انضم إلينا
اغلاق
المخطوبات للمعتقلين بمصر.. آمال معلقة على باب الزنزانة

المخطوبات للمعتقلين بمصر.. آمال معلقة على باب الزنزانة

زهرة العلا

محررة
  • ض
  • ض

في سنته الأولى في الأوبرج، والأوبرج هو السجن الحربي الذي رأسه ملك التعذيب وشيطانه "حمزة البسيوني"، كتب مصطفى أمين من محبسه عدة رسائل نشرها فيما بعد، منها رسالة بعنوان "كل النساء أقوى من بعض الرجال". يخبرنا أمين في هذه الرسالة أنه حينما لفَّق صلاح نصر مدير المخابرات المصرية في عهد عبد الناصر تُهما للزج به في السجن، كان عليه أن يملأ صحيفته الجنائية بأقوال شهود تجعل من طهو الجرائم وكَيْل الاتهامات نكهة خاصة لتبدو تُهما حقيقية، فاستعان بمحررات من جريدة أخبار اليوم وبعض الفنانات، ومنهن شادية، ليشهدوا زورا على أمين، ولكن كانت كل النساء يرفضن الشهادة ضده رغم كل الوعيد بالفصل من العمل والتهديد بالاعتداء والسجن. فلم تستجب أي منهن بينما استجاب بعض الرجال. (1)

       

مصطفى أمين (مواقع التواصل)

   

محررات أخبار اليوم لَسْنَ فقط من وقفن موقفا بطوليا حينما رفضن الإدلاء بشهادة الزور رغم الوعيد والتهديد، ولكن ثمة نساء أخريات لهن مواقف بطولية، ولكنها بطولة منسية، تفعلها بفعل عفوي، بدافع الواجب حينا، والعاطفة الجيّاشة في معظم الأحيان. ومن هؤلاء، كثير من زوجات المعتقلين وخطيباتهم وبناتهم.

    

نفتح في "ميدان" عبر هذا التقرير، ملف المخطوبات للمعتقلين، لنسمع أصواتهن، ونرى الكيفية التي يعايشن بها التجربة، ولننتقل بذلك من عالم السرديات الكبرى إلى عالم الواقع، ولو قليلا. ليس هناك إحصائيات أو بيانات دقيقة عن المخطوبات للمعتقلين، وقليل ما يتحدث عنهم أحد، فملف المخطوبات متجاهل تماما. فعادة ما يتم التعامل مع "الخطيبة" بصورة مختلفة عن زوجة المعتقل، ليس أفضل ولا أسوأ، فلكل منهما تحديات تتشابه وتتقاطع في مساحات وتختلف في أخرى. ففي حالة الزوجة، يُمثّل اعتقال زوجها قدرا محتوما لا فكاك لها منه وعليها تحمل تبعاته، وإلا أصبحت متهمة بكونها زوجة "غير أصيلة" لا تراعي العِشرة.

  

أما الخطيبة، فهي في وضع أكثر حرجا، فعليها ضغوط مكثّفة ومتناقضة في آن، ما بين الاتهام بالسفاهة إذا استمرت في الخطبة، أو بعدم الأصالة إن لم تستمر، وهي مُلامة كذلك في حال أكثرت السؤال عن خطيبها المعتقل، ومُلامَةٌ إن قللت الحديث معه، كما أن القانون لا يسمح لها بالزيارة، باعتبارها ليست من أقارب الدرجة الأولى، لا يقتصر السماح بقرار زواجها على إذن أهلها ورضا أهل خطيبها فقط، ولكن لا بد من موافقة المحكمة ورضا القاضي بذلك، وهي المُستدعاة كحل لأزمة المعتقل الضائق كَمدا خلف القضبان وللتنفيس عنه، وهي المَنسية في الهموم التي تعانيها.

     

  

وفي هذا التقرير نسرد ثلاث قصص، أبطالها ثلاث مخطوبات لمعتقلين يعيشن بين جدلية اليأس والأمل. أول القصص لسميرة، اعتقل خطيبها بعد أقل من شهر من عقد قرانهما؛ والثانية لأميرة، والتي خُطبت قبل اعتقال خطيبها، والثالثة لشيماء التي أعلنت خطبتها في السجن، على أمل الزواج حين خروجه. تتراوح بذلك تجاربهن والكيفية التي تفاعلن بها مع ما مررن به، وقد اتجهنا في "ميدان" لمحاورتهن، ونبدأ تقريرنا مع سميرة.

    

سميرة وسنوات الانتظار العجاف

"في أواخر 2012 تمت خطبتنا وكُتب كتابنا، بعد أقل من شهر من كتب الكتاب، اعتُقل زوجي، ظللنا عاما كاملا نحيا على أمل خروجه قريبا، سافرت للعمل خارج البلاد، وانشغلت عن الحزن قليلا، آملة أن أعد كل شيء حتى يخرج ونبدأ حياتنا خارج مصر، ولكنه لم يخرج، وفقدت وظيفتي وعدت إلى مصر، وما زال معتقلا منذ أكثر من أربع سنوات ونصف، وزاد الأمر تعقيدا بتأييد حكم المؤبد عليه.

  

حينما عدت من الخارج، واجهت مشكلة رئيسية، فهل أُقيم بمفردي لدواعي سفر عائلتي، أم عليّ الإقامة مع أهل زوجي؟ فقد استمرت الخلافات بين العائلتين لفترة ليست بالقليلة، وذلك للإجابة عن هذا السؤال: هل أنا زوجته أم خطيبته؟ وبعد مداولات، أقمت مع والديه، لأنهما متقدمّان في السن ولا يقيم معهما أحد. انشغلت في بادئ الأمر بإعداد الزيارات، ولكني ومع مرور الوقت، شعرت أن حياتي قد توقفت، فقد تسرّب اليأس إلى قلبي، والفراغ إلى وقتي، فأُصبت بالاكتئاب، صرت لا أستيقظ سوى ساعات قليلة متفرقة في اليوم، وقضيت عاما كاملا أتعالج عند طبيب نفسي لإصابتي بانهيار ما بعد الصدمة، لم أكن مستعدة لانهيار كل أحلامي واحدة تلو أخرى، سواء حلم الزواج والاستقرار أو حلم العمل. وبعد فترة من التعافي، صُدمت بخبر تأكيد الحكم منذ عدة أشهر بالمؤبد، ساعدني السفر والانشغال به في تخفيف وَقْع الخبر على نفسي، وما زلنا في انتظار النقض.

   

  

مررت بمواقف قد تبدو عادية، ولكن وقعها على نفسي لم أتحمله بسهولة. يوم فرح أختي الأصغر، حينما تلاقت نظرات أبي وأمي لي، كادا يبكيان، احتضناني وصمتا. نعم، هما لا يمارسان ضغطا عليّ، فهما يعرفان خطيبي جيدا، ولكني دائما ما أستشعر نظرات الشفقة والأسى في عينيهما وحديثهما الصامت، ودعواتهما المتلهفة، فقد بلغت 28 عاما، ولدي استعداد أن أنتظر 5 سنوات مع الخمس التي أوشكنا على انقضائها، فتلك عشرة كاملة، ولكني أفكر في حُلم الأمومة، وهذا يجعلنا في مأزق لا نُحسد عليه.

 

أحاول إلهاء نفسي بأن أخرج مع صديقاتي، وأبحث عن عمل يلتهم ساعات طويلة من يومي، فلا أجد وقتا للتفكير في الانتظار المؤبد. فأنا أخاف من التفكير فيما بعد النقض، ماذا سيكون موقفي إذا تأكد الحكم بالمؤبد؟ لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال، أول مرة أشعر بالخوف. إنني أقترب من التاسعة والعشرين من العمر، وأتوق إلى أن أكون أمًّا، وهذا من ضمن أحلامي التي يشاركني زوجي بها، ماذا نفعل؟ هل أعتبر أنه ابتلاء حياتي، وأقنع نفسي بأنه ثمة فتيات أكبر مني لم يتزوجن أو يُنجبن، فأتحمل؟

  

تُكمل سميرة حديثها لـ "ميدان" بقولها: أقاوم الشعور بالذنب عند تفكيري في الانفصال، فهذا الرجل قد أحبني بصدق، وبذل الكثير لأجل أن نكون معا، ثم اعتُقل ظلما، فما ذنبه؟ كما أنني أساعده على تخفيف معاناته، هو يقول لي ذلك باستمرار: "لولاكِ لما تحملت المآسي التي أقابلها في تجربة السجن". إنني أخشى أن أكون في موقف الاختيار، أن يكون القرار النهائي في إنهاء علاقتنا أو استمرارها في يدي، أحيانا أجد نفسي متربصة بالوقوف على سفاسف الأمور وصغائرها، أقلق وأغضب على أشياء تافهة، فأقف مع نفسي وأُسائلها؛ هل أختلق هذه الخلافات لأجل أن أدفعه هو لإنهاء العلاقة؟ لا أعرف، سوى أنها حالة خوف وتعب شديدين. لقد أمضينا معا أكثر من ست سنوات عايشنا تفاصيل كثيرة: حلوة ومرة، تفهمنا طبائع بعضنا البعض واقتربنا أكثر، فماذا أفعل؟ الأمر ليس سهلا على الإطلاق".

   

أميرة: صدمة الاعتقال

  

تروي أميرة حكايتها لـ "ميدان" فتقول:"تجربة اعتقال خطيبي كانت الصدمة الأولى في حياتي، مكانش عندي قبلها حاجات صعبة؛ يعني أقصى حاجة أنقص درجات، أزعل مع حد، إلخ، فدي كانت الصدمة خصوصا إني كنت حساني لسه صغيرة وهو اعتُقل بدري، فكان الموضوع ليه رهبته، التجربة دي أثّرت في حياتي جدا، لأني معشتش الوضع الطبيعي لأي واحدة مخطوبة.

 

إحنا بقالنا كده 7 سنين خطوبة، وهو بقاله أكتر من 5 سنين محبوس، وطبعا دي فترة طويلة جدا، ومتعبة ليه ولي في إننا نحافظ على علاقتنا وتفضل موجودة، إحنا مخطوبين وأنا 19 سنة وهو مكملش 23 دلوقتي، هو قرب عالتلاتين وأنا 25، مرحلة كبيرة جدا الناس كبرت فيها، أنا كبرت فيها، وهو كبر فيها، وكبر في السجن وفي ظروف للأسف غيّرت فيه جدا، وبقى غير اللي كنت أنا مرتبطة بيه في أفكاره وقناعاته ونظرته للأمور وأخلاقه، مش عارفة الأمور هتاخدنا لفين، لكن عشان نقدر نكمل ونحافظ على علاقتنا الموضوع محتاج بذل كتير، حتى لما يخرج الموضوع هيحتاج تعب كتير".

 

وتكمل أميرة حديثها لـ"ميدان" عن بعض التحديات التي تواجهها خلال هذه الفترة خاصة أن والدها قد اعتُقل بعد خطيبها بفترة قصيرة: "بعد فترة اعتُقل أبي وبقت حياتي كلها معتقلين واتحولت أوضاعهم لمأساة، اعتقالهم أثّر عليّ نفسيا ودراسيا، كنت عاوزة أوفق بين الزيارات وحضور الكلية، وساعات محضرش في الكلية وأروح الزيارة، وأدوخ عشان أبعت جوابات، وماديا كنت بصرف كتير، وبعد اعتقال أبي بدأنا نتقشف، وحاجات كتير اختلفت في مصاريفي، وحاجات كتير مبقتش أعرف أجيبها، بعد ما اتخرجت الموضوع أثّر علي جدا، مبقتش عارفة أشتغل ولا أكون موجودة في القاهرة لأن أمي لوحدها محتاجة حد يجهز معاها الزيارة وكده، وخطيبي أمه وأبوه متوفيين فكنت أنا المسؤولة، آه مبجبش الطلبات بس لازم أكون طبخاله، لأن إخواته الولاد مبقاش متاح يطبخوله.

  

 

ورغم إن أبي وخطيبي في سجن واحد، لكن أيام الزيارة مختلفة عشان ظروف البيتين، فمفيش شغل هيرضى إنك تغيبي يومين، بالإضافة لليلة الزيارة ببقى مشغولة جدا بتحضير طلبات الزيارة وإلخ، اشتغلت لكن ماعرفتش أكمّل، فده كله أثّر عليّ من كل النواحي، لا عرفت أشتغل في مجالي اللي أنا حباه، ولا أكمل دراستي، فالوضع كان ضاغط علي جدا لحد ما اشتغلت أونلاين بعيد عن التخصص وكل حاجة، لكنه كان مناسب لظروفي".

   

شيماء.. خطوبة بداخل المعتقل وفرح بخارج المعتقل

في هذه الأثناء، تعد شيماء نفسها للفرح المنتظر عقده قريبا بعدما أُفرج عن خطيبها، وتسرد شيماء قصتها لـ"ميدان" قائلة: "أعرفه منذ عامين ونصف معرفة عادية، ثم توطّدت علاقتنا، وقبل أن نعلن خطبتنا بفترة قصيرة، أُلقي القبض عليه، فأعلنّا الخطبة في المعتقل، أهلي لم يروا موقفي سوى طفولة وتهور، اعتدتُ على إجراءات الزيارة الدورية كل أسبوعين، من الذهاب إلى المحكمة العسكرية للحصول على تصريح الزيارة. عَرَفني الموظفون هناك من كثرة التردد على المكان، سمعتُ تلميحات سخيفة أبسطها "نيتك سيئة" و"أنت مين عشان تدخلي"، في إحدى المرات في عيد الأضحى دخل الزوار جميعهم فيما عدا أنا، لأن خطيبي ليس قريبي من الدرجة الأولى.

   

   

كنت أشعر أن الحياة متوقفة، لم أفعل شيئا طيلة هذه الفترة سوى الذهاب للعمل، وللزيارة، وانتظار الوقت الذي سنتزوج فيه، أن يكون لنا بيت أعدّ فيه الطعام، وأشرك زوجي في أموري، كنتُ مفتقدةً للسكن والاستقرار، أسمع كثيرا كفتاة مخطوبة "عقبالك" و"متى الفرح؟"، ولكن لم أكن أدري متى سنرتاح. في أول التجربة، كان الأمر صعبا، ومع الوقت تعتادين الصدمة التي يزداد وقعها مع الوقت، ولكن ليس في يديك شيء لتفعليه، وبعدما حُكم عليه بالبراءة، كان الشهر الأصعب على الإطلاق مقارنة بالعامين والنصف، فقبل خروجه بعشرة أيام كان قد اختفى اختفاءً قسريا، هاتفني ليخبرني أن آتي إليه في القسم استعدادا لخروجه بعد قرار إخلاء سبيله، ذهبت إلى القسم ممتلئةً بالفرح، إلا أنه كان "فص ملح وداب في نص ساعة!".

 

ذهبنا لمختلف الأقسام، والنيابة، وللمحكمة، ولأمن الدولة، سألني رئيس النيابة حينما أخبرناه: "أين هو يا فندم تعبنا؟"، قال لي: "يقرب لك إيه؟"، وحينما أخبرته أنه خطيبي قال لي: "بتضيعي نفسك". خرج بعد فترة من القلق والعذاب، ولكنه خرج شخصا جديدا، بدأت أتعرف من الصفر، التواصل بالهاتف دقائق يوميا غير كافية لتتعرف على الشخص، أذكر أنه في مساء يوم، وبعد خروجه من المعتقل بفترة، كنت أتحدث معه في الهاتف، فجأة توقف عن الحديث وأخبرني مُنزعجا أن أغلق الخط فورا، لم أستوعب ما حدث، أعاد الاتصال بي مرة أخرى. وحينما سألته عن السبب أخبرني: "لقد تخيلت أن الضابط يمر على السجون وسيضبطني أمسك الهاتف فأغلقته سريعا!".

    

تكمل شيماء حديثها ل"ميدان" بقولها: بعد خروجه، لزم الصمت لفترات طويلة، وهي الفترات التي كانت تمتلكني فيها الرغبة في الحكي، كنت أنتظر التعويض الآني والعاجل لغيابه، بينما كان يريد التعافي من فترة السجن. حدثت خلافات كثيرة بيننا، لكننا تجاوزناها، حينما تفهمت احتياجه وخفضت من توقعاتي، وقلقي، وتوتري.

 

علاقتنا قد توطدت عبر هذه المحنة، اقتربنا أكثر، صحيح أنه تحدث خلافات عادية بينا، ولكن العاطفة هي الأساس. لو أن الزوجة لا تحب زوجها، ستسعى للانفصال عنه بأي طريقة، أعرف زوجة تعبت من اعتقال زوجها، وحينما رفض طلاقها أبلغت عنه أنه يمسك هاتفا مخالفا لقواعد السجن، وهذا تم بعد زيجة استمرت أكثر من 15 عاما، وحكايات أكثر عن زوجات فقدن الطاقة للاستمرار، فقد رأيت حالات تمتنع فيها الزوجة عن الزيارة، وتأتي الأم بمفردها، فلا بد أن تختاري جيدا الشخص الذي يستحق أن تخرجي من الساعة الخامسة صباحا لتستخرجي أوراقا وتُنهي إجراءات بيروقراطية وتذهبي وراءه في سجون مختلفة"

        

زوجات بعض المعتقلين بقاعة المحكمة (رويترز)

     

هل الارتباط والزواج بالمعتقلين مقاومة للطغيان؟

تأتي تجارب أميرة وشيماء وسميرة لتُسلّط الضوء على بعد إنساني يتصل بمعاناة  الاعتقال، ففي مصر، هناك ما يقارب الـ 60 ألف معتقل(2)، ولكن هناك مئات الآلاف من الأُسر التي تشارك في دفع الثمن القاسي للاعتقال ماديا ونفسيا واجتماعيا. فعند الحديث عن قضايا المعتقلين، لا ينفك السياسي عن الاجتماعي والنفسي، فكل هذه الجوانب تتداخل بعمق، لذا فإن الكثيرين يعتبرون الزواج والارتباط بالمعتقلين، تحديا للاستبداد ومقاومة للطغيان.

  

تذكر أمينة قطب، أشهر خطيبة معتقل في السجون الناصرية، عن زواجها من كمال السنانيري قائلة: "كان هذا الرباط قمة التحدي للحاكم الفرد الطاغية الذي قرر أن يقضي على دعاة الإسلام بالقتل أو الإهلاك بقضاء الأعمار في السجون". لقد سُجن كمال السنانيري في عام 1954، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفّف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة (25 عاما)، وخَطَب أمينة قطب وهو يقضي هذه المدة في المعتقل.

   

أما في حالة الأسرى الفلسطينيين، يعد الزواج نضالا يُثبت بأن المعتقل لن تنتهي حياته بين جدران السجن، فالارتباط بفتاة يعني أن نهر الحب لن يمنعه قيد السجان وقضبان البطش بحسب تعبير الأسيرة الفلسطينية أحلام التميمي. وهذه الرؤية على ما تبدو من رومانسيتها، فإنها تعكس بالفعل غضبا على المستبد، إذ يروي مصطفى أمين أنه في سنته الأولى في السجون الناصرية زاره محمد حسنين هيكل، ومن ضمن ما حكاه أمين عن هذه الزيارة: "سألني هيكل هل صحيح أنني طلبت من المحكمة إذنا بالزواج من سكرتيرتي، فقد فسر البعض هذا الطلب بالزواج بأنني أريد أن أقول "طُظ"، وإنني سأتزوج في السجن لأنني واثق أنني سأخرج منه، وقلت لهيكل إنني لم أطلب إذنا من المحكمة بالزواج لأن هذا ليس من شأن المحكمة".(3)

 

ولطالما عكست السرديات والأشعار صورا ملحمية عن الحبيبة التي تعاهد حبيبها على السير معا، وانتظار اللقاء، وتجسُّد الحب كنضال في مواجهة الاحتلال أو المستبد، ولكن دون بيانٍ للوجه الآخر للمعاناة بكل واقعيته وأزماته، فهي محنة وإن غلفتها تفاصيل الحب والصبر ولهفة الانتظار. ومن خلال قصص التجارب الثلاث التي سُردت بالأعلى، يتبين أنه على الرغم من عدم تشابه قصة مع أخرى ولا تجربة شعورية مع غيرها، إلا أننا يمكننا القول بإن ثمة عوامل تؤثر على تفاعل الفتيات مع تحديات هذه الفترة، منها:

   

  

مدى قبول أسرة الفتاة لاستمرار هذه العلاقة

يختلف قبول أُسر الفتيات لخطبة بناتهم لمعتقلين بحسب الانتماء والاعتياد على مثل هذه الأوضاع، كأن يكون لأسرتها انتماء تنظيمي أو أيديولوجي، وهو ما ُيسهِّل قبول هذا الوضع مقارنة بالأسر الأخرى، فقد يكون في أسرة الفتاة نفسها معتقلان، كالأب والخاطب، كما في حالة أميرة. وثمة فتيات نشأن منذ صغرهن تحت وطأة هذه الأوضاع، ما يجعل فكرة الارتباط بمعتقل ليست غريبة، وإن لم يُقلل ذلك  بالطبع من المعاناة، ولكنه يعمل على تقليل حدّة الضغط الأسري عليهن مقارنة بالأُسر الأخرى التي ليس لديها موقف سياسي أو انتماء تنظيمي، وهو ما قد يدفع فتياتها إلى الانفصال عن هذه العلاقة.

 

فتذكر شيماء لـ"ميدان": "فيه أُسر بتقبل الخطوبة في السجن، خاصة لو إخوان، فنلاقي الأم بتدور على عروسة لابنها، وبتم الرؤية الشرعية جوه السجن، وأعرف حالة لبنت مكنتش متخوفة من الخطوة دي، فأخوها شهيد وخطيبها صديق أخوها، فيعرفوه، ومخطوبين بقالهم 4 سنين، وفيه بنات خطيبهم واخد حكم بالإعدام في العقرب ولسه مكملين".

 

دوافع كتب الكتاب في المعتقل

وضع المخطوبة في الزيارات أصعب، لأنها ليست من أقارب الدرجة الأولى، وبذلك، فإن بعض الفتيات يلجأن لعدد من الحيل التي تُمكّنهن من الزيارة، كأن تدخل ببطاقة أخت خطيبها إن كانت قريبةً منها في الشبه، أو باعتبارها ابنة خالته، كما أن تعامل أهل الزوج مع المخطوبة في بعض الأحيان يختلف عن "المكتوب كتابها"، فيشعرون بأحقيتها في الزيارة أكثر من الخطيبة، وعند كتب الكتاب قد تحصل الفتاة على الحق في الزيارات الاستثنائية.

     

تقول شيماء لـ"ميدان": "إن أغلب المعتقلين ملتزمون دينيا، ويحتاجون إلى دعم معنوي وشعور بالقرب دون تجاوزات من الطرفين، فيكون قرار كتب الكتاب الأكثر مناسبة"

مواقع التواصل
   

ترفض سميرة في حديثها لـ "ميدان" قرار كتب الكتاب بالمعتقل، رغم أنها من اللاتي كُتب كتابهن قبل اعتقال زوجها، حيث تعتبر أن للحظة كتب الكتاب قدسية ومرحلة شعورية أعلى في العلاقة بين الطرفين، فيصعب حينذاك قرار الانفصال، بينما ترى شيماء أن سعي البنات لكتب الكتاب خطوة جيدة، رغم الهجوم الذي تتعرض له من أسرتها هي وممن يماثلها الظروف نفسها، فحينما تتعرف فتاة من المخطوبات بأحدهم أثناء الزيارة برغبة إحداهن في كتب الكتاب أثناء اعتقال خطيبها، يقولون لها: "ليه تكتبي الكتاب؟ أنت عارفة هيحصل له إيه؟".

   

وعن دوافع كتب الكتاب، تقول شيماء لـ"ميدان": "إن أغلب المعتقلين ملتزمون دينيا، ويحتاجون إلى دعم معنوي وشعور بالقرب دون تجاوزات من الطرفين، فمع هذا التعطش المتزايد للاحتياج النفسي للعاطفة يكون قرار كتب الكتاب الأكثر مناسبة، منعا لحدوث تجاوزات عن غير قصد، ويُزيد ذلك من مرحلة التقارب والمساندة بينهما، كما أن الفتاة في هذه الحالة تستطيع أن تتحرك بسهولة أكثر عن أهله وإنهاء أوراقه، إلخ".

   

علاقة الفتاة بأهل خطيبها

تعد علاقة الفتاة بأهل خطيبها أمرا مُربكا، فقد تجد الدعم خلال هذه الفترة أو قد تجد نفسها وسط ضغوط متزايدة، فقد تتعسف والدة المعتقل -عند عدم قناعتها بخطيبة ابنها- بمنعها من الزيارة نكاية فيها، أو لا تسلّم خطاباتها لابنها وإلخ. بينما تتفهّم بعض الأسر احتياج الفتاة، ليعملوا على مساندتها خلال هذه الفترة بكافة سُبُل الدعم، وتجد كذلك بعض العائلات الذين يراعون خصوصية الفتاة، فينسقون الزيارات فيما بينهم، باعتبار أن وقت الزيارة القصير لا يسمح للفتاة بأن تنفرد بالحديث مع زوجها والتواصل معه أو التعرف أكثر على خطيبها.

     

    

ظروف الاعتقال والقدرة على التواصل

تختلف درجة المعاناة على حسب السجن الذي يُوجد فيه المعتقل وظروف الاعتقال، وهل يتاح التواصل عبر الهاتف أم يُمنع، وفترات الزيارة وبُعد المسافة. ذلك أن هذه العوامل تساعد على القُرب والتواصل بينهما أو اعتياد البُعد وجفاء العلاقة كما في حالات كثيرة. فهناك حالات، لا يتمكن فيها الأهالي من رؤية ذويهم، فما زالوا يحلمون بأن يسمع ذووهم أصواتهم أثناء وجودهم بعربات الترحيلات!

   

وثمة حالات تكون الفتاة من القاهرة وينتقل خطيبها إلى محافظة أخرى، وهذا يعني أنها تخرج من البيت ليلا بمفردها أحيانا، فتتحرك من الثانية صباحًا حتى تصل السابعة والنصف، تقول إحدى الفتيات إنها حينما عرفت أن خطيبها نُقل وداي النطرون: "عزمت عائلتي على آيس كريم وأقمت فرحا!، فقد كنا في رعب أن ينتقل إلى محافظة أخرى". بُعد المسافة يجعل الزيارة أكثر صعوبة مما هي عليه في المعتاد، تذكر سميرة: "أكاد أجزم أن زوجات المعتقلين والمخطوبات والنساء اللاتي يذهبن للزيارة مصابات بآلام الغضروف وفي عضلات الكتف والرقبة بسبب حِمل الزيارة الذي لا يقل عن 10 كيلوات والوقوف والانتظار في الشمس لساعات طويلة".

  

هذا بعيدا عن التعامل السيئ في السجن وآثاره النفسية، فنظرات الجنود سيئة تحيط الفتيات من كل جانب. تذكر إحدى الفتيات: "أنا لا أرتدي ثلاثة أرباع ثيابي عند الزيارة"، وتضيف أخرى: "أريد أن أضع أحمر شفاه، أن أشعر بأنوثتي، ولكن السجن مكان سيئ على الإطلاق، لكننا كفتيات نتحايل على ذلك، فأضع طلاء الأظافر وأرتدي قفازات، واعتدت أن أمرر الكلام الرديء من الجنود على مسامعي حتى لا يتصاعد الأمر، فأعتقل أو أضر المعتقل نفسه، "نبلع الكلام ونسكت"، كما أن إجراءات التفتيش سيئة، إذ يفسدون الطعام والملابس، ولا يعبأون بالجهد الذي بُذل لإعدادهم ولا آدمية البشر، فمنذ ثلاث سنوات كنت مريضة وظللت ليلة أكوي ملابس زوجي قبل يوم الزيارة، حتى قام العسكري بتكسيرها وإلقائها على الأرض أثناء التفتيش، وظللت أبكي! ولكننا اعتدنا مشاهدة ذلك كله، فيما عدا لحظات الفراق ومشاهدة الأطفال يمسكون بآبائهم ولا يريدون فراقهم وقد انتهى موعد الزيارة، هذه المشاهد متكررة لكنها في كل مرة تؤلمني الألم ذاته".

  

    

المعتقلون بشر!.. ليسوا أبطال خارقين ولا ملائكة منزهين

"عريس عادي ميلزمناش يا معتقل يا مطارد يا إما بلااااااش"

   

تذكر إحدى الفتيات على فيسبوك رغبتها في الارتباط بمعتقل أو مطارد، هذه ليست نكتة، هذا واقع بعض الفتيات بالفعل، ما زالت تعيش في رومانسية حالمة عن المعتقل كبطولة لا حالة إنسانية بها كل أوجه الحياة السيئة والحسنة. إلا أن هذه العبارات المُتداولة على الألسن، وغيرها، تبين أن تجربة الاعتقال -على قسوتها- تمنح للرجال رأسمالا رمزيا يلقى الاستحسان في عيون الفتيات اللاتي يؤمن بالقضية نفسها، فعلى مواقع التواصل الاجتماعي ستجد فتيات يكتبن منشورات مثل: "باختصار لا أريده شخصا عاديا، أريده حاملا هم القضية"، "ستظل دائما وأبدا بطلي الأول والأخير"، "أنا خطيبة المعتقل خطيبة البطل"، "معك في الجهاد"، "لقد تعاهدنا على السير معا"، "سيري معا وسنقاتل"، ويشاركن صورا تعكس هذا التلاقي بين حبيبين خلف القضبان، إلخ.

 

فكل هذه العبارات، وغيرها، تتردد من بعض الفتيات وخاصة مع أول فترات الاعتقال، فتجد في صورة المعتقل بطولة، ولا يوجد نضج كافٍ في التعامل مع تجربة السجن باعتباره مأساة بشرية، فالمعتقل السياسي يتحول لمناضل بالضرورة، وتُنفى عنه سِماته البشرية. وتتزايد حالة إضفاء النقاء على المعتقلين ورسم هالات الطُّهر دون وعي بأنهم يوجدون في مكان قاسٍ كالسجن، حيث بالكاد يحتفظون فيه بآدميتهم، تلك الآدمية التي تُسلب مع القهر والتعذيب والتعامل السيئ والظروف القاسية بالداخل.

   

وتمر بعض الفتيات بهذه الحالة من تمجيد الاعتقال، ثم تتوقف لتعي جوانب أخرى من الاشتباك الحقيقي مع عقبات الواقع المفروض عليهم، وأخريات يزهدن في القضية مثل سميرة التي ذكرت في حديثها مع "ميدان": "إحنا تحولنا من أصحاب فكرة لناس مكفية على وشها، محطوطة تحت رجليهم"، فلم تعد القضية سوى العائق والوزر الذي تدفع ثمنه من عمرها وعمر زوجها المنتظر وحياتها العالقة. وترى شيماء أن التغاضي عن مساوئ السجن إما للتخفيف من بؤس الواقع، أو شفقة، أو غفلة. بينما يرسل والد أميرة إليها خطابا أثناء اعتقاله يقول لها فيه: "يا بختك أبوك وخطيبك معتقلين".

     

صورة على مواقع التواصل الاجتماعي لمجموعة من المعتقلين بأحد السجون المصرية (الجزيرة)

   

وتمتد هالة التقديس للمعتقلين إلى اعتبار كل المساجين على صواب، وأنهم لا يرتكبون خطأ، ولكن من خلال حوارات "ميدان" مع الفتيات الثلاث، نجد أن ثمة حكايات يروونها عن أخريات، مثل تلك التي تركها خطيبها ليرتبط بأخرى، وتعبّر سميرة عن هذه الوقائع فتقول: "وجدت حالات أعرفها من المعتقلين يتحدثون مع فتيات من أجل الحكي أو "السهراية" -على حد تعبيرها-، بينما الخطيبة يجعلونها للمرمطة والمشاوير والتصاريح". فالمعتقل في آخر الأمر بشر يصدر منه ما يصدر عن البشر من أفعال صائبة أو خاطئة، فلِمَ يرفض الكثير أفعالا تحدث في مجتمعنا الطبيعي بشكل يومي ولكنه يصمت عندما تصدر الأفعال نفسها من المعتقلين؟

     

القدرة على استيعاب التغييرات التي يمر بها المعتقل

يزداد خلال فترة السجن شعور المعتقل بالحساسية والضعف والعجز، يزداد شعوره بالفراغ العاطفي والنفسي، وقد يغضب من أمور صغيرة، وتستطيع بعض الفتيات مساعدة المعتقل على التخفف من هذه المشاعر السلبية بالحرص على مشاورته في كثير من الأمور وأخذ آرائهم. وأحيانا يظن بعض المعتقلين أنهم وحدهم الذين يتحملون الضغط ويشعرون بالقهر، فثمة حالة عامة من الاتكالية والاستسهال.

 

وتذكر إحداهن: "مع طول المدة بدأت أدرك أن ثمة أخطاء تقع فيها الفتيات المخطوبات للمعتقلين، وهي أنهن بدافع العاطفة والشعور بالتعاطف مع المعتقل يُحمّلن أنفسهن ما لا يُطقن، فتستجيب لكل طلبات خطيبها المعتقل. الاعتقال قد يساعد على الاتكالية، والرجال لا يشعرون بالفتيات وظروفهن عادة، فقد يطلب منك أداء مشاوير مختلفة في أماكن متفرقة لأنه فقط كان يفعل ذلك حينما كان بالخارج، دون أن ينتبه إلى ثقل ذلك البدني والمادي على الفتيات"، وبحد تعبيرها: "دي غلطتنا إحنا المخطوبات وزوجات المعتقلين اتعافينا على نفسنا"، "لقد تعلمت من التجربة أن أقول لا على ما لا أستطيع فعله. تدريجيا صرت أُجيد التعامل في هذه المساحة، ألا أحمل نفسي ما لا تطيق، وأخبره بهدوء أن نؤجل بعض المهام لأوقات أخرى، وأعتذر بلطف عنها أو أؤجلها لحين آخر أستطيع فعلها. ولكن أعود في النهاية لأقول: "هما عيال غلابة برضو اتظلموا افترا، وإحنا اتظلمنا معاهم".

   

الهدايا وتحول المعتقل لرومانسية المكان والرمز  
هدايا المعتقلين (مواقع التواصل)

    

في حالة المخطوبين تتحول العاطفة لأمر محوري، ويتحول السجن إلى رمز نلتف حوله باعتباره المانع للوصل، والحاجز المنيع لتدفق العاطفة، فكل الرومانسيات تدور في فلكه، مكانا ورمزا، سواء من الأعمال الفنية التي ينسجها المعتقلون بداخل السجن أو الرسائل المتبادلة. ويتقن المعتقل أعمالا يدوية، مثل باقات الزهور من المناديل، ميداليات من الخرز، والتطريز، والنحت على الصابون، وغيرها، ليعبر بها عن حبه، وتفريغا لشحنات الغضب، وللشعور بالوصل مع محبيه، وتصبح الجنة في هذه الأعمال هي المقابل المضاد للمعتقل، فيتم كتابة "الجنة" على كثير من الأعمال، فإذا منع السجن اللقاء، ففي الجنة وصل بلا فراق، هذه الأشياء بحسب تعبير شيماء هي "البنزين اللي بيمشيكي"، أي الطاقة التي تدفعك للاستمرار رغم تحديات الأزمة.

 

ما بعد الخروج.. نفسيات تحتاج إلى التعافي وإعادة التأهيل

كثير من العلاقات تنتهي بالانفصال بعد فترة قصيرة من خروج المعتقل، وذلك وفقا لأميرة يكون بسبب التوقعات المنتظرة من الطرفين، فالفتاة تكون أشبه بقطعة إسفنج امتصت وكتمت الكثير من المشاعر والمخاوف والمعاناة، وتنتظر أن يخرج خطيبها ليعوضها عما لاقته وعما صبرت لأجله، فتتصادم هذه التوقعات المهولة مع توقعات المعتقل نفسه الذي خرج لتوه من تجربة قاسية ويريد إما الصمت وإما مزيدا من التحمل لأحواله حتى يتعافى، فقد يصبح أكثر عصبية، وينتظر من الفتاة أن تكمل مسيرة تحملها، فكأن أمنياتهما قطاران تصادما في لحظة واحدة، فينتهي الأمر بالانفصال.

 
وتضيف شيماء: "التواصل بالهاتف أو الزيارات القليلة غير كافية لإدراك كيف تغير المعتقل بالداخل، فالتجربة تترك آثارها في النفس، تترك فيه بصمات تحتاج إلى تفهم، واستيعاب، وبدء رحلة التعافي، ليس الخروج هو التعافي، إنما رحلة للعلاج معا: المعتقل وخطيبته، وإنهاء العلاقة بعد طول انتظار ليس جرما، ولكن المهم إدراك أبعاد التجربة وآثارها وحسن التعامل مع التوقعات لكي يصبح قرار استمرار العلاقة أو انقطاعها قرارا واعيا".

  

تذكر شيماء أن أهالي المعتقلين يتعجلون في دفع أبنائهم للخطبة والزواج بعد خروجهم من المعتقل مباشرة قبل التعافي أو استيعاب آثار التجربة، فتزداد المشكلات بينه وبين خطيبته في بعض الحالات. فالمعتقل يحتاج بعد خروجه إلى هدنة حتى لو قصيرة، ثم يتأهل لتحمل مسؤولية وأعباء جديدة، ويأخذ قرارا مهما كقرار الزواج بتفكير أهدأ دون تسرع أو تخبط.

    

لا أحد يذكر التضحية، وكأن الفعل النبيل فعل هيّن على المرأة، أو واجب مفروض عليها دون تفهم لكثير من المعاناة وراء هذه الخيارات أو هذا الثمن المدفوع

الجزيرة
   
الانشغال لمقاومة الشعور بتوقف الحياة:

"أعلم أن هَذا الوقت سيمُر، لكنه يمرّ بطيئا، يمرّ بكامِل ثقله على قلبي، ويسرق من أيّامي الكثير"

   

هذه العبارة تذكرها خطيبة أحد المعتقلين، فأصعب شعور ينتاب الفتيات خلال هذه التجربة هو الشعور بتوقف الحياة وسرقة الأعمار، وتُجمع الفتيات الثلاث (أميرة وشيماء وسميرة) على أن الانشغال بالعمل والدراسة وخوض تجارب أخرى أو حتى الذهاب إلى صالة الرياضة (الجيم) قد يساعد من تخفيف المعاناة، ولكنه لا ينهيها، إلا أنه يساعد على توقف التفكير لبعض الوقت ومقاومة الشعور بأن الحياة تمر ببطء وأنها متوقفة، أو أن الأيام تسرق من أعمارنا، ونجد أن الفتيات يدعمن بعضهن بعضا، فثمة مجموعات تواصل بين المخطوبات والمتزوجات للمعتقلين، يساعدن بعضهم بعضا، ويتعاطفن مع أوضاعهن المتشابهة، فمثّلت نوعا من المواساة ممن يخضن التجربة نفسها.

  

يبدو أن مقولة مصطفى أمين أقرب لتوصيف الواقع فعلا، فبعض النساء أقوى من كل الرجال، وليس الغرض هنا المقارنة بين الرجال والنساء في الوفاء أو التحمل، ولكن أن نشرك القارئ في عالم لا يخبر الكثير عنه شيئا، عالم الاعتقال والسجن بعيدًا عن السجناء أنفسهم، ففي المعتقل ليس الرجل وحده المأزوم، ولكن ثمة تعذيب لا يقل هوانا عما يلاقيه المعتقل بالداخل،  تحياه النساء سواء أمهات أو زوجات أو مخطوبات أو  أبناء بالخارج.

  

ولكن، لا أحد يذكر التضحية، وكأن الفعل النبيل فعل هيّن على المرأة، أو واجب مفروض عليها دون تفهم لكثير من المعاناة وراء هذه الخيارات أو هذا الثمن المدفوع، فهل يمكن أن يتفهم أحد مشاعر أنثى تنتظر يوما ترتدي فيه فستانا يلقى استحسان حبيبها المنتظر دون النظرات المقحمة والعبارات القاسية والخصوصية المنتهكة، وكيف يتوقف سريان الحياة أمام أمنية بيت صغير يجمعهما معا فتبدأ رحلة تنتظر فيها راحة بعد شقاء وارتواء بعد طول ظمأ؟ هل يشعر أحد كيف يصبح حلم الأمومة عالقا، وعبارات الحب لا تخلو من وصف جدران السجن، وأن ترسم قلوبا وطيورا، ولكنها مقيدة؟

----------------------------------------------------------------

هوامش:

* الأسماء بالتقرير مستعارة وليست حقيقة حفاظًا على خصوصية أصحابها.

آخر الأخبار