انضم إلينا
اغلاق
#MeToo.. أيها الرجل.. تجنب المرأة بأي طريقة ممكنة!

#MeToo.. أيها الرجل.. تجنب المرأة بأي طريقة ممكنة!

مزنة حسناوي

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"لا بدّ أنّك صدّقتَ كل ما قيل عنّي. لقد كانوا يتحرقون شوقا ليسمعوا اعترافاتي على ما اقترفتهُ يداي ليتضح أنني أستحقّ العقوبة. لماذا ليست الأمورُ بهذه البساطة؟ كلانا يعرف أن السياسة ليست بهذه البساطة كما هو الحال مع كافة شؤون حياتنا. لكنّك لن تصدّق التهم البشعة التي طالتني دون دليل، أليس كذلك؟ لن تحكم عليّ دون وجود حقائق، أليس كذلك؟ هل صدّقتها؟ لكنّك أذكى من هذا! ربّما كان أهمّ درس تعلّمناه طيلة السنوات الماضية أنّه لا شيء مما يحصل في شتى مجالات الحياة والفن يفرّ من عدسات الإعلام. يا للغرابة، إنّني على الرغم من كلّ التفاهات والعدوانيّة التي ترشح من الاتهامات التي تسجّل ضدّي دون محاكَمة عادلة، وعلى الرغم من أنّني سألقى حتفي وعلى الرغم من كل شيء، يتملّكني إحساس غامر بالسعادة!"

(كيفين سبيسي)

"House of Cards"

   

(مشهد كيفين سبيسي في "House of Cards")

    

يحملنا هذا الحوار الذي كان بطلُه كيفين سبيسي إلى أجواء محاكمته بعد تلقيه اتهامات بالاعتداء الجنسي، والتي حَكَمت بالموت كما يبدو على حياته المهنيّة ومسيرته الحافلة، الأمر الذي مَثَّل صدمة لجمهوره وعائلته ومعارفه، وهو ما يُمكن أن ينال على أعقابه أحكاما بالسجن عدة سنوات. لم يكن سبيسي سوى أحد الرموز الشهيرة التي أطاحت بها حملة "#MeToo" لمحاربة التحرش والاعتداء الجنسي ضد النساء والأطفال. يحكي سبيسي في هذا المشهد الذي أذاعه على صفحته الشخصية بفيسبوك، وبطريقة مشابهة لتلك التي يخاطب بها متابعيه في مسلسل "هاوس أوف كاردز" (House of Cards)، يحكي حال كل رجل تلقّى اتهاما بالتحرش والاعتداء الجنسي في حملة "#MeToo"، ومستنكرا عدم إتاحة المجال له للدفاع عن نفسه عبر محاكمة عادلة متكاملة الأركان، دون أن يعتَرِف بالاتهامات الموجهة له أو ينفيها.

  

على الضفّة الأخرى، يرى ضحايا التحرش الجنسي أمثال كيفين سبيسي باعتبارهم مجرمين، لا يكتفون بالقضاء على حياة ضحاياهم فقط، والذين يتجه بعضهم للانتحار والإدمان هربا من الألم الذي سببوه لهم، بل يقفون و"بوقاحة" على حد وصفهم، ليدافعوا عن أنفسهم، ويشترون بما يملكون من سلطة وعلاقات ومال وسائل الإعلام والقضاة، ويوظفون المحامين بهدف التملص من التهم الموجّهة إليهم.

   

وبعيدا عن الدخول في هذه السجالات، فإن الصعود السريع والكاسح لحركة "#MeToo" يطرح أسئلة مُلحّة حول الكيفية التي اكتسبت بها الحركة كل هذا الزخم الإعلامي والدعم الجماهيري المتسارع، ولسلطة تكاد تكون مطلقة اخترقت بها أروقة السينما والمؤسسات العلمية والأكاديمية في فترة قصيرة نسبيا، ووصل تأثيرها إلى أروقة المحاكم، ومُنهية في طريقها الحياة المهنية والشخصية للكثير من السياسيين والممثلين والأكاديميين والمخرجين والفنانين، ولتزج بالكثيرين منهم في السجون، الأمر الذي أطلق دعوات من قبل الرجال أنفسهم، كما سيأتي في قادم التقرير، لتجنب التعامل مع النساء، أو أقلها، اتخاذ أقصى درجات الحذر، فلا أحد يمكنه التكهن بالتهمة التي يُمكن أن توجّه إليه وسط هذه الحملة!

    

تارانا بورك التي أطلقت حملة #metoo عام 2006 (رويترز)

       

#MeToo.. بداية القصة

جلست سيدة في العقد الرابع من عمرها تستمع باهتمام وإنصات شديد لفتاة تبلغ الثالثة عشرة من العمر، تحكي لها قصة تعرضها "للتحرش" من قِبل صديق والدتها. وبكلّ عفوية وجدت نفسها مدفوعة بالتعاطف مع هذه الفتاة لترد عليها بقولها: "أنا أيضا" (me too)، أي إنّ القصة مثّلت تجسيدا لما مرّت به المرأة أيضا. تلك السيدة كانت تارانا بورك، وهي ذاتها التي أطلقت عام 2006 مبادرة "me too" لمساعدة النساء من ضحايا العنف الجنسي[1].

 

إلا أن اشتعال فتيل الحركة الحقيقي بدأ عام 2017، حين بُعثت الحياة في الحملة بعد توجيه اتهامات للمخرج الشهير هارفي واينستين بالاعتداء على ما يزيد على 80 امرأة خلال ما يزيد على 30 عاما، شرارة أذكت نيران حركة مناهضة التحرش للدفاع عن حقوق النساء والأطفال من ضحايا التحرش والاعتداء الجنسي. والتي تبلورت فيما بعد لتتّخذ "#MeToo" شعارا لها، وتضعه الناشطات في واجهة حملات تحارب التحرش والاعتداء الجنسي على النساء والأطفال داخل أروقة لطالما ظلت أحداثها طيّ الكتمان عقودا عديدة.

 

جاءت هذه الحملة في وقت تعاني فيه الفئات الأضعف من الاستغلال والإساءة الجنسية، والتي تعد فئة الأطفال العاملين في السينما في القلب منها، لتتحول أضواء الشهرة الجاذبة لمساحة معاناة طالت عددا واسعا من هذه الشريحة، والتي وقع عدد منهم بحسب ما أشارت إليه بعض التقارير في شرك الإدمان والأمراض النفسية والانتحار. كما أن الأمثلة على الاعتداءات التي طالت الأطفال كثيرة، منها الاتهامات بالاعتداء الجنسي التي وجهها ليوناردو ديكابريو لبوب فيلارد، أحد أشهر مديري أعمال مشاهير هوليوود من الأطفال[2]. للممثلات نصيب كبير من هذه الإساءات، حيث تُجبَر الممثلة على تقديم تنازلات تُقدم كعربون وصول لدور ما، وكثيرا ما يزداد الثمن كلما كان الدور محطة وصول للنجومية.

   

ليوناردو ديكابريو وتوبي ماغواير (مواقع التواصل)

    

   

القبض على هارفي واينستين (رويترز)

    

نجوم تتهاوى

"إنّه لشعور غامر بالسعادة أن أمتلكَ سلطة على عميد يتباهى بمنصبه، أفسح له المجال للتحرش بي، ويفتضح أمره ليكون خبر الموسم الذي يحكم بالإعدام على مسيرته المهنية. إنها سلطة تمكنني من إهانة بروفيسور جامعي ليبدو كأحمق يهزأ من نفسه في حفلة عيد الميلاد"[3]. 

(كلير بيرلينسكي)

الكاتبة في جريدة "The American Interest"

  

مع انتشار حملة "#MeToo"، لم يعد السن أو المركز أو الشهرة تُمثّل عائقا أمام سيل الاتهامات الذي تدفق في نهر اعترافات الضحايا من النساء. حيث لم يكن بيل كوزبي، الممثل الشهير البالغ من العمر واحدا وثمانين عاما الأول ولا الأخير، حين أعلنت وسائل الإعلام عن اعتداء كوزبي جنسيا على امرأة في مكان سكنه. ليكون المتهم الأول الذي يتلقى حكما بالسجن يمتد من سنة حتى عشر سنوات، ويزاح عن عرشه في الكوميديا ومحاربة التمييز العنصري[4].

    

القبض على بيل كوزبي إثر اتهامه بالاعتداء الجنسي (رويترز)

     

في المؤسسات الأكاديمية، لم يختلف الأمر كثيرا، حين تلقى عالم الفيزياء الفلكية ذائع الصيت نيل ديغراس تايسون تهما بالاعتداء والتحرش الجنسي بعدّة نساء، وأعربت مجموعة فوكس الإعلامية ومنتجو برنامجه "الأكوان" أنهم يبحثون مدى صحة هذه الاتهامات[5]. كما اتهم الممثل أنتوني راب الممثل الشهير كيفين سبيسي بالاعتداء عليه جنسيا حين كان في سن الرابعة عشرة[6].

   

عالم الفيزياء الفلكية نيل ديغراس (رويترز)

     

الممثل كيفين سبيسي (رويترز)

   

أروقة السياسة كانت حقلا صاخبا لأصداء حملة "#MeToo"، وقد مثّلت قضية العلاقة غير الشرعية بين مونيكا لوينسكي والرئيس الأميركي بيل كلينتون أشهر الفضائح الجنسية في عالم السياسة والتي وصلت أصداؤها أقاصي المعمورة. فضيحة أعيد تداولها وتسليط الضوء عليها عقب مشاركة لوينسكي في هاشتاغ #MeToo، حيث علّقت بالقول إنّ علاقة غير متكافئة جمعتها بكلينتون، الرجل الذي يكبرها بسبعة وعشرين عاما والذي كان يشغل منصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية[7].

  

مونيكا لوينسكي وبيل كلينتون (رويترز)

    

وفي عالم السياسة أيضا، أطاحت اتهامات بالاعتداء الجنسي برموز سياسية على نحو يثير الشكوك حول نزاهتها، الأمر الذي دفع الإعلامية ميزلي لتسليط الضوء على هذا الانجراف في برنامجها حين ناقشت ملابسات الاتهامات التي وجهت لباتريك براون وجيمي بيلي والوزير الليبرالي كينت هير، القادة الكنديين في الحزب التقدمي المحافظ، والتي أثيرت الكثير من الشكوك حول صحة المزاعم التي وُجّهت إليهم، ليزاحوا مباشرة من مناصبهم. ولعل تزامن هذه الاتهامات واستهدافها ثلاثة رموز من ذات الحزب وسط ظروف سياسية حساسة أكّدت الشكوك حول تلفيق غرمائهم السياسيين لهذه التهم بهدف إزاحتهم عن المشهد السياسي.

    

تجنّبوا النساء!

لم تكن حوادث التحرش، قبل حملة MEtoo، تؤخذ بكل تلك الحساسية المفرطة، حيث يتم التعامل معها على نحو قانوني ومنظم يتاح فيه للمتهم بالتحرش للمثول أمام محاكمة عادلة، يحق له فيها الدفاع عن نفسه، لكنّ الحال اختلفَ بعد أنْ أطلت الحملة برأسها، لتسقط الكثير من التفاصيل، على حساب سرعة اتخاذ الإجراءات وسط الضغط الشعبي والإعلامي[8].

  

حدث أعلنَ بدءَ عهد جديد في عالم الشركات، يجد فيه الرجل نفسه محاصرا، تخضع كافة أفعاله للمراقبة الشديدة، وهو ما دفع مايكل بنس نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية إلى القول إنه يتجنّب تناول الغداء مع امرأة دون اصطحاب زوجته. نصيحة أطلق عليها لاحقا: "قانون بينس"، وكانت له أصداء في "وول ستريت" (Wall Street)[9]، إذ بدأ الرجال في اتخاذ تدابير "مبالغ" فيها بحسب وصف البعض لتجنّب تعرّضهم لاتهامات بالتحرش، مع تجنبهم بالطبع للانفراد بالنساء على الغداء أو الجلوس إلى جانبهن في رحلات الطيران، وحرص البعض على حجز شقق فندقية في طوابق مختلفة.

   

  

الحال الذي يفسر قول أحد المستشارين، إنّ توظيف امرأة بات يُعدّ "مخاطرة غير معلومة العواقب"، فما حيلة الرجل إن حُمّلت أفعاله ما لا تحتمل؟ فيما قال مستشار استثماري إنّه يتجنّب الاجتماع بموظفات شابات، وإنّه يفكّر بترك باب المكتب مفتوحا دائما، أو دعوة شخص ثالث للانضمام إليهما[10]. وقال أحد المُدراء إنه لن يجتمع بموظفات في أماكن تخلو من نوافذ، وإنّه يُبقي على مسافة كبيرة بينه وبينهن في المصاعد. وأضاف موظف يعمل في شركة خاصة أن زوجته المحامية أشارت عليه بتجنب تناول الغداء مع موظفات في عمر الخامسة والثلاثين وما دون[11].

   

هذا الحرص الزائد كما يبدو، كان له ارتدادات سلبية على النساء أنفسهن، حيث أظهرت المؤشرات تصاعد خشية الرجال من زيادة فرص تعرضهم لتهم التحرش التي تنهي حياتهم المهنية وتشوه سمعتهم، كما أدى ذلك لتجنّب كثير من الرجال العمل كمستشارين للموظفات[12]. كما أنّ شركات التأمين بدأت في استبعاد الشركات والصناعات الأكثر عرضة لتهم التحرش مثل صناعة الترفيه، فيما تشترط لتقديم خدماتها على الشركات[13] الحصول على ضمانات باتخاذ الاحتياطات اللازمة للتعامل مع التحرش والاعتداء الجنسي في أروقتها، من توفير خدمة الشكاوى السرية عن التحرش الجنسي، فيما قال عامل في شركات الضمان إنّهم يتجنّبون التعامل مع الشخصيات المشهورة، وهي الأكثر عرضة لتلقّي تهم بالتحرش.

  

وليبدأ بذلك فصل جديد ما بين الجنسين، وفقا لديان لورين، يتجنب فيه الرجال الاختلاء بالنساء، ويسجلون محادثاتهم معهن ويطالبونهن بوثيقة مكتوبة تثبت موافقتهن على إقامة علاقة معهم[14]. ومما يزيد الطين بلّة أنّ أحكام الناس متباينة إلى درجة بعيدة، فما تراه إحداهن تحرشا لا تراه أخرى كذلك، مما يعني أن تهم التحرش تعتمد على مزاج ومدى حساسية الأشخاص وليس مقيدا بقيود قانونية[15].

      

   

إلا أن الضبابية التي تحيط بمفهوم التحرش أدت إلى خلط كبير لميوع مفهوم التحرش، وهو ما  قاد مثلا إلى توجيه تهم لديفيد كورن مدير مكتب واشنطن شملت "اللمس غير اللائق والعناق والتربيت على اليد والظهر والكتف"، وهي أفعال لا تتخذ طابعا جنسيا[16]. ونتيجة لهذا الخلط، يقول بيرس مورغان وسوزانا ريد مقدما برنامج "Good Morning Britain"، تصاعدت الخشية بين الرجال من التقرب للنساء بهدف التعارف أو الزواج، ما دفع ضيفة البرنامج "إلا ويلان" إلى استنكار الجمع بين الغزل بمختلف أشكاله وأفعال التحرش في سلّة واحدة، مضيفة أن الرجل لا يعد متحرشا إلا إن أصر على التقرب من المرأة رغم ممانعتها[17].

   

لا يقدم ما سبق، سوى تسليط ضوء خافت على مساحة واسعة ما زالت غير واضحة المعالم، حيث ما زال الجدل قائما حول حملة "#MeToo" وتداعياتها، وعلى الرغم من أن الحملة أتاحت لكثير من المهمشين الانعتاق من سطوة أصحاب السلطة، إلا أنها حملت معها فرصة استغلال، وربما انتقام، يتم توظيفها وفق مصالح عدة، دون مجرى قضائي يحد من هذا التدهور.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار