انضم إلينا
اغلاق
الشوارع ممتلئة والقطارات مزدحمة.. هل يتجاهل المصريون فيروس كورونا؟

الشوارع ممتلئة والقطارات مزدحمة.. هل يتجاهل المصريون فيروس كورونا؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

بعينين حائرتين، وقفت شاهيناز.م، (اسم مُستعار)، المرأة الثلاثينية، تُراقب عشرات النساء حولها في عربة مترو الأنفاق بالقاهرة، لا يفصلها بين المرأة التي بجوارها أي مسافة تُذكر، هي تقريبا تقف على إحدى قدميها في الوقت ذاته الذي تتمكّن معه بسهولة من الاستماع إلى أنفاس المرأة التي تقف خلفها، وهي تعتقد أن أنفاسها أيضا تصل إلى آذان المرأة التي أمامها، فلا مسافة تفصل بين كتل الأجساد المتلاحمة، ولو خطوة واحدة. بعد دقائق يُفتَحُ الباب، تجد شاهيناز نفسها مدفوعة للحركة بتزاحم الأخريات إلى الأمام، حتى تلامس قدماها الرصيف. تنظر أمامها، تجد مئات الأجساد التي تتحرك ببطء شديد، خاضعة لإملاءات قواعد الزحام.
  

مشهد يومي مُتكرر ستراه في مترو الأنفاق بالعاصمة المصرية، لكن اليوم، وفي الظروف الحالية، فالأمر لا يشبه تلكم الأيام السابقة. اليوم، تُذيع مُكبرات الصوت بالمحطة إجراءات الوقاية من فيروس كورونا المُستجد "كوفيد 19"، وينادون عبر المكبّرات لإخبار الجمع الغفير بضرورة تجنب الأماكن المُزدحمة، والحرص على النظافة الشخصية.(1) تحاول شاهيناز وهي تروي قصتها لـ "ميدان" كتم ضحكاتها بعدما استرجعت مشهد عربة السيدات بالقطار، وهذا المشهد كما تعلمون كان من دقيقة واحدة فقط حينما كانت أنفاسهن الساخنة تلفح وجوه بعضهن بعضا.

    

  

شاهيناز تقطن بمدينة حلوان، متزوجة، ولها ثلاثة أطفال، وتعمل بإحدى الشركات الخاصة بوسط القاهرة، مما يدفعها لركوب المترو يوميا لمسافة تُقدَّر بنحو ساعة، لتصل إلى وجهتها. وكما تشير في حديثها، فهي لا تملك إمكانية التوقف عن العمل، لأن البيت والأطفال، الذين لا يزال واحد منهم يعتمد في غذائه على اللبن الصناعي بكلفته المُرتفعة، يعتمدون على راتبها. في الوقت ذاته، لا تستطيع الاعتماد على سيارات النقل الخاصة لتقلّها إلى عملها، لأن راتبها بأكمله بالكاد يمكن أن يغطي نفقة التحركات بهذه السيارات أسبوعا واحدا فقط.

  

وحينما عَلِمت شاهيناز أن الدراسة ستتوقف لأسبوعين، ظلت تحسب حسبتها مرارا، فكيف سيسير الشهر بعد أن تذهب بطفليها الآخَرَيْن للحضانة الأهلية التي يذهب إليها أخوهما الصغير، فبعد وفاة والدتها، لم تجد مَن يستطيع المُشاركة في رعاية أطفالها، تقول شاهيناز لـ "ميدان": "فكرت وزوجي كثيرا: ماذا لو جلست بالبيت وتوقفت عن العمل؟ لكن الأمر له أكثر من جانب سيئ، فأنا أعمل بمكان خاص، وقد يستغنون عني تماما، وحتى إن لم يفعلوا، فسيتوقف راتبي طيلة فترة مكوثي بالمنزل، وهو الشيء الذي لن تتحمله ميزانية المنزل، ولن تتفهمه احتياجات الصغار الأساسية التي بالكاد نُلبيها".

  

مئات الآلاف، ورُبما ملايين الوجوه والأنفس في مصر، يُشبهون شاهيناز تماما، لا يستطيعون التوقف عن العمل، لأن ذلك يعني بالضرورة الحاجة والعَوَز. من جانب آخر، هم يفهمون ما يُلقنه لهم الجميع مئات المرات بأن أمر الفيروس المُستجد جدّ خطير، وأن الوباء قد يحصد أرواحهم، لكن الأرواح في حسبتهم لا تُحفظ من الوباء فقط، بل يجب حفظها من الجوع أيضا، والاحتياج، وعوز الصغار. وفق كل هذه الطبقات المركّبة، يظل الوباء في نظرهم مُجرد "احتمال"، بينما الاحتياج الذي سينشأ عند التوقف عن العمل سيكون "مؤكدا" ولن يُلقي لهم أحد بالا حينها.(2) وفيما يلي، ستجدون نبذة بسيطة، ننقلها لكم في "ميدان" عبر المقابلات الحيّة عمّا يدور في الشارع المصري، وعن التحديات والمخاطر التي تواجه مختلف الشرائح.

