناك من دافع عنه من داخل التيار المحافظ المصنف بأنه الأكثر تشددًا (25) ومن داخل المؤسسة الدينية كذلك (26)؛ وهو ما يؤشر إلى أن هناك توجهًا بدأ بالتلبور ليعيد صياغة علاقة المؤسسة الدينية مع الدولة والسلطة والنظام وهو ما أصبح يصطلح عليه بالحوزة الثورية وقد تشكل صيغة مواجهة خفية تبرز للعلن مرات مع المؤسسة الدينية التقليدية.

    

حسن رحيم بورازغدي (مواقع التواصل)

   

الحوزة ونظام الحكم في إيران

لا شك في أن النظام السياسي في إيران يقوم على محورية رجل الدين، فهو رجل دين من حيث المرتبة العلمية التي لديه في المجال الديني والتي تتجاوز مرحلة الاجتهاد، وتصل إلى مرتبة المرجعية الدينية؛ وذلك بحسب النظام التعليمي المتعامل به في الحوزات العلمية، وكذلك هو رجل دولة باعتباره الولي الفقيه والسلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، تعمل تحت نظر الولي الفقيه (27). وقد حدد الدستور مواصفات الولي الفقيه بالشروط التالية: رجل، فقيه عادل، مدير ومدبِّر وعلى اطلاع بظروف الزمان والمكان، وصاحب خبرة ووعي سياسي (28)، والرابط الأساس في هذه العلاقة بين رجل الدين والدولة هو المؤسسة الدينية -أي الحوزة العلمية- وما إمكانية هذه المؤسسة في تخريج أو تقديم شخصية دينية قادرة على تولي منصب الولي الفقيه في الدولة.

 

بالعودة إلى الجدل القائم حول ماهية الحوزة العلمية وشروط الدستور الإيراني لتولي منصب ولاية الفقيه يُطرح الكثير من التساؤلات، حول مستقبل النظام السياسي في إيران إذا لم تساير المؤسسة الدينية احتياجاته ومتطلباته، فماذا يعني غياب رجل دين يستجيب لشروط الدستور؟ وهل يعني ذلك أن إيران ربما قد تكون مقبلة على اجتهادات أخرى لسد الفراغ القيادي في إيران؟

 

بعد وفاة الامام الخميني، عام 1989، تم اختيار المرشد الحالي علي خامنئي وليًّا فقيهًا دون أن يكون قد وصل إلى مرتبة المرجعية الدينية التي كان عليها آية الله الخميني. وبتعديل لهذه الجزئية، اكتفى مجلس خبراء القيادة بمرتبة تُعرف بالاجتهاد المطلق التي كان عليها خامنئي إضافة إلى خبرته السياسية ودوره في الثورة ليكون خليفة للخميني، ويمكن القول: إن تلك المحطة كانت أولى محطات الاجتهاد السياسي داخل منظومة الولي الفقيه في غياب مرجع ديني قادر على تولي أمور الدولة.

 

مع الإشكالات التي يطرحها البعض على المؤسسة الدينية حاليًّا، والتشكيك في أهلية القادمين والمتخرجين في المؤسسة الدينية في نظام سياسي يحكمه الفقيه (29)، فهذا يعني أن إيران قد تدخل في جدل حول البدائل السياسية في حال غياب الفقيه الجامع للشرائط بتعريف الدستور الإيراني وفراغ منصب المرشد الإيراني.

 

    

مجلس القيادة.. مصطلح ليس بجديد

مصطلح قد لا يكون جديدًا على الفقه السياسي في إيران ما بعد الثورة فقد كانت ضمن الدستور الإيراني قبل تعديله 1989، حيث طُرح كخيار بعد وفاة آية الله الخميني قبل أن يُحسم الامر بانتخاب المرشد الإيراني، علي خامنئي، لمنصب الولي الفقيه، وقد يبقى هذا الخيار مفتوحًا للمستقبل السياسي لإيران، وقد عاد هاشمي رفسنجاني وطرحه قبل وفاته (30)، ويبقى السؤال الأهم، وهو: متى يتم اللجوء إلى هذا الخيار؟

 

تحدث رفسنجاني بأنه إذا لم يكن هناك شخص مناسب من بين العلماء لتولي منصب ولاية الفقيه فإنه يمكن اختيار ثلاثة أفراد أو خمسة كمجلس للقيادة (31)، ودائمًا يجري الحديث عن أهلية من يمكنهم تولي إدارة البلاد من رجال الدين، وهو أمر يرتبط بقدرة المؤسسة الدينية المتمثلة في الحوزة العلمية على إدارة عملية تخريج من لهم القدرة على تولي ولاية الفقيه.وقد يتجه الأمر في حال غياب الفقيه الذي تتوافر فيه شروط الدستور الإيراني إلى بروز رؤى قد تدعو إلى حلول يغيب فيها الفقيه وعالم الدين بشكل كامل عن السلطة.

   

الولي المؤمن غير الفقيه

يُعتبر آية الله محمد تقي مصباح يزدي من الشخصيات العلمائية التي ترفض بالمطلق مسألة مجلس القيادة؛ حيث يرى أنه لم يثبت أن تولى الرسالة مجلس أنبياء، ولا مجلس قيادة في العهد الإسلامي (32). ويبقى البديل هو أن يتولى شخص آخر غير فقيه مسألة القيادة وما اصطُلح عليه بالولي المؤمن غير الفقيه (33). ويجب أن تتوفر فيه شروط التقوى والعدل وأن تكون هناك ثقة للناس بقدرته على إجراء الأحكام حتى وإن لم يكن بمستوى الفقيه على مستوى العلوم الدينية (34).

   

قد يفتح نقاش الحوزة اليوم الباب إلى التفكير في اجتهادات سياسية لا يتوقف معها نظام الجمهورية الإسلامية، ويبقى بكل تأكيد خيار الولي الفقيه المطلق لحد الساعة هو الخيار المطلوب، أما عن الضرورة، فيُفتح الباب للبحث في الخيارات الممكنة لسد الفراغ في أهم مركز قرار سياسي في البلاد وقد ترتبط طبيعة الخيار بقوة وقدرة الجهة التي تقف وراءه وتقدم له الدعم على جميع المستويات في البلاد. وفي ظل هذا الجدل القائم حول طبيعة ومهام المؤسسة الدينية في إيران، بدأت تتبلور فكرة ما أصبح يُصطلح عليه بالحوزة الثورية، فما المقصود منها؟ وما أهدافها؟ وما العناصر الفاعلة فيها؟

     

   

الحوزة الثورية.. المصطلح

الحوزة الثورية هو مصطلح جديد على المؤسسة الدينية في إيران، وهناك من يتحدث عن أنها تأتي لتكون البديل عن الحوزة العلمانية بحسب ما يصفها رحيم بورازغدي، وبالوقوف على مصطلحي الحوزة والعلمانية في المجال التداولي الإيراني، نجد أنه لا يُقصد بالعلمانية المفهوم المعرفي في الفكر السياسي الغربي بفصل الدين عن السياسة، بقدر ما يراد تعريفها كنمط من التفكير التقليدي السائد في الحوزة الذي لا يستجيب لمتطلبات العصر وما تحتاجه الثورة والدولة، ويبقى البديل عن النمط التقليدي للحوزة هو الحوزة الثورية ويُقصد بها حوزة "مُغيِّرة ومُتَغيرة" وتستجيب لاحتياجات المجتمع في أفق تأسيس حضارة إسلامية، وألا تنتج الفكر والمعرفة للمجتمع الإيراني بل للعالم أجمع(35). ويرى البعض أن سياقًا جديدًا بالمؤسسة الدينية بدأ يتبلور عمليًّا في إيران تحت عنوان الحوزة الثورية، وقد يحمل في طياته مشروعًا سياسيًّا يريد القطع مع الماضي، وشبَّهت صحيفة "إيران" الحكومية الانتقاد الذي تلقته الحوزة العلمية من خلال مواقف رحيم بورازغدي بحصان طروادة لبداية عملية لطرد كبار العلماء، وتحريك رجال الدين الشباب ضد هرم المؤسسة الدينية في المذهب الشيعي (36).

 

الحوزة الثورية.. المباني والأهداف

يبدو أن مطلب مؤسسة دينية تكون منسجمة كليًّا مع مؤسسة الدولة والثورة في إيران قد أصبح أمرًا ملحًّا وضرورة لإعادة هيكلتها بما يتناسب مع النظام السياسي والحفاظ على ديمومته. وقد تحدث مرشد الثورة الإسلامية في إحدى خطاباته بأن الحوزة يجب أن تظل ثورية ومهدًا للثورة والوصول إلى هذا الهدف يحتاج إلى تفكير وتدبير وبرمجة (37). إن مواقف خامنئي قد تكون خطوط عامة لفكرة ما وتنفيذها تتداخل فيه رؤية المنفذين وكيفية قراءتهم له. وما تشير إليه المعطيات فالعمل على صياغة مؤسسة دينية تختلف بشكل كبير عن النمط التقليدي السائد بدأ يتجلى في محاور سواء على المستوى الفكري والحركي أو السياسي الأمني.

 

على المستوى الحركي التنظيمي، يرى الكثيرون أن الإعلان عن تجمع جديد لأساتذة الحوزة يشكِّل أحد منطلقات هذا الحراك وقد اصطلح على هذا التجمع بـ"تشكل اساتيد سطوح عالي و خارج حوزه علميه قم" "تنظيم أساتذة المستويات العليا في الحوزة العلمية بقم". كان الإعلان الرسمي عن هذا التنظيم عام 2012(38)، وقد ظهر مباشرة بعد ما بدأ الحديث عن علمانية الحوزة.

 

هذه الخطوة لم تلق استحسانًا من عدد من المراجع الدينية في قم منهم آية الله مكارم الشيرازي (39)، وقد اعتبر أن هذه الخطوة ليست في صالح النظام وأن تكون هناك مواجهة من داخل الحوزة أمرًا ليس بالمقبول. وهذا التيار أجمع المراقبون على تسميته بالظاهرة الجديدة، بكل تأكيد له برنامجه الثقافي والعلمي الذي قد لا يتقاطع مع المؤسسة التقليدية لكن بكل تاكيد له برنامج يخدم رؤيته السياسية التي ترى ضرورة اندماج الحوزة في السلطة وإعادة النظر في الرؤية التاريخية التي حكمت هاتين المؤسستين.

  

آية الله مكارم الشيرازي (مواقع التواصل)

 

أما على المستوى العلمي والفقهي، فيمكن الوقوف عند مؤسسة في قم تُعرف بـ"مؤسسه تحقيقاتي فقاهت و تمدن‌سازي إسلامي" "مؤسسة التحقيقات الفقهية وبناء الحضارة الإسلامية"، وتحدد المؤسسة أهدافها في شقين: 

1-رسم خريطة طريق وتقديم البرامج السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية للحكومة الدينية.

2- تكوين طاقات بشرية قوية ومفكرة (40).

 

وعلى المستوى الأمني والعسكري، يمكن الحديث هنا عن لواء 83 جعفر الصادق في قم، وهو لواء عسكري يرتبط عضويًّا بالحرس الثوري الإيراني وميزته أن عناصره من رجال الدين وتأسس خلال الحرب العراقية-الإيرانية عام 1986(41). ولدى اللواء أنشطة في مجالات أمنية وثقافية وعسكرية وتخضع الكتائب التابعة له لدورات تدريب عسكرية بصورة منظمة للحفاظ على جاهزيته العسكرية (42). ويعتبر هذا اللواء أحد الأذرع العسكرية بشكل علمائي ويحدد أهدافه بالدفاع عن الثورة وأهدافها والحفاظ على ثورية الحوزة العلمية (43).

 

خاتمة

إذن هناك حراك يعيشه المشهد الديني في إيران لا يمكن وضعه في إطار جدل التدين والعلمنة بقدر ما هو جدل بين النمط التقليدي الذي يريد الحفاظ على نمطه التاريخي المتوارث مع الحفاظ على مسافة له مع السلطة السياسية في البلاد، وتيار ينتفض اليوم على التقليد لإعادة صياغة جديدة للمؤسسة الدينية يراد لها أن تكون ضمن السلطة السياسية للبلد ومتفاعلة معها بصياغة رؤى للدولة وما هو سياسي في حل مشاكل السلطة والحكم في ظل نظام ولاية الفقيه من خلال تخريج فقيه وفق معيار وشروط الدستور الإيراني، أو فتح باب التفكير والاجتهاد لنظريات أخرى لا تكون بعيدة عن أهداف النظام السياسي في إيران، ووفق موازين القوى الفاعلة فيها.

  

في الوقت الراهن لا يمكن الحكم على مدى نجاح هذا الحراك الجديد في المجال الديني الإيراني وتأثيراته السياسية

رويترز
  

قد يكون الطموح متجاوزًا لحدود المجال الديني في إيران إلى أماكن تتقاطع مذهبيًّا معه، فأي تغيير في البرمجة التعليمية بالمؤسسات الدينية في إيران من نمط تقليدي إلى آخر جديد ثوري قد يخفف عن قم الارتباط العضوي مع حوزة النجف ذات الريادة في عالم التشيع بشكله التقليدي، ولماذا لا يتصدر النمط الإيراني المشهد الديني في العراق وهو الأمر الذي قد ينعكس على المشهد السياسي هناك بأن تتحول حوزة النجف من ممارسة الولاية العامة عبر المرجعية الدينية من خلال التوجيه والإرشاد إلى نظام يعطي الفقيه صلاحيات واسعة وانخراطًا أكبر في مجال السياسة ضمن نظرية ولاية الفقيه المطلقة؟!

 

في الوقت الراهن لا يمكن الحكم على مدى نجاح هذا الحراك الجديد في المجال الديني الإيراني وتأثيراته السياسية، فالتيار التقليدي في الحوزة العلمية لا يزال صاحب قوة ونفوذ ثقافي واجتماعي، أما ما يمكن أن يراهن عليه التيار الجديد على الأقل في المستوى المنظور هو أن يكون فاعلًا في صياغة قواعد التنافس السياسي على أرضية وشعار الدفاع عن الثورة ومكتسباتها ضمن آلية يتداخل فيها الفقهي والسياسي والأمني.

_________________________________________________

هذا التقرير مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات.

المصادر

آخر الأخبار