انضم إلينا
اغلاق
القصة غير المروية.. كيف واجه القادة السياسيون الأميركيون الانهيار المالي في عام 2008؟

القصة غير المروية.. كيف واجه القادة السياسيون الأميركيون الانهيار المالي في عام 2008؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

"لقد استجد وضع خطير للغاية!"، هكذا هتف وزير الخزانة[1] الأميركي في توتر واستعجال. في اتصاله حذر هنري بولسون[2] رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي على الهاتف قائلا: "لا شيء يمكننا قوله سيهدّئ الأوضاع ما لم نتوصل لتدبير جذري وحاسم!". لاحقا بعد ظهر ذلك الخميس، تلقّت بيلوسي الرسالة ذاتها عندما هاتفت رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بن برنانكي؛ فقد كانت الأسواق المالية تنكمش والشركات الكبرى في وول ستريت على وشك الانهيار، ووقف اقتصاد البلاد متأرجحا على حافة الهاوية. تتذكّر بيلوسي أنها سألته في ذعر: "إن كانت الأوضاع بهذا السوء، فلماذا لست أنت المتصل"؟

   

طلب كل من بولسون وبرنانكي من بيلوسي أن تعقد اجتماعا للكونغرس بمجلسيه للنظر في استجابة إدارة جورج دبليو بوش المقترحة للأزمة متسارعة التفاقم. وافقت بيلوسي على الدعوة لعقد اجتماع في اليوم التالي، غير أن برنانكي حذرها أنه ربما يكون قد فات الأوان حينها. في الواقع، بدون إجراء سريع، قد لا يكون هناك اقتصاد أميركي بحلول نهاية الأسبوع.

   

في سبتمبر/أيلول قبل عشر سنوات، تخلخلت الأسواق المالية الأميركية مؤذنة بانهيار اقتصاد الولايات المتحدة بأكمله، فبدأ تعاون غير عادي، ومستبعد، بين الكونغرس شديد الانقسام وإدارة بوش. لم تكن هناك آفاق مبشرة بنجاح هذا التعاون؛ فالأجواء شديدة الحزبية، وهناك انقسامات كبيرة داخل كل حزب وشكوك عميقة في مصداقية الإدارة، واستياء من سجل بوش اللامبالي في تنظيم صناعة الخدمات المالية، كما أن الانتخابات الوطنية كانت على بُعد ستة أسابيع فقط. ومع ذلك، تمكّن نظام سياسي طالما أدين بالتفكك من تمرير تشريع باهظ التكلفة ومعقد ومثير للجدل حال دون حدوث كساد كبير[3] ثانٍ.

 نانسي بيلوسي (رويترز)


بصفتي من كبار مساعدي بيلوسي، أُتيحت لي الفرصة لأشهد الأزمة وهي تنشب مخالبها وكذلك المناقشات الخاصة والمفاوضات التي أنقذت الاقتصاد الأميركي من أسوأ انهيار منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وبصفتي مؤرخا، سجلت لحسن الحظ تلك المحادثات الخاصة أثناء حدوثها وكشفها عن الإستراتيجيات والاضطرابات والتفاعلات التي سمحت للخصوم السياسيين والأعداء بتفادي الوقوع في الهاوية. قدمتُ هذه الملاحظات إلى مكتبة الكونغرس الأميركي، وهذه المقالة هي المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن هذه المناقشات.

 

كان التدبير الذي ابتُكر في أسبوعين -بلا مداولات اللجنة الموسعة المعتادة التي كانت ستصاحب مثل هذا التشريع الضخم- هو برنامج إغاثة الأصول المتعثرة [4] الذي يعرف باسم "TRAP"، ولم يكن برنامج "تراب" بأي شكل من الأشكال استجابة مثالية أو شعبية أو حتى وافية للأزمة الاقتصادية العامة. ولا يزال العديد من منتقدي "تراب" يشعرون بالمرارة لغياب محاكمات جنائية لسوء تصرف التنفيذيين في صناعة الأوراق المالية.
    
في الواقع، بالنسبة للأميركيين من أيديولوجيات مختلفة، لم يكن برنامج "تراب" حلا، بل كان دليلا قاطعا أن هناك خطبا ما في السياسة الأميركية. ومع ذلك، وبعد 10 سنوات، لا يزال من المدهش أن نظاما سياسيا منقسما وغير موثوق فيه وفاشلا في الغالب أن يتمكّن من الخروج بمثل هذه الاستجابة المعقدة للأزمة، وإن كانت غير مثالية. ويثير هذا النجاح مسألة كيف يمكن للنظام الأميركي الحالي الذي يعد أكثر انقساما وأكثر إثارة للجدل أن يستجيب حال حدوث أزمة مشابهة في الوقت الحالي.

 


غضت صناعة الخدمات المالية، فضلا عن الأنظمة السياسية والتنظيمية المصممة للإشراف عليها، الطرف عن الخطر المحدق. ففي الثلاثين سنة التي سبقت الأزمة، تراكم حجم ديون القطاع المالي من 3 تريليون دولار إلى أكثر من 36 تريليون دولار، أي "ما ضاعف حصتها من الناتج المحلي الإجمالي"، وفقا للجنة الوطنية المعيّنة للتحقيق في أصول هذا الانهيار. فقد أصبحت الثروة شديدة التركز في الشركات التي نظر إليها باعتبارها "أكبر من أن تفشل" دون أن تأخذ معها الاقتصاد بأكمله. وبحلول عام 2005، وقع 55% من أصول الدولة في يد أكبر 10 بنوك تجارية في البلاد، أي أكثر من ضعف التركز الذي كان قبل عقد ونصف من ذلك التاريخ. وفي عام 2006، مثّلت أرباح شركات القطاع المالي 27% من جميع أرباح الشركات في الولايات المتحدة، أي ما يقرب من ضعف التركز في عام 1980.

 

لكن تحت المظهر الجميل لهذه الأرباح المزدهرة، نما تعفّن خطير. فقد أصبح خمس من أكبر الشركات -بير ستيرنز، وغولدمان ساكس، وليمان براذرز، وميريل لينش، ومورجان ستانلي- مثقلا بأعباء الديون الكبيرة. كان لدى بير ستيرنز رأس مال سهمي بأقل من 12 مليار دولار، وبما يزيد على 380 مليار دولار من الاستحقاقات، مما أدى إلى انهيارها في مارس/آذار 2008. وكان لدى فاني ماي (الرابطة الفدرالية الوطنية للرهن العقاري) وفريدي ماك (مؤسسة رهن المنازل العقارية الفدرالية) نسبة استدانة تراوحت بين 75% و100%. بحلول منتصف سبتمبر/أيلول، بينما وقف كل من ليمان براذرز[5] و شركة التأمين الأميركية العملاقة على شفا الفشل، أضحى العديد من أكبر المراكز المالية في البلاد يرزح تحت ديون بمئات المليارات من الدولارات من الأموال السامة.

 

وخلصت اللجنة التي عيّنها الكونغرس في عام 2009 للتحقيق في أسباب الانهيار إلى أنه "كان نتيجة إقدام العنصر البشري على أفعال وإحجامه عن أفعال أخرى، وليس بسبب الطبيعة الأم أو تعطل النماذج الحاسوبية". إنما هي "مزيج من الاقتراض المفرط، والاستثمارات الخطرة، والافتقار إلى شفافية النظام المالي في وجه الأزمة". والأدهى، حسبما قال المفوضون، أن الأزمة "كانت قابلة للتفادي".

 


وفي الاجتماع القيادي الذي عقدته بيلوسي بعد اتصالاتها الهاتفية مع برنانكي وبولسون، وصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الوضع بأنه "أزمة مالية حادة للغاية، بخسائر تقدر بمئات المليارات". وأُجبرت الإدارة على اللجوء إلى الكونغرس، حسبما أعلن برنانكي، لأن البنك الفيدرالي "لم يعد قادرا على استخدام الأدوات التي لدينا للحفاظ على الاستقرار"، وحذر بأنها "مسألة أيام فقط قبل حدوث انهيار اقتصادي ضخم في الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم". كما قال: "لم أر شيئا كهذا قط! إنه أمر نادر الحدوث".

 

سيتعيّن على الكونغرس السماح لوزارة الخزانة بشراء الأصول السامة[6]. وحذر بولسون قائلا: "ما لم نتعامل مع الأزمة قبل الأسبوع المقبل، فقد تنهار البلاد". وكان البديل -وفقا لبرنانكي- هو "ركود عميق وطويل المدى". ذُهل قادة الكونغرس، الذين اعتبر العديد منهم كلا من بولسون وبرنانكي ساذجين سياسيا ومسؤولين جزئيا عن الكارثة المتكشفة. وسأل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ هاري ريد، كم ستكلف عملية الشراء؟ فأقر بولسون أنها ستكلف "مئات المليارات، وحتى حينها، كان لا مفر من أن حبس الرهن العقاري المتفشي سيكلف الملايين من الأميركيين منازلهم".

 

استغل الزعماء الديمقراطيون على الفور إستراتيجية استخدام أزمة "وول ستريت[7]" لصالح ملايين الأميركيين في "الشارع" الذين تبخرت بيوتهم ومدخراتهم ووظائفهم أمام أنظارهم دون أي استجابة عاجلة مماثلة، وكان الكونغرس قد تفاوض مع بولسون وإدارة بوش على مشروع قانون إنعاش ضئيل بقيمة 168 مليار دولار في فبراير/شباط، لكن القانون لم يكن ذا تأثير كبير على الركود المتفاقم. وأصرت بيلوسي وكذلك السيناتور تشاك شومر نائب ولاية نيويورك على أن اقتراح بولسون وبرنانكي الجريء لا يمكن أن يضمن تصويت الديمقراطيين إلا إذا شمل مليارات الدولارات في الإنفاق المضاد للركود لتعزيز خلق فرص العمل، وزيادة معونات البطالة، وتمويل مبادرات أخرى للحد "من إدراك أن المشروع هو خطة إنقاذ [الشركات]". وطالب بارني فرانك، رئيس لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب، بفرض قيود على حزم التعويضات المالية الباهظة التي تقدمها شركات الخدمات المالية ليساعد في تأمين الأصوات المطلوبة لتمرير القانون.

   

في سبتمبر/أيلول 2008، كان بولسون لا يزال يقول بكل ثقة إن السيطرة على الفوضى في سوق الرهن العقاري الناشئة ممكنة

رويترز
 

رفضت الإدارة والجمهوريون في الكونغرس كذلك محاولات توسيع نطاق التشريع. وقال بولسون: "لن ننجح إذا اتبعتم هذا النهج"، وأيده زعيم الجمهوريين في مجلس النواب، جون بينر، ونصح الديمقراطيين قائلا: "لا تلعبوا لعبة السياسة". كما عبّر جمهوريون آخرون عن مخاوفهم الخاصة؛ فمثلا شكك ديك شيلبي -أحد كبار الجمهوريين في اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ- في عرض الإدارة ووصفه بأنه "شيك على بياض". وأوضح ريد أن الديمقراطيين سيواجهون تحديات في جمع الأصوات دون حوافز. "إنه واقع سياسي"، كانت عبارة ريد دفاعا عن الإنفاق الإضافي. ونصح فرانك أنه بدون التدابير الاحتياطية المضادة للكساد: "لا أستطيع أن أجزم أن مشروع القانون سيمرر". وبعد لحظة عصيبة، رد بولسون بأسى: "فليساعدنا الله".

 

وخلق الموعد النهائي القريب لسن مشروع القانون المزيد من التوترات. وقال ريد: "إذا كنت تحسب أن مجلس الشيوخ الأميركي سيعطيك 500 مليار دولار في الأسبوع المقبل، فهذا لن يحدث!". لقد كان زعيم الأغلبية على علم بأنه سيحتاج إلى أغلبية عظمى مكونة من 60 صوتا من الحزبين لتمرير مثل هذا التشريع وفقا لقواعد مجلس الشيوخ، وهي مهمة عسيرة جاءت قبل أسابيع قليلة من مواجهة ثلث مجلس الشيوخ -إلى جانب مجلس النواب بأكمله- صناديق الاقتراع. "لا يمكننا الاكتفاء بوعدك فقط". نحتاج [إلى إجراء] جلسات استماع. وقال ريد إن الأمر يتطلب أسبوعين "لتمرير مشروع قانون للموافقة على تصريف ماء المرحاض". أجاب بولسون بحزم: "حسنا، إذا لم نفعل ذلك فإننا نصرف مياه المرحاض على الشعب الأميركي".

 

ما زاد التحدي الذي يواجه الكونغرس تعقيدا هو موعد نهائي قريب آخر. ففي الوقت نفسه الذي طُلب من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ تمرير مشروع قانون "تراب" بقيمة 700 مليار دولار، كان عليهم الموافقة على قرار مستمر[8] -وهو ما يكلف مئات المليارات من الدولارات كذلك- للحفاظ على عمل الحكومة بعد بداية العام المالي 2009 في 1 أكتوبر/تشرين الأول. رغم غياب العلاقة بين الأمرين في رأي بولسون، فإن الصلة كانت واضحة بالنسبة لقادة الكونغرس الرئيسيين. فقد حذر ديف أوباي، رئيس مجلس إدارة المخصصات في مجلس النواب، من أن "بولسون بحاجة إلى فهم أنه لا يوجد شيء [في برنامج TARP] بدون اتفاقية بشأن القرار المستمر!".

 


وإذ لم تقنع بيلوسي بالحديث إلى بولسون وحده، فقد اتصلت بالرئيس بوش في اليوم التالي، وهي أول محادثة بينهما منذ شهور، ووضّحت بالتفصيل التدابير الاحتياطية التي كانت في حاجة إليها من أجل "إقناع الشعب الأميركي [بمشروع القانون]"، ناهيك بإقناع أعضاء المجلس. وطالب الليبراليون في مجلس النواب كذلك بالرقابة المستقلة على صناعة الخدمات المالية وتطبيق قواعد أكثر تشددا فيما يتعلق بعمليات الاحتيال. حتى النائبة إلين تاوشير، وهي سمسارة بورصة سابقة، أصرت على إدخال إصلاحات مهمة في حوكمة الشركات. "دعونا ننجز الأمر في أقرب وقت ممكن"، هكذا رد بوش بلا اكتراث مصادقا على منهج "كل بسيط وسهل". لكن بيلوسي رفضت التراجع، وأبلغت الرئيس: "إننا بحاجة إلى الخروج بأكبر فائدة ممكنة".

 

عرفت بيلوسي أنها لا تستطيع أن تفوز بأصوات الليبراليين في الكونغرس إذا نظر لها باعتبارها تذعن لبوش أو للمصالح المالية. في الواقع، كانت رئيسة الكونغرس منزعجة لأنها -مثل بوش- كانت تدان بالترويج لخطة إنقاذ "لأصدقائنا في وول ستريت". وأدانت بشدة مزيج "رأسمالية رعاة البقر" التي انتشرت في الشركات المالية، وكذلك أسلوب "أي شيء مباح" الذي تنتهجه إدارة بوش في التنظيم والذي ألقت باللائمة عليه في توليد الأزمة. وقالت رئيسة المجلس بإصرار: "إننا في هذا المأزق لأنه لم يكن أحد يتابع السوق". في الواقع، أكد العديد من الجمهوريين البارزين (بما في ذلك بولسون والمرشح الرئاسي جون ماكين) على سلامة اقتصاد البلاد، رغم أن الاحتيال المتعلق بالرهن العقاري نما 20 ضعفا في العقد التالي لعام 1996، وتضاعف مرة أخرى من عام 2005 إلى عام 2009. وحتى في سبتمبر/أيلول 2008، كان بولسون لا يزال يقول بكل ثقة إن السيطرة على الفوضى في سوق الرهن العقاري الناشئة ممكنة، وإن السلوك غير المسؤول الذي انتهجه عدد قليل ممن يعملون في وول ستريت "يقلل من مؤسساتنا المالية السليمة".

 

كان من الواضح للجميع أنه لا يمكن لأي مشروع قانون أن يمرر دون موافقة حزبي الكونغرس، وهو أمر شاق في المجلس شديد الاستقطاب. في عشية الانتخابات، لم يكن بوسع أي من الحزبين تحمل المسؤولية الكاملة عما يمكن أن يتضح دون شك أنه تشريع غير مرغوب. وقالت بيلوسي لبينر[9] إنه سيضطر إلى الحصول على 100 صوت من حزبه، وأنها ستقوم بتولي مهمة جمع البقية. لكنّ أعضاء مجلس النواب الجمهوريين كانوا منقسمين بشدة حول الاقتراح المقدم من إدارتهم، ولم يكن بينر واثقا في قدرته على الإيفاء بمطلب بيلوسي؛ وهو شعور عبّر عنه في مناسبات عديدة. وقال لها: "يبحث أعضاء حزبي (أي الجمهوريون)عن سبب لعدم دعم القانون". وقال لها في محادثة أخرى: إذا كان مشروع القانون يتضمن طلبات "الديمقراطيين" المناهضة للركود "سيفر من معي". وقد اشتكى من أنه لم يتلق مساعدة من قادة جمهوريين آخرين في مجلس النواب، وقال لبيلوسي وبولسون إن الرئيس كان "مختبئا". والكثيرون في مؤتمره الحزبي يشكّون في شدة الأزمة، في حين أن آخرين كانوا راضين بترك الشركات المالية بالفشل. ولأنه كان قلقا من قدرته على جمع ما يكفي من الأصوات من أجل خطة الإنقاذ، فقد أخبر بينر بولسون أن "يتمهل". وقالت رئيسة موظفي بينر وكاتمة أسراره بولا نوفاكوسكي في ذلك الوقت إن زعيم الأقلية يفكر في مطالبة بوش "بالبدء على نظافة" وإنشاء لجنة لدراسة الأزمة قبل تمرير التشريع.

 


كما غضب المتفاوضون في الإدارة من عدد كبير من بدائل برنامج تراب التي اقترحها المحافظون، بما في ذلك فكرة نائب رئيس المراقبين الحزبيين إريك كانتور التي كانت ستبدل خطة الإنقاذ بخطة تأمين فيدرالية. رفض بولسون هذه البدائل باعتبارها "سخيفة جدا"، وركّز على صياغة التشريع مع الديمقراطيين. في هذه الأثناء، على جانب مجلس الشيوخ من الكونغرس، كان بولسون "يعد طبخة" مع لجنة المالية في مجلس الشيوخ، كما أسر لي أحد مساعدي بينر. قال رئيس موظفي البيت الأبيض، جوش بولتن، للقادة الديمقراطيين إن نظرائهم الجمهوريين "بغضاء"، بحسب ما قاله ريد، ونقل أوباما عن بوش قوله: "مشكلتي هي جمهوريو مجلس النواب". وفقا لأحد كبار موظفي البيت الأبيض، لم يكن للسناتور شيلبي ولا أكبر الأعضاء سبنسر باخوس نائب ولاية ألاباما دور يذكر. وقال بولسون إن تعنت باخوس كان "مشينا".

 

ذهل ريد لسماع أن حتى ماكين كان يميل ضد مشروع القانون. وقال لبيلوسي: "لا يمكننا تمرير مشروع قانون ما لم يصوت 80% من الجمهوريين لصالحه"، ووصفت بدورها معارضة ماكين بأنها "مثيرة للشفقة". عندما اتصل ماكين بـ "بيلوسي" في 24 سبتمبر/أيلول للشكوى من وتيرة المناقشات، وبّخته بيلوسي بحدة. وقالت: "إننا نحرز تقدما وليس من الدقة قول عكس ذلك". بعد ذلك اقترح ماكين تعليق حملة الانتخابات الرئاسية وعقد قمة بين الحزبين في البيت الأبيض لإبرام اتفاقية تشريعية، وكانت بيلوسي قلقة من أن يتسبب اجتماع البيت الأبيض في التأخير. وعندما اتصل بولتون لدعوتها لحضور الاجتماع، لامته رئيسة الكونغرس لانصياعه "لحيلة ماكين السياسية". ووجهت تعليماتها إلى بولسون قائلة: "أخبر الرئيس أن يتزعم المؤتمر بنفسه! لن أسمح للكونغرس أن يبدو كأنه في حالة من الفوضى!". في وقت لاحق أثناء الاجتماع، ذكّرته: "لم ينصت لنا الرئيس أبدا بشأن العراق… إنه لا يحل أي خلافات". ما لم يتبنَ بوش تصميم "تراب" الذي صنعوه معا -كما أخبرت وزيرة الخزانة- "نكون قد أهدرنا وقتنا، وذلك إهانة لك". بسخرية، قال بولسون: "تخطيت مرحلة الإهانة بكثير".

 

ظن شومر أن اقتراح ماكين كان "غريبا"، خاصة من شخص لم يقدم سوى القليل "باستثناء بيان عرضي غير مفيد". أما المرشح الديمقراطي للرئاسة، باراك أوباما، كان متشككا بالمثل من الاجتماع الذي قد يجبره على تأجيل أول مناظرة له مع ماكين، لكنه كان يقلق أيضا من رفض هذا النوع من الدعوة التي قد يقدمها قريبا للكونغرس باعتباره رئيسا. وقال أوباما: "لقد طوّقناه من كل الجهات... وضعناه في موقف حرج". وقال لريد وبيلوسي: "إذا لم نذهب، فستكون سابقة سيئة". وقرروا بلا حماس المشاركة، كما قرروا أن أوباما سيتزعمهم. ومع ذلك اتفقوا على عدم عقد أي صفقة في الاجتماع، وسيؤكد بيانهم إلى الصحافة أن الجمهوريين هم الذين كانوا بحاجة إلى "ترتيب أوراقهم".

 


"إننا نواجه أزمة اقتصادية حرجة"، هكذا استهل بوش حديثه للمشاركين حول الطاولة البيضاوية الهائلة في غرفة مجلس الوزراء. "يهدف هذا الاجتماع للتوصل إلى اتفاق سريع، ولا أستطيع أن أصف أهمية التصرف". وحذّر من تحميل خطة الإنقاذ بتدبيرات احتياطية مثيرة للجدل يمكن أن تعطل مرورها، لكنه أشار أيضا إلى المرونة، مضيفا أنه في حالة الموافقة لبولسون وبرنانكي، "سنصبح متورطين، ومن المؤكد أنكم لا تريدون أن تكونوا من يرون الوضع يتفجر". وأذكر أنه خص بيلوسي بالذكر لتعاونها مع مسؤولي الإدارة.

 

ركّز بيان أوباما الافتتاحي على الاقتراح قيد التفاوض، في حين عمد بينر وباخوس مرة أخرى إلى طرح سبل بديلة. ونالت أفكارهم، مثل خطة التأمين، رفضا حادا من فرانك وريد، اللذين اتهما الجمهوريين بأن المفاوضين الرئيسيين "يسلكون مسارا ورديا" للدعس على الشوك في اللحظة الأخيرة. مع تطاحن الحزبين، اهتاج بوش بشدة. وقال: "من السهل أن يجلس الرجال الأذكياء ويتكلمون"، لكن "إذا لم تحل أزمة الأموال، فقد يتفاقم الوضع". ورغم أنه من دعا للاجتماع، فإن ماكين ظل صامتا لساعة تقريبا. وقد كشف لي مراسل "سي إن إن" (CNN) سرا في وقت لاحق أن موظفي حملة ماكين كانوا يخشون أن يكون وجوده في الاجتماع "مفجرا سياسيا"، وقد عبّر أحد موظفي بينر بشكل خاص لي عن قلقه العميق من افتقار المرشح إلى الاستعداد، معترفا أنه طلب المساعدة من بينر قبل يوم واحد من الاجتماع.

 

بعد انتهاء كل الزعماء تقريبا من الحديث، تحوّل أوباما إلى منافسه فقال: "نحن بحاجة إلى أن نسمع رأي جون"، فتحولت كل الأنظار إلى السيناتور الصامت. وتعثر ماكين بشكل غريب في بيان غير مترابط، وشكر بوش على عقد الاجتماع وإعلان دعمه لما يقلق الجمهوريين الآخرين، فانتشرت نظرات الاستغراب في أنحاء غرفة مجلس الوزراء.

 


انحنى بوش إلى رئيسة الكونغرس وهمس شيئا في أذنها. ولاحقا في السيارة في طريق العودة لمبنى الكونغرس من الاجتماع، أخبرتني بيلوسي أن بوش قال: "لقد قلت لك إنك ستفتقدينني عندما أترك الرئاسة!"، فأجابته بيلوسي بجفاء: "لا لن أفعل". بعد أن انتهى ماكين مؤكدا: "لا بد من مخاطبة هذه المخاوف"، قال أوباما منفعلا: "هذا ليس جوابا!"، وضغط فرانك قائلا: "لا أعرف ماذا تقترح". حتى بوش رفع يديه في عجب قائلا: "لا أدري ما الجواب بحق الجحيم!".

بعد الاجتماع، تجاوز ماكين أوباما وريد وبيلوسي والموظفين الذين تجمعوا في الممر الضيق المؤدي إلى منطقة الاستقبال في الجناح الغربي. وخوفا من أن تسمع نقاشاتهم، انتقلنا إلى غرفة روزفلت القريبة. بدأ مدير اتصالات أوباما، روبرت غيبس، يرسم ملخصا لتقديمه للصحافة المنتظرة، التي أفادت بسرعة أن الاجتماع كان بلا فائدة. فجأة -حسبما أذكر- فتح الباب، ودخل بولسون في اضطراب إلى الغرفة. وتوجّه بسرعة إلى بيلوسي وركع على ركبة واحدة، وأحنى رأسه كما لو كان أمام زعيم ديني، وتوسل لها ألا "تفسد هذا الأمر". وحيث ذهلها المشهد، حاولت بيلوسي تخفيف الجو مازحة. "حسنا، هانك، لم أكن أعلم أنك متدين هكذا!"، وعلا صوتها بضحكة متوترة.

 

بعد ذلك، أخبرتني نوفاكوفسكي بأن الزعيم الجمهوري لم يكن راضيا عن نتيجة اجتماع البيت الأبيض وغاضبا من بولسون لأنه بدا وكأنه ينحاز إلى جانب الديمقراطيين ضد مقترحات الحزب الجمهوري. ربما تعلمت بيلوسي أنه ينبغي لها "أن تبدأ التفكير" في مشروع قانون يمكن أن يمر بأصوات ديمقراطية فقط. بشكل سري، اعترف أحد كبار مساعدي البيت الأبيض بأن مؤتمر بينر كان مليئا بـ "متصلبي الرأي" وأن الاجتماع كان مريعا، و"فوضى معتادة من عالم ماكين"، مما سمح للآخرين "بالتفوق عليه". أذكر مساعدا جمهوريا يقول لي: "الشخص الوحيد في الغرفة الذي بدا لائقا بالرئاسة هو رجلكم"، قصد أوباما.

 


واصل الديمقراطيون الإصرار على إضافة تدابير احتياطية، مثل تقييد التعويضات التنفيذية، التي عارضها الجمهوريون وبعض قياداتهم في وول ستريت، مثل وزيري الخزانة السابقين روبرت روبن ولاري سامرز. لكن بيلوسي لم تكن راغبة في التنازل عن بند ذي جاذبية حزبية شديدة. "لا أحد يخرج حيا بلا ضمانات"، كما قالت: "إنه الأمر الوحيد الذي يفهمه الشعب الأميركي".

 

وقد علا صوت حذر بين القادة الديمقراطيين حول الإنفاق الإضافي، ولم يكن أوباما مترددا بشأن تضخيم تكلفة مشروع قانون تراب أو تعريض مساره للخطر فحسب، بل كذلك لم يكن يريد تمرير قانون إنعاش اقتصادي كان يأمل أن يكون بمنزلة نجاح مبكر لإدارته المحتملة في عام 2009. من جهتهم كان الديمقراطيون متحدين لا يتزعزعون. يجب أن توافق الشركات التي تحصل على تمويل برنامج تراب على سداد مدفوعات دافعي الضرائب بشكل كامل -مع فائدة-، وهو شرط غاب عن مسودة بولسون الأصلية المكونة من ثلاث صفحات. كان المحافظون الواعون بالعجز في كلا الحزبين متعاطفين مع هدف السداد، لكنهم شككوا في كيفية تغطية أي نقص.

 

أثناء جلسة صياغة في مكتب مراقب الأقلية روي بلانت، أصر عضو مجلس الشيوخ الجمهوري المفاوض، جاد غريغ، أن الأموال التي لا تسددها الشركات تتشكّل بسبب تخفيضات في الإنفاق المحلي، والتي لم تلعب أي دور في خلق الأزمة. ولكوني أحد أعضاء فريق بيلوسي المفوضين بالتفاوض بشأن هذا الجزء من مشروع القانون، فقد رفضت اقتراح غريغ بسرعة باعتباره غير مقبول كليا بالنسبة لرئيسة المجلس، مما أدى إلى حوار ساخن بيننا. رغم أنني لم أستطع تدوين ملاحظاته في هذه اللحظة، فإنني أتذكرها جيدا. صرخ غريغ: "أنت لا تنصت لي!"، بينما اكتفى المشاركون الآخرون بالمشاهدة. فأجبته: "حسنا، أيها السيناتور أنت لا تنصت إليّ كذلك"، مستمتعا للغاية بصراع علني مع عضو مجلس الشيوخ المتشدد. 

"جاد غريغ" (رويترز)


وأخيرا، اقترحت قائلا: "لماذا لا تذهب إلى مكتب رئيسة الكونغرس وترى ما رأيها في فكرتك لتقليص الإنفاق المحلي؟"، مع تمتمة الديمقراطيين، سارع غريغ ليطرح الفكرة على بيلوسي وعاد بعد بضع دقائق، لا بد أنها كانت محادثة قصيرة وغير مرضية للغاية. واعترف قائلا: "حسنا، هذا لن ينجح". وفي نهاية المطاف، شمل مشروع القانون شرطا إنه إذا ظل النقص بعد خمس سنوات، سيتعيّن على الرئيس تقديم خطة إلى الكونغرس لضمان أن البرنامج "لا يضيف إلى العجز أو الدين القومي". (في الواقع، وفقا لمنظمة "ProPublica"، انتهى الأمر بحصول الحكومة على 31 مليار دولار من أرباح استثمارات "تراب").

 

كان بولسون عديم الخبرة في دورات مفاوضات الكونغرس التي تستغرق وقتا طويلا وكان محبطا من وتيرة الاجتماعات. واشتكى قائلا: "الناس يتذمرون فقط... إن الأمر يسير بوتيرة أبطأ مما أريد". "لا أريد أن أكون أندرو ميلون!"، أخبر بيلوسي، مشيرا إلى وزير الخزانة المكروه لهيربرت هوفر، الذي ترأس انهيار سوق الأسهم الذي سبق الكساد الكبير. في هذه الأثناء، كان بينر يصارع لإقناع الجمهوريين بالموافقة على القانون، رغم إضافة ما وصفه باخوس بأنه "زخارف" للتلطيف، اعترف بينر لبيلوسي وبولسون أنه قد يكون هناك أقل من 30 صوتا جمهوريا، أي أقل من ثلث حصته المخصصة، وقال: "لا يمكنني تجميله بالقدر الكافي لإقناعهم به". وقام بجهد أخير في النُهُج البديلة، بما في ذلك التخفيضات الضريبية على الشركات، لكن بولسون وبيلوسي ردّا بالرفض. وقد قلقت بيلوسي من أن تقارير الاجتماع غير الحاسم في البيت الأبيض قد أضعفت عدد أصوات أفراد حزبها، والتي تعتقد أنها عالقة تحت 110. كما ظل رد الفعل الشعبي سلبيا بشكل سيئ. فقد أفاد ريد بأن مكتبه تلقى 5 آلاف مكالمة معارضة لخطة تراب، و 20 صوتا داعما فقط.

 

تدخّل البراغماتيون في البيت الأبيض لتكون لهم اليد العليا في المفاوضات. في 27 سبتمبر/أيلول، قال النائب رام إيمانويل، وهو أحد كبار مساعدي بيلوسي وأوباما، لجوش بولتن: "لقد حان الوقت للمسرحية السياسية". فأجاب بولتن: "بصفتي مؤيدا للسياسة، أقول: "حمدا لله!". لكن وضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل مشروع القانون لم يكن سوى أحد التحديات التي تواجه القادة في كلا المجلسين. وعندما اجتمع كل من ريد وبيلوسي لمناقشة المناورة البرلمانية التي ستكون مطلوبة لتمرير مشروع القانون، اشتكى ريد بشدة (كما اعتاد) بشأن الطريق المتعرج الذي تتطلبه قواعد مجلس الشيوخ لضمان تمرير القانون (ما يصل إلى موافقة تسعة أصوات تستغرق وقتا طويلا). وعلى النقيض، قدّر أن بيلوسي قد تضمن ما يصل إلى 300 صوت لصالح مشروع القانون في مجلس النواب.

 

انتقدت بيولسي بوش لتبديد الفائض الذي خلفه الرئيس بيل كلينتون، والذي تبلغ قيمته 5.6 تريليون دولار في حروب غير مدفوعة، وتخفيضات ضريبية، وتوسعة الرعاية الطبية

رويترز
 

أدركت بيلوسي الحانقة أنها تفتقر إلى ما يقرب من هذا الرقم، واحتجّت على أن قواعد المماطلة السياسية التي أكّدها ريد تركتها "غاضبة من مجلس الشيوخ". ولكي لا تتفوق عليه قال ريد: "أنا غاضب من مجلس الشيوخ". وأخبرها أنه قد يضطر إلى إبرام بعض الصفقات التي قد تجدها مسيئة لتأمين الأصوات الـ60 التي سيحتاج إليها. و"لا يمكنك الحفاظ على براءتك إذا.."، لكن بيلوسي أسكتته قائلة: "لست بحاجة إلى إكمال كلامك".

 

تصدر عدم الارتياح المشهد في غرفة مجلس النواب عندما بدأ النقاش في 29 سبتمبر/أيلول. نصح بلانت بيلوسي بعدم الاتكال على الجمهوريين، بينما نصحت نوفاكوفسكي أن بعض الجمهوريين "بلا شك "سيضربون صدورهم" اعتراضا. وواصل كل من بوش ونائبه ديك تشيني وبولسون وبرنانكي الاتصال بأعضاء مجلس النواب حسبما ذكر دان ماير، منسق البيت الأبيض، ولكن قد لا يكون هناك سوى 75 صوتا جمهوريا لصالح مشروع القانون. لقد طلب المزيد من الوقت لإقناع الجمهوريين المتعنتين، لكن بيلوسي، التي تخشى أن يبدأ أعضاء حزبها بالميل للرفض، أصرت على أن يتم التصويت.

 

في اجتماع قيادي، تنبأ جيم كولومبورن المراقب الحزبي للديمقراطيين بسرية بأن نصف أعضاء الحزب الديمقراطي البالغ عددهم 235 سيدعمون مشروع القانون، وأقل بكثير إذا لم يخرج الجمهوريون سوى بـ75 صوتا من أعضاء حزبهم. وأرسلت بيلوسي النائب بارني فرانك للقاء فصائل الديمقراطيين المتشككة، بما في ذلك تكتلات اللاتينيين والسود، وائتلاف الكلاب الزرقاء المحافظ. ومتأهّبا لهجمة الشكاوى، سأل فرانك: "متى يأتي دور تكتل الأنذال، وهل يجب عليّ مخاطبتهم؟".

 

بعد وقت قصير من افتتاح سوق الأسهم في نيويورك ذلك الصباح أعلنت سيتي جروب أنها تتولى إدارة بنك واكوفيا، وأعلنت عدة بنوك مركزية عن خطط لدعم أسواق الائتمان. ولم يمنع ذلك من انخفاض حاد لمؤشر داو جونز، وهو ما يمثل خلفية مقلقة للنقاش. في بيانها المؤيد لمشروع القانون في قاعة مجلس النواب، أقرت بيلوسي قائلة: "لدينا مشكلة في وول ستريت، إنهم يحلقون في الأعالي، إنهم يكسبون الكثير من المال. ويخصصون الربح. وفي اللحظة التي تتعقد فيها الأمور، يصبح الخطر على الأمة بأكملها... يدفعون شركاتهم للانهيار، ويتعيّن على الشعب الأميركي أن يعينها على النهوض. هناك خطأ كبير في هذه الصورة".

وانتقدت بوش لتبديد الفائض الذي خلفه الرئيس بيل كلينتون، والذي تبلغ قيمته 5.6 تريليون دولار في حروب غير مدفوعة، وتخفيضات ضريبية، وتوسعة الرعاية الطبية. وأكدت قائلة: "غياب لوائح تنظيمية" مع "عدم مسؤولية مالية" مقترنة بسياسة "كل شيء مباح" الاقتصادية، كل ذلك قد "أوصلنا حيث نحن اليوم". أكّدت للمتشكّكين في تجمعها، الآن "انتهى الحفل". ووعدت "أنه بعد فترة قصيرة، سيكون لدينا كونغرس جديد، ورئيس جديد للولايات المتحدة، وسنكون قادرين على أخذ بلدنا في اتجاه جديد".

في الكلمة التي ألقاها جيري لويس، وهو جمهوري من جنوب كاليفورنيا يحظى باحترام كبير، عرض سندا منطقيا لزملائه المحافظين المتعنتين لدعم مشروع القانون. وقال: "بصراحة، أنا غاضب؛ ففكرة إنفاق أموال دافعي الضرائب لدعم استثمارات محفوفة بالمخاطر تبقيني مستيقظا في الليل. إنه فعل يتعارض مع جميع المبادئ التي عشت من أجلها". ولكن ليس ثمة خيار؛ "والوقوف دون فعل شيء سيسبب كارثة محتملة".

"جون بينر" (رويترز)


وكانت أصعب عملية إقناع من نصيب بينر الذي وصف مشروع القانون بشكل خاص للجمهوريين بأنه "شطيرة قاذورات، لكنني سآكلها على أي حال". اهتز صوته بينما كان يتحدث في قاعة المجلس، وتساقطت من عينه الدموع وقال: "لا أحد يريد التصويت لهذا القانون، لا أحد يريد أن يكون له صله بشيء مماثل... لم أحضر إلى هنا لأصوّت لقوانين كهذه. لكن دعوني أخبركم، أنا أؤمن أن على الكونغرس أن يتصرف". وتوسل للأعضاء على جانبي المجلس: "ما الذي في مصلحة بلادنا؟ ليس مصلحة حزبنا [أو] إعادة انتخابنا". قوبل نداؤه القوي بتصفيق فاتر، ثم جاء الوقت للتصويت.

ومع مرور الثواني في القاعة، أصبح من الواضح أن توسلات الحزبين وضغط البيت الأبيض قد فشل. خسر مشروع القانون بتصويت 205-228، وهي خسارة نادرة على الأرض لبيلوسي. صوّت ما يقرب من 60% من الديمقراطيين (140 من أصل 235) "نعم"، مقارنة مع 33% فقط من الجمهوريين (65 من 198). وتمكّن بوش الذي كان قد دعا جميع الأعضاء الجمهوريين البالغ عددهم 19 عضوا في وفده في تكساس من إقناع أربعة فقط لدعم مشروع القانون. وقد ندد أحد المنشقين في تكساس، وهو جيب هينارلينغ، بأن مشروع "تراب" خطوة أولى "على منحدر زلق نحو الاشتراكية".


لعب القلق من الانتخابات القريبة دورا مهما في الهزيمة. ومن بين 18 عضوا، صوّت 15 ضد مشروع القانون، بما في ذلك جميع الديمقراطيين الجدد الذين يواجهون حملات شديدة. وعبّر البعض عن شكوكهم بشأن دقة وصف الإدارة للأزمة، مشيرين إلى المعلومات المضللة التي قُدّمت للكونغرس بشأن أسلحة الدمار الشامل والتي استُخدمت لتبرير حرب العراق. أوضح الكثيرون في التكتلات اللاتينية والسوداء أنهم غير راغبين في أن يشرحوا لناخبيهم الذين يعانون اقتصاديا حجم الإنفاق الهائل على وول ستريت، خاصة وأن مشروع القانون لم يتضمن سوى القليل مما سعى إليه الديمقراطيون من أجل مصلحة العاطلين عن العمل والذين يواجهون خطر فقدان منازلهم.

ألقى نائب رئيس المراقبين الحزبيين إريك كانتور بذنب تحويل الجمهوريين ضد التشريع على فشل بيلوسي في "الإنصات وفشلها في القيادة"

رويترز


في حجرة الاستراحة، شاهد الأعضاء المذهولون انخفاض مؤشر داو جونز بحدة. عندما تم الإعلان عن التصويت النهائي، أصبح المؤشر في الحضيض. وخلال دقائق، فقد السوق ما يقرب من 700 نقطة من افتتاحه، منهيا بذلك 778 نقطة أقل لليوم، وهو رقم قياسي لخسارة في يوم واحد. وبحلول نهاية اليوم، ذهب مبلغ 1.2 تريليون دولار من الهيئات المستقلة المنظمة وصناديق التقاعد والمدخرات أدراج الرياح أي ما يقرب من ضعف حجم خطة الإنقاذ نفسها. ومؤشر "VIX" الذي سجل عدم استقرار السوق -وهو ما يسمى مؤشر الخوف- أغلق على أعلى مستوى في تاريخه البالغ 28 عاما.

لتبرير أصواتهم الرافضة، أشار بعض الجمهوريين إلى الطبيعة الحزبية لخطاب بيلوسي. ألقى كانتور بذنب تحويل الجمهوريين ضد التشريع على فشل بيلوسي في "الإنصات وفشلها في القيادة". فقام زعيم الأغلبية الذي كان الأكثر هدوءا في مجلس النواب، ستيني هوير، والذي غالبا ما وصف قدرته على العمل مع الحزبين بجانب كانتور، بالانفجار بشكل غير معهود، "لا أستطيع أن أصدق وقاحة ابن العاهرة ذلك!".

ورفض جمهوريون آخرون المزاعم بأن تصريحات بيلوسي كانت غير مسؤولة. حيث قال بلانت لهويير إن خطاب بيلوسي لا ينبغي أن يكون "مشكلة كبيرة". وأذكر أن ماري بونو نائبة كاليفورنيا قلّلت من تأثير تصريحات رئيسة المجلس، قائلة إنها مشمئزة من الزملاء الذين كانوا وضعوا حزبهم فوق البلاد. واستنكر فرانك "مستوى تفاهة" الجمهوريين، حين قالوا: "رئيسة المجلس بيلوسي تحدثت بشكل سيئ، لذلك تبا للدولة بأكملها". لكنّ الجمهوريين وجّهوا أصابع الاتهام أيضا تجاه المعارضين الليبراليين، مثل البعض في التجمع الأسود الذي أدلى بأصوات ضد مشروع قانون. كانت بيلوسي غاضبة من وضع الأعضاء السود باعتبارهم كبش الفداء. وقالت: "إن قال أحدهم ذلك سألكمه في وجهه". وعرض إمانويل، الذي يعمل كحلقة وصل لأوباما في مجلس النواب، أن يدعو المرشح أعضاء الأقلية الساخطين إلى تغيير أصواتهم في المحاولة التالية.



من جانبها، وجهت بيلوسي أصابع الاتهام إلى بوش والجمهوريين، الذين وصفتهم "بالتفكك". وقالت: "لم يحترم الجمهوريون التزامهم، وجميعنا في موقف لا نحسد عليه" أكدت. وشكت لبولسون: "لم يكن لدى الرئيس أي تأثير يذكر". "ما خطب التجمع الجمهوري الذي ترك الولايات المتحدة تعاني هذه الضربة؟"، هكذا قالت بيلوسي لدان ماير، وأضافت: "ليس هناك تصويت آخر [لمشروع القانون] في حزبنا" إلا إذا أضيف إنعاش اقتصادي بقيمة 65 مليار دولار، لكن ماير تنبأ بأن مثل هذه الإضافات لن تؤدي إلا إلى تقليص دعم الجمهوريين. فاحتجت قائلة: "أنت لست على يقين من ذلك!"، لكنها وافقت في هذه اللحظة على التراجع عن جهودها الرامية إلى إثقال القانون، ورفضت كذلك اقتراحات من صديق مؤثر، وهو الممول جورج سوروس. وقالت: "كل شخص لديه خطة!"، وقد اعترف بولتن قائلا: "لقد أفسد الجمهوريون الأمر". لكن بيلوسي لم ترضخ وقالت له: "إذا لم نحصل على المزيد من الأصوات في صفك، فيجب أن نخوض محادثة مختلفة".


وجعل رد الفعل السلبي السريع بعض الأعضاء يشككون في تصويتهم؛ حيث رأى 90% من الأميركيين في استطلاع واحد أن إحباط القانون سيلحق الضرر بالاقتصاد. وذكر هوير أن بولتون وجد "ندما عظيما" بين الجمهوريين، وأفاد أحد زعماء بلو دوج أن العديد من أفراد مجموعة أعماله الودية "ارتعدت فرائصهم" من ردود الفعل في مناطقهم.

عرف مجلس الشيوخ الآن أنه سيكون هناك ضغط هائل على مجلس النواب لتمرير أي شيء يوافق عليه مجلس الشيوخ لمنع عملية "الشد والجذب" التي تستغرق وقتا طويلا والتي ترسل التشريع ذهابا وإيابا بين جانبي الكونغرس. استغل ريد بسرعة فشل مجلس النواب في تمرير برنامج "تراب" وأضاف عشرات المليارات من الدولارات بنفقات غير ذات صلة كان مجلس النواب قد رفض الموافقة عليها سابقا. وأخبر ريد بيلوسي سرا أن نسخته من مشروع القانون ستمد سلسلة من اعتمادات ضرائب الطاقة المثيرة للجدل، والتي كان من شأنها أن تثير استياء العديد من أعضاء حزبها. وقال لها: "هذه المحادثة لم تجر قط". وتوقع بينر أن الإضافات ستؤثر على "العشرات" من الجمهوريين لتحويل أصواتهم لدعم مشروع القانون لكن بيلوسي نددت بهذه الإضافات التي لا صلة لها والتي رأت أنها "محسوبية واسترضاء لأعضاء مجلس الشيوخ".

وقد أخبرت كريستوفر دود. رئيس مجلس إدارة البنك في مجلس الشيوخ: "إنك تهدر الأشياء الجيدة هناك"، مشيرة إلى برنامج تطوير الفهم إلى سوائل "المشين" الذي يفضله أوباما. "يمكننا القيام بذلك أيضا، إذا ما تنازلنا عن ​​عشرات الملايين من الدولارات!". لم ينكر دود هذا الاتهام. واعترف قائلا: "كان ريد مهتما بالإضافات أكثر من خطة الإنقاذ". تسببت معرفة مناورة مجلس الشيوخ في اضطرابات أعضاء مجلس النواب. وقال أحد زعماء الكونغرس: "خدعنا ريد، ودمّر نفوذنا"، واشتكى هوير: "يقال لنا طريقتنا أو لا شيء"، معلنا أنه "غير راض" عن الطريقة التي "يورطنا بها مجلس الشيوخ".

بقدر انزعاج بيولسي من مجلس الشيوخ لاستغلال مشروع قانون "تراب" العاجل، ألقت بيلوسي أيضا باللوم على المعارضين داخل الكونغرس

رويترز
 

وقرب منتصف الليل في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وافق مجلس الشيوخ على مشروع قانون "تراب"، بما في ذلك حزمة الإضافات الضريبية التي تبلغ 150.5 مليار دولار، بفارق بين الحزبين 74 إلى 25. وفي صباح اليوم التالي، أخبرت بيلوسي بينر أن الأصوات انهمرت عليها، في حين أخبرها بينه أن وضعه "أفضل حالا"، رغم أنه لم يتمكن بعد من تأكيد أنه سيصل إلى ما وعد به من 100 صوت. قالت له: "لا سبب لعرض القانون إذا لم نستطع أن نمرره، اتصل بي عندما يكون لديك الأصوات".

بقدر انزعاجها من مجلس الشيوخ لاستغلال مشروع قانون "تراب" العاجل، ألقت بيلوسي أيضا باللوم على المعارضين داخل الكونغرس. وقالت بيلوسي لصحيفة "هويير": "إن ما أضافه مجلس الشيوخ أمر فظيع، لكننا مكّناه من ذلك". وقالت لبولتن: "الأمر أشبه برفع سندان حتى نتمكن من التصويت لصالح تخفيضات ضريبية غير مدفوعة".

بدلا من إضافة مليارات الدولارات لخلق فرص عمل أو منع الرهن العقاري، كما كانت تتمنى، سيوفر مشروع قانون تراب -بناء على إصرار مجلس الشيوخ- عشرات المليارات من الدولارات، ليس فقط لصناعة منتجي الطاقة ولكن أيضا للمصالح الخاصة، بما في ذلك مرافق مضامير السباق ومصنعو الصوف ومنتجو الشراب. ومع ذلك طرحت بيلوسي، التي تواجه مصيرا محتوما، مشروع قانون مجلس الشيوخ في 3 أكتوبر/تشرين الأول، وتم تمريره بنسبة 263-171. ارتفعت الأصوات الديمقراطية قليلا، حيث بلغت 73% من أعضاء الحزب، لكنّ الجمهوريين ساهموا فقط بـ 91 صوتا، أي أقل مما وعد بينر. قالت بيلوسي اتضح أن العمل مع الجمهوريين "أكبر مضيعة للوقت". "وكان يجب أن نكتب مشروع القانون الذي أردناه منذ الليلة الأولى. فما زلنا لم نحصل على 100 صوت جمهوري!".


وقعت المعركة الملحمية لتمرير تشريع "تراب" في ظل أسوأ الظروف. كان الاقتصاد في أكثر حالاته خطرا منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وهي ظروف ألقى العديد من الديمقراطيين باللائمة فيها على إدارة بوش بما في ذلك كبير مفاوضي برنامج تراب، هنري بولسون، على قيامه بتدليل "وول ستريت" لمدة سبع سنوات. احتقر الجمهور جوهر التشريع؛ حيث تؤول مئات المليارات من الدولارات من أموال دافعي الضرائب للشركات التي تسبب سلوكها المتهور في زعزعة استقرار الاقتصاد وتكبد الملايين من الأميركيين منازلهم ووظائفهم. علاوة على ذلك، حدثت عملية الإنقاذ التي لم يسبق لها مثيل قبل أسابيع قليلة من إجراء انتخابات حاسمة، مما ترك المرشحين أمام خيارين أحلاهما مر: إما معارضة "تراب" والمخاطرة بالمساهمة في كارثة اقتصادية، وإما إنفاق مئات المليارات من الدولارات لإنقاذ عمالقة الشركات أنفسهم الذين أشعل جشعهم فتيل الأزمة.


ومع ذلك، فإن الكونغرس الذي يقوده الحزب الديمقراطي كان يعمل بسرعة وعلى أسس ثنائية الحزب، رغم كون البيت الأبيض تحت سيطرة الجمهوريين. في غضون أسبوعين، تمكن القادة العدائيون أصحاب وجهات نظر وأيديولوجيات ومصالح مؤسسية وأهداف انتخابية مختلفة، من إيجاد أرضية مشتركة لتفادي كارثة وطنية. قد يرى المؤرخون المستقبليون تمرير "تراب" -في ظل الظروف العصيبة هذه- باعتباره واحدا من أفضل أوقات الكونغرس. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل عن إمكانية نجاح الكونغرس والبيت الأبيض المعاصرين في مواجهة أزمة مماثلة.


هناك العديد من التفسيرات الرئيسية لماذا نجحت خطة إنقاذ "تراب"، وكلها لا تتناسب مع الجمود الحالي في السياسة الأميركية. حيث أبرز "تراب" قيمة القادة من ذوي الخبرة. وكان على "الأربعة الكبار" -بيلوسي وريد وبينر والزعيم الجمهوري في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل- التغلب على الانشقاقات الخطيرة داخل أحزابهم وفي الوقت نفسه الدفاع عن أدوارهم السياسية والمؤسسية الخاصة.

كما أظهر مرور مشروع قانون تراب الأهمية الحاسمة للتواصل الصريح بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وحتى داخل الحزب الواحد نفسه، كما يتبيّن من حوارات بيلوسي وريد، كان هناك توتر وشكوك حول دوافع وأهداف الطرف الآخر. ومع ذلك، وكما تكشف المحادثات في هذه المقالة، فإن الحزبية العميقة والتنافس المؤسسي أسفر عن تعاون واقعي. ووُجدت اتصالات صريحة بين الموظفين الرئيسيين الذين سهلت علاقاتهم الطويلة الأمد الشراكة حتى عندما بدا أن رؤساءهم على خلاف. فمثلا يعود التعاون الوثيق مع نوفاكوفسكي، من مكتب بينر، لسبع سنوات في الخدمة كمساعدين موظفين للأغلبية والأقلية في لجنة التعليم والقوى العاملة.

ربما لم يؤثر أي عامل في النتيجة الناجحة أكثر من ضخامة وإلحاح الأزمة نفسها، وهي سمة مشتركة لفترات إنجاز الكونغرس. إن الاقتصاد المتدهور بشدة، وارتفاع معدلات البطالة، وخسارة الملايين من المنازل منذ خطة التحفيز في فبراير/شباط، كلها لم تحدث استجابة من الحزبين الجمهوريين، وظل الجمهوريون يقاومون إضافة مبادرات مناهضة للركود إلى برنامج تراب. لكن الانهيار الوشيك للشركات المصرفية والاستثمارية وشركات التأمين الرئيسية أجبر على اتخاذ إجراء مشترك، لأن البديل كان ببساطة مجرد التفكير فيه صعب للغاية. وكما أعلن ميتش ماكونيل في اجتماع قادة الحزبين في 18 سبتمبر/أيلول: "إذا كان ذلك يعني إنقاذ النظام المالي للبلاد، فيمكننا القيام بذلك".

وافق الكونغرس على قانون دود فرانك لإصلاح وول ستريت وقانون حماية المستهلك بعد أقل من عامين لإنشاء ضمانات ضد تكرار السلوك الذي أدى إلى الانهيار

رويترز
 

غير أن آخرين يعتبرون خطة الإنقاذ بمنزلة مثال مخجل على الكيفية التي تصرف بها الكونغرس فقط بسبب الخطر الملح الذي يهدد مصالح الشركات حسنة العلاقات. والواقع أن الوعود التي قطعت أثناء المفاوضات -لمعالجة الأسباب الأساسية للأزمة وضحاياها- أثبتت أنها أقل نجاحا. وتعهّد بوش بإجراء تحقيقات للجنة الأوراق المالية والبورصات، وبرنامج "الأمل الآن" لإبقاء الناس في منازلهم، لكن لم يكن هناك وقت أو طاقة متبقية في إدارته لأي من الأمرين. ورغم أن أوباما والكونغرس الديمقراطي قد دفعا بمشروع قانون الإنعاش الاقتصادي أكثر حتى من قانون "تراب" في فبراير/شباط 2009، أعرب الكثيرون في حزبه عن خيبة أملهم إزاء تحرك الإدارة البطيء في بدء تخفيف الرهن العقاري وخلق الوظائف. وافق الكونغرس على قانون دود فرانك لإصلاح وول ستريت وقانون حماية المستهلك بعد أقل من عامين لإنشاء ضمانات ضد تكرار السلوك الذي أدى إلى الانهيار، لكن العديد من المنتقدين اشتكوا من التنازلات الضرورية اللازمة للفوز بالمرور الذي ترك وول ستريت دون عقاب كافٍ أو تنظيم. وبحلول ذلك الوقت، تلاشت أجواء الأزمة التي سهلت قانون "تراب" منذ وقت طويل، وصوّت ثلاثة فقط من الجمهوريين لصالح تقرير مؤتمر دود فرانك في مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

بالنسبة للنقاد، لا يعد برنامج تراب مثالا على موظفي الخدمة العامة الدؤوبين الذين يتغلبون على المصالح الحزبية والمؤسسية، ولكنه يظل الدليل الذي لا يقبل الجدل أن هناك خطبا ما في السياسة الأميركية. فبعد عامين ونصف من الأزمة، فقدت 4 ملايين أسرة منازلها، وغرقت 4.5 مليون أسرة إضافية في إجراءات الرهن العقاري. كما أصبح صافي قيمة أصول الأسر المعيشية الأميركية النموذجية أقل بنحو 20% مما كانت عليه قبل الأزمة، وتبخر ما يقرب من 11 تريليون دولار من ثروة الأسر. استغرق الأمر ما يقرب من عقد لتسجل معدلات ملكية المنازل زيادة، وظلت الملكية السوداء، التي وصلت إلى أعلى مستوى تاريخي في عام 2004، عند أدنى مستوى لها منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. ومع ذلك، يشير مؤيدو برنامج "تراب" إلى أن الأمة تفادت الوقوع في الهاوية التي كانت ستجعل كل واحدة من تلك التدابير أسوأ بشكل كارثي.

أشعل برنامج "تراب" -أكثر من أي عامل آخر- مستوى جديدا من الحزبية والانقسام الذي أضعف المؤسسات السياسية الأميركية في السنوات التي تلت ذلك. وأثار القانون شعورا بالخيانة: فالنخبة السياسية تتسارع لمساعدة النخبة المالية مع أموال الضرائب المكتسبة بشق الأنفس للطبقات العاملة والمتوسطة التي تم تجاهلها بقدر كبير. وبالفعل، فإن ما انبعث من رماد انهيار سبتمبر/أيلول 2008 لم يكن مجرد تنشيط وول ستريت مع رواتب عالية ومكافآت هائلة، ولكن أيضا حركة حزب الشاي الغاضبة في عام 2009.

التذكير القاسي بمدى اقتراب اقتصاد الولايات المتحدة والعالم من الانهيار في عام 2008 يجب أن يكون سببا أكثر من كاف لاعتماد التعاون والبراغماتية في السياسة

رويترز
 

مع احتفال الدولة بالذكرى السنوية العاشرة للمكالمات الهاتفية لبولسون وبرنانكي وبيلوسي في 18 سبتمبر/أيلول 2008، تُبذل جهود لسحب العديد من القواعد المصممة في أعقاب الأزمة. ففي مايو/أيار 2018 أعلن رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في إدارة ترمب، جيروم باول، عن إضعاف لما يسمى قاعدة فولكر، التي تقيد الإجراءات المصرفية التي تعرض المستثمرين للخطر، مستشهدا "بالمتطلبات المعقدة للغاية وغير الفعالة". وقد أعفى الكونغرس، بدعم من الحزبين، العديد من البنوك الصغيرة من تدابير دود فرانك. وخلص تقرير حديث إلى أن تأثير هذه التراجعات من المرجح أن "يعزز أرباح بعض أكبر اللاعبين في هذه الصناعة".

من المستحيل التنبؤ بما إذا كان هذا الخروج عن اللوائح قد يسمح بتكرار ما وضع الأمة الأميركية على حافة الهاوية قبل عقد واحد فقط. غير أن ما يبدو مؤكدا هو أن غياب المجاملة بين البيت الأبيض والكونغرس، والمستويات المعمقة من انعدام الثقة داخل مجلس النواب ومجلس الشيوخ، من شأنه أن يجعل الأمر أكثر صعوبة اليوم لتكرار ما حدث عام 2008 حال تكرار أزمة شبيهة. إن التذكير القاسي بمدى اقتراب اقتصاد الولايات المتحدة والعالم من الانهيار في عام 2008 يجب أن يكون سببا أكثر من كاف لاعتماد التعاون والبراغماتية في السياسة بدلا من دوام الجمود السخيف الذي يسود حاليا واشنطن.

----------------------------------------------------------------------

هوامش:

[1] وزير الخزانة الأميركي هو رئيس وزارة الخزانة، المعنية بالأمور النقدية والتمويل، وكذلك بعض قضايا الدفاع والأمن القومي. هذا المنصب في الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة 2003 يشابه منصب وزير المالية في الدول الأخرى.

[2] هو مصرفي من الولايات المتحدة الأميركية تولى منصب وزير الخزانة الأميركي.

[3] الكساد الكبير أو الانهيار الكبير: أزمة اقتصادية حدثت في عام 1929، وتعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، وقد بدأت الأزمة بأميركا ويقول المؤرخون إنها بدأت مع انهيار سوق الأسهم الأميركية في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1929 والمسمى بالثلاثاء الأسود.

[4] برنامج أقرته الحكومة الأميركية عام ٢٠٠٨ لمعالجة أزمة الرهن العقاري اقتضى بشراء أصول متعثرة بقيمة ٧٠٠ مليار دولار من القطاع المالي بغية توفير سيولة كافية في أسواق المال.

[5] بنك أميركي.

[6] الأصول منخفضة القيمة والتي ليس لها سوق للتداول سواء بالبيع أو الشراء.

[7]وول ستريت أو شارع المال: الواجهة الرئيسية للسوق الأميركية حيث توجد فيه بورصة نيويورك والكثير من الشركات المالية الأميركية الضخمة.

[8] هو نوع من التشريعات المتعلقة بالاعتمادات يخصص المال إلى إدارات ووكالات وبرامج حكومية اتحادية محددة.

[9] جون بينر: زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب.

-----------------------------------------------------------------------

ترجمة (سارة المصري)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

آخر الأخبار