  

         

موقف المجتمع المصري من إجراءات الوقاية

"لا أعرف الكثير عن الفيروس ولا كيفية الوقاية منه، لكنّي كنت قلقة للغاية على نفسي وابنتي التي لم يتجاوز عمرها الأعوام السبعة بعد، كنت أحرص على أن نرتدي الكمامات طوال وجودنا في الأماكن المُزدحمة مثل مترو الأنفاق أو المواصلات العامة، لكني لم أسلم من السخرية". هكذا تسرد نورهان. ف، تجربتها مع الإجراءات الوقائية لـ "ميدان"، وتُضيف قائلة: "كانت الناس تُطالعني بأعين فضولية، وأحيانا أجد مَن يُدير وجهه مُطلقا ضحكة ساخرة لم يستطع كتمها، وقد يصل الأمر إلى حد التعليق اللفظي، فأجد مَن يقول "وده عشان الفيروس؟!"، "قرفان من إيه يا جميل؟!" وغيرها من التعليقات الكثيرة التي لا تنتهي، والتي تقول إن الناس ما زال بينهم مَن لا يأخذون الأمر بمحمل الجدّية، لكن من ناحية أخرى تجد الوعي أكثر في الشباب، فعندما كنت أستخدم مُنظف اليد لابنتي في المترو، وجدت فتاتين في العشرينيات من أعمارهن يطلبن مني وضع القليل على أيديهن أيضا".

  

من جهة أخرى، تشرح مروة. س، (اسم مُستعار)، وهي بائعة في كارفور مصر، أن الكثيرين ممن يأخذون الأمر بجدية يتعاملون بشكل خاطئ أيضا. فعلى مدار أيام، تزاحم الناس على شراء البضائع والسلع بغرض تخزينها، مما جعل بعض الرفوف خاوية تماما، تقول مروة لـ "ميدان": "كنّا لا نُلاحق على العمل من شدّة الزحام، أنا لا أعلم الكثير، وليس لديّ معلومات كثيرة حول الصحة أو الاقتصاد، ولكن من البديهي أن هذا الزحام وحده قادر على نقل العدوى، وأن التهافت على الشراء بهذا القدر قادر أيضا على خلق أزمة، وزيادة الأسعار، أو عدم توافر السلع للآخرين".

  

وبين الحَذِر جدا، الراغب في تخزين بضائع تكفيه لشهرين حال جلوسه في المنزل، وبين الذي لا يُلقي بالا للأمر برّمته، ويسخر من استخدام الكمامة في أماكن الزحام؛ تقف العادات الاجتماعية موقفا ثالثا كعائق للإجراءات الوقائية، إذ رُبما تُعَدُّ الصورة الشهيرة لشخصين يتصافحان ويتعانقان بحميمية أمام واحد من المعامل المركزية التي أتيا إليها من الأساس بهدف التحليل للتأكد من خلوّهما من "كوفيد 19" توضيحا جليا لما نعنيه.

 

وهو ما يتضح في قصة علياء. ح، الفتاة العشرينية، والتي تذكر أنه لم يكن مقبولا في عائلتها أن تُسلم على خالاتها أو عماتها دون أحضان وقُبلات، فتقول لـ "ميدان": "تمكنت من تطبيق هذا مع صديقاتي، لكن على مستوى عائلتي، كان هذا أمرا غير مقبول، أجد من يقول لي بسخرية: "ليه يا حبيبتي قرفانة مننا؟ إحنا معندناش فيروسات ولا حاجة!"، البعض يأخذ الأمر بمحمل شخصي للغاية ولا يلتفت إلى أن الموضوع لا يخصه، وإنما هو جائحة عالمية تحتاج إلى تصرفات مُحددة من الجميع دون حساسيات".

    

فيديو يرصد التكدس أمام معامل تحليل الكورونا في مصر بعد أن أصبح شرطا لدخول دول الخليج للعمل

   

أما عن مسألة التفاوت بين ما يدور من نقاش على مواقع التواصل وبين ما يجري حقيقة على الأرض، فقد لخّصته سيدة مصرية بقولها: "تنزل الشارع تلاقي الحياة طبيعية ومفيش أي حاجة تبين إن في وباء من الأساس، تدخل على السوشيال ميديا تلاقي الناس بترش بعض بالكلور!"، مما يجعل مواقع التواصل الاجتماعي هي موطن الحَذِرين، بينما الشارع لا يُعيرهم اهتمامه.

  

أشخاص تتطلب مهنتهم التكدس وسط عشرات الأشخاص

رفعت. ع، (اسم مُستعار)، رجل خمسيني يعمل سائقا على واحد من حافلات النقل العام، يقول رفعت لـ "ميدان": "ورديتي بتبدأ من الساعة 2 الظهر، وبتستمر لغاية 12 بالليل، الوقت ده بيكون ضاغط جدا، وهو وقت خروج الموظفين وذهابهم إلى بيوتهم، ساعة الذروة في الازدحام بتكون تقريبا 3 العصر، في كمان ورديات بالليل، ودي أغلبنا بيحب يشتغلها، بس الهيئة هي اللي بتوزع وردياتنا".

  

يعلم رفعت بعض المعلومات حول "كوفيد-19"، لكنه يرى أن طبيعة عمله لا تسمح له بالكثير من الوقاية، يقول عن هذا لـ "ميدان": "كل اللي بقدر أعمله إني أفتح الشباك اللي جنبي أثناء القيادة لتجديد الهواء، خاصة أن هناك رحلات يكون الازدحام بها شديد، وتلتصق الأجساد ببعضها دون منفذ هواء بينهم". يتوقف عن الكلام ضاحكا، ويُشير إلى الكُمسري قائلا: "أومال الرجل الطيب ده اللي بيعدّي وسط الناس عشان يقطع التذاكر ويتأكد إن الكل دفع يعمل إيه؟!".

  

   

رُبما كل ما يعلمه رفعت أن الخطورة على زميله في المرور تكمن بين تكدسات الركاب ولا يعلم أنه يخالط "الكمسري" باستمرار، ولا يعلم كذلك أن ما يُحصله من أوراق مالية قد يكون حاملا للفيروس من الأساس، وقد تتحقق العدوى إذا لمس بيديه التي حملت الأوراق المالية فمه أو أنفه أو عينيه، فوفقا للـ "BBC" فقد شددت الحكومة الصينية على وجوب تعقيم الأوراق النقدية التي تتلقاها البنوك قبل طرحها للتداول من أجل الحدّ من انتشار المرض، ونصحت بغسل اليدين جيدا بعد لمس العملات المعدنية والأوراق النقدية والبطاقات البنكية لأنها قد تكون مرتعا للجراثيم والفيروسات.(3)

  

الغطس في مياه الصرف الصحي

هل تتحدثون عن النظافة؟ عن غسيل الأيدي عند لمس الأسطح، رُبما لم تروا من قبل مدبولي. س، (اسم مُستعار)، الرجل الخمسيني القروي، وأحد غطّاسي الصرف الصحي، وهو مُشمر جلبابه، حافي القدمين، مربوطا بحبل يشد خاصرته، في سعي منه لتسليك واحدة من بالوعات الصرف الصحي.

  

في مياه الصرف، يغطس مدبولي يوميا، ويُحاول فقط ألا يغرق أو تنزلق قدماه في بالوعة قاعها مُهدّم، وألا يتمكن زميله بالأعلى من جذب الحبل وإنقاذه، المخاطر الأخرى أن هناك بالوعات لم تُفتح منذ سنوات، مما يعني أنها باتت معبأة بالغازات السامة، ولو سقط فيها العامل فسيموت بعد دقائق، هناك علامات لا بد أن يكون العامل على دراية بها قبل أن يقوم بالغطس، ومنها أن يكون هناك حشرات في البالوعة. هذا الأمر يجعلهم يغطسون وهم مطمئنون! ولو لم يراعِ العامل تحري هذه العلامات ونزل إحدى البالوعات الممتلئة بالغازات السامة، فإنه سيفقد الوعي ولن يتمكّن زملاؤه بالأعلى من جذبه، لأن جسده سيكون مُثقلا بما يفوق قدرة الحبل المهترئ المربوط به على إنقاذه.

    

    

يُقدَّر عدد غواصين الصرف الصحي بمصر بالآلاف، والمقابل المادي الذي يحصلون عليه زهيد جدا، وذلك في مقابل عملهم لتسع ساعات يوميا. ماذا يفعلون؟ هُم يُجرون أعمال الصيانة والتطهير لمجرى الصرف الصحي بالشوارع ومحطات المياه، وفي عملهم هناك "يوم التطهير"، وهو اليوم الذي يغطس فيه العامل لنحو 22 بالوعة صرف صحي، أما في الأيام العادية فإنه يغطس داخل ما يقرب من سبع أو ثماني بالوعات فقط!

  

يقول مدبولي لـ "ميدان": "شغلانتنا لا تجذب الشباب، لا تجد شابا أبدا يودّ العمل كغطاس صرف صحي، ففي بداية عملي، كان هناك 100 عامل في المنطقة التي استلمت تعييني بها، أما الآن فلا يوجد في المنطقة نفسها سوى أقل من نصف هذا العدد، مطلوب منهم إنجاز كمية العمل نفسها التي كان يُنجزها المئة، إن لم تكن أزيد، لأن عدد المنازل أصبح أزيد كثيرا مما كان وقت استلامي للعمل منذ ما يزيد على ثلاثين عاما".

  

أما عن الوقاية من فيروس كورونا، فيتنهّد، ويحكي لـ "ميدان": "هنهرب من الموت يعني؟ الموت مفيش منه هروب، هنبطل شغل ونجوّع العيال عشان نعيش؟ طب ودي تبقى عيشة؟! وبعدين ده أجل، ومكتوب ميعاده من قبل ما نتولد، وهاخد احتياطاتي أعمل إيه؟ ألبس كمامة قبل ما أغطس في البلاعة مثلا؟! خليها على الله".

  

من جهة أخرى، عشرات المنازل تعتمد على عمل غطاسي الصرف الصحي، لتسيير الصرف عند حدوث الأعطال، وسيتعرضون لأزمة حقيقية إذا توقف هؤلاء العمال عن العمل، لكن الأمر الآن يزداد خطرا، فوفقا لما نشرته إحدى الصحف المصرية فإن باحثين صينيين تمكّنوا من عزل سلالات لفيروس كورونا المُستجد من عينات فضلات مرضى مصابين بالفيروس.(4)

  

العمل ليس ترفا والجلوس في المنزل ليس خيارا

   

في القطار المُميز الذي يمتلئ بالركاب إلى آخره، إلى الحد الذي قد يجعلك لا تجد موطئا لقدمك، والذي يجتذب سكان الوجه البحري والقبلي البسطاء في التنقل لأنه كلفته زهيدة، تفترش هناء. م، (اسم مستعار)، المرأة الستينية أرض القطار وإلى جوارها طبق بلاستيكي كبير ممتلئ بالجبن القريش والسمن الفلاحي والبيض، هذه الرحلة الأسبوعية الثانية لها من قريتها بمدينة قويسنا مُحافظة المنوفية للقاهرة، تتحامل على نفسها لتحمل طبقها الكبير على رأسها، أحيانا تجد مَن يساعدها في الحمل، وأحيانا أخرى لا تجد سوى ذراعها التي أصبحت لا تستطيع الاعتماد عليها بشكل كامل بسبب مرّ السنين عليها.

  

اعتادت هناء أن تستقل القطار الذي لا يتجاوز ثمن تذكرته الجنيهات الأربع أثناء نزولها للقاهرة مرتين أسبوعيا لتبيع ما تحمله للمنازل القاهرية التي تعرفها وتتردد عليها، تُمكّن الرحلتان هناء من الحصول على المال الكافي لها ولأولادها وأحفادها للعيش في قريتهم حتى تحين المرة التالية للذهاب إلى القاهرة.

  

تقول هناء لـ "ميدان": "بيقولوا في مرض، كل الناس بتقول، في القطر والشارع وفي بيوت الناس اللي بنبيع لهم، لكن إحنا ناس على قدّنا وسايبينها على الله، مش هنقدر نقعد في البيت، هنتحوج للناس لو قعدنا، أنا كل خلفتي بنات، وفي منهم المُطلقة والأرملة، والبنات رجعوا في رقبتي زي قبل ما يتجوزوا وزاد عليهم ولادهم ربنا يحفظهم، كل اللي بقدر أعمله إن زي ما بسمع بقول للبنات يخلّوا الولاد يغسلوا أيديهم دايما".

  

عما تغير في قريتها بعد انتشار إجراءات الوقاية، تقول هناء: "لا شيء، لسه اللي عنده فرح بيعمله واللي عنده ميتم بنروح نعزي، ساعات بنقعد بالليل نتسلى ونحكي مع الجيران، إحنا بيوتنا مفتوحة طول الوقت، الناس عندنا برضه بيتكلموا على المرض وبيقولوا ربنا يعديه على خير".

    

ما أبيعه خلال اليوم هو كل دخلي، هو إيجار المسكن وفواتير المرافق وقوت الصغار، ربنا يعلم أننا بالكاد نعيش على الكفاف

رويترز
       

مثل هناء يقف مصطفى.م، (اسم مُستعار)، الرجل الأربعيني، الذي فقد إحدى يديه أثناء عمله في مصنع كان يعمل به على إحدى الآلات الحادة، ذات يوم وجد مصطفى الآلة تلتهم يده أمام عينيه، مصطفى يعول زوجة وثلاثة أولاد، بعد أن استغنى عنه المصنع الذي كان يعمل به، لم يجد أمامه إلا أن يقف بمنضدة صغيرة في الشارع ويبيع عليها بعض الحلوى وألعاب الأطفال.

  

يقول مصطفى لـ "ميدان": "ما أبيعه خلال اليوم هو كل دخلي، هو إيجار المسكن وفواتير المرافق وقوت الصغار، ربنا يعلم أننا بالكاد نعيش على الكفاف، ولو توقفت عن النزول يوما رُبما لا نجد هذا الكفاف". عن الفيروس واحتمالية العدوى يقول مصطفى: "ده أجل.. ومحدش بيمشي من الدنيا من غير ما يكتمل أجله، محدش بيموت ناقص عمر".

  

للمجتمع المصري خصوصية تختلف عن غيره!

تقول سهام علاء، (اسم مُستعار)، باحثة اجتماعية، تعليقا على خصوصية المجتمع المصري في التعامل مع فيروس كورونا المُستجد "كوفيد-19" لـ "ميدان": "لن نتحدث عن الوعي الصحي الذي يصعب خلقه بين يوم وليلة لدى شريحة واسعة من المصريين، فإذا نظرنا إلى الحملات الإعلامية السابقة التي كانت تهدف لخلق وعي مُحدد لدى الشرائح البسيطة تجاه موضوع بعينه فسنجد أنها قد استغرقت سنوات طويلة، يُمكننا سرد الكثير من الأمثلة، مثل حملات تنظيم الأسرة والتعامل مع البلهارسيا، وأن الزوج هو المسؤول عن تحديد نوع الجنين، هذه الحملات، مثلا، ظلت تعمل بشكل مُتواصل لسنوات حتى تزرع فكرتها في أذهان الشرائح البسيطة، وهو ما لا يوجد الوقت الكافي لفعله الآن لخلق الوعي الصحي للتعامل مع الفيروس المُستجد، يحتاج المُجتمع الآن إلى حملات مُكثفة بسيطة اللهجة تشرح له الخطر وتُحدد له كيف يتعامل معه".

   

   

وتضيف قائلة: "يُمكننا تلخيص الوضع في مصر من خلال نقطتين، التعداد السكاني الضخم، وعدم وجود ترف قرار المكوث في المنزل والانقطاع عن النزول لدى ملايين المصريين، فهناك مئات الآلاف ورُبما الملايين ممن يقضون يومهم من أيديهم لأفواههم، أي إن عمل اليوم هو الذي يُحضر لهم قوت اليوم، مثل الأرزقية وعمال التراحيل ومندوبي توصيل الطلبات للمنازل، والذين إذا لم يعملوا فلا قوت مُتوافر ليومهم، هذا يعني بالنسبة للكثيرين العوز والاحتياج عند التوقف عن العمل، وهو الأمر الذي يهرب الجميع من مجرد التفكير به".

  

ووفقا لسهام، يحتاج المصريون أيضا إلى الكثير من التوعية بشأن مفهوم "التوكل" الشرعي، ويحتاجون إلى شرح فقهي وشرعي لتوضيح الفرق بين التوكل والتواكل، وأن إلقاء النفس إلى التهلكة ليس مطلوبا في أي دين، التوكل مطلوب بالطبع لأن الأمر خارج عن يد الجميع على مستوى العالم، لكن هذا لا يعني الإهمال والتهاون، لأن الأمر ليس مُقتصرا على الحفاظ على حياتك فقط، ففعل ما عليك هو طريقك للحفاظ على حياة المُحيطين بك أيضا. وفي ظل كل هذه التعقيدات، وعدم شفافية السلطات المصرية تجاه أعداد المصابين، وتوزيعهم جغرافيا، وتأخرها في احتواء المرض، فقد تُمثِّل الأيام القادمة صدمة حقيقة تجاه ما يختمر في ظل هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وإن كان لنا أن نُشير إلى أمر واحد في نهاية التقرير فهي الجملة التي باتت تملأ مواقع التواصل ومحطات التلفزة: "ابقَ في المنزل".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار