انضم إلينا
اغلاق
هل يستطيع البنك الدولي تخفيض النزاعات في العالم؟

هل يستطيع البنك الدولي تخفيض النزاعات في العالم؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

لقد أثارت استقالة جيم يونغ كيم المفاجئة من رئاسة البنك الدوليّ في مطلع فبراير/شباط 2019، قبل أكثر من ثلاثة أعوام على نهاية مدّة رئاسته موجاتٍ من القلق في الأوساط الإنمائية العالمية، ومع تعرّض نظام الإدارة الدولية لهجمات متواصلة، فإنّ آخر ما يحتاجه البنك الدولي هو انعدام الاستقرار على مستوى القيادات العليا.

 

في 6 فبراير/شباط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية ديفيد مالباس، هو مرشحه لرئاسة البنك الدولي خلفاً لكيم. لا يزال أمام الدول الأخرى فرصة حتى منتصف مارس/آذار لتسمية مرشّحيها، لكن الولايات المتّحدة تسيطر على 16% من نسبة الأصوات في المجلس التنفيذيّ؛ ما يفتح الباب على مصراعيه أمام مالباس لينضمّ إلى قائمة طويلة من الأميركيين الذين ترأسوا البنك.

 

سيجد الرئيس الجديد نفسه أمام مهمة شاقة تتبناها المؤسسة، تتمثل في القضاء على الفقر المدقِع وتعزيز برامج التنمية المستدامة. إلّا أن جغرافيا الفقر تتغيّر، بحيث يتركّز أكثر فأكثر ضمن مناطق النزاعات. وقد أدرك كيم أنّ تحقيق مهمّة البنك تفرض عليه معالجة آثار الحروب والتهجير القسري. لذا فمن الضروريّ أن يواصِل خَلفُه المضي قُدمًا في هذا المسار.

  

جيم يونغ كيم  رئيس البنك الدوليّ السابق (الفرنسية)

 

حركةٌ دائبة ونسيان

ثمة رابط وثيق بين الفقر المدقِع والنزاعات. فبحلول عام 2030 سيعيش نحو 85 % من الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقع، أي مَن يعيشون على أقلّ من دولارين في اليوم، في بيئات هشّة تمزقها الحروب وغيرها من المآسي. كما أن عدد الصراعات المُسلّحة حول العالَم اليوم زاد بنسبة 65 % عما كان عليه الحال قبل عِقدٍ من الزمن. وبما أن الكثير من هذه الصراعات هي حروب أهليّة، فإنها عادةً ما تستمر مدّةً أطول من الحروب التي تخوضها الدول، وهي معرضة دائماً للاندلاع من جديد، حتى بعد التوصّل إلى اتفاقيّات سلام.

 

ويستمر النزوح جراء ذلك، لفترات أطول؛ تصل إلى 10 سنوات على الأقل، لكل لاجئ. وخلال تلك السنوات، لا يستطيع كثير من النازحين العمل أو الالتحاق بالمدارس. وغالبًا ما ترزح البلدان المضيفة تحت مزيد من الأعباء؛ يعيش حوالي 90 % من اللاجئين الذين يصل عددهم إلى 24.5 مليون لاجئ في العالم، في بلدان ذات دخل منخفض أو متوسّط، تكافح بالفعل لتعليم مواطنيها وتنمية اقتصادها. يمكن لتدفّق اللاجئين أن يعيق تقدم هذه الدول البطيء نحو التنمية والتطوير. وحين تتطوّر البلدان المضيفة بالفعل، غالبًا ما يتعرض اللاجئين للإهمال والتجاهل. وتبلغ احتماليّة تخلف أطفال اللاجئين عن الالتحاق بالمدارس 5 أضعاف أطفال المواطنين.

 

لم ترق الاستجابة الدوليّة لمشكلة النزوح لمستوى الآمال. فقد أشارت الأمم المتّحدة عام 2007، إلى أنّ نداءاتها الإنسانية، قد لاقت تقاعساً بنسبة 28%. ومنذ عام 2017، ارتفع هذا الرقم إلى نسبة صادمة وصلَت إلى 40 %. ورغم أنّ أغلبيّة اللاجئين اليوم يعيشون في مناطق حضريّة، إلا أن معظم الدعم الإنسانيّ المقدم يلبي الحاجات الأساسيّة قصيرة المدى لسكّان المخيّمات. أما الاستطلاعات القوميّة عن الفقر فنادرًا ما تتضمّن اللاجئين، سواء كان ذلك مصادفةً أو عمدًا. علاوة على ذلك، حين تقدِّم الدول خططها للعمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتّحدة، فإنها نادرًا ما تضع في حسبانِها النازحين الذين تستضيفهم. وهذه الأهداف نفسها لا تتضمن مؤشّرات أو أهداف تستحث عمليّة التنمية في أوساط هؤلاء السكّان النازحين.

  

   

أحكام وشروط

على مدار فترة رئاسة جيم يونغ كيم للبنك الدولي، التي امتدت سبع سنوات حتى الآن، حمل البنك على عاتقه  سد الثغرات المتروكة في الاقتصاد العالمي. فقد اتسعت رقعة دعمه للبلدان المهددة بالصراعات، وأولى اهتمامًا للأزمات العالمية، بما في ذلك موجات النزوح والتهجير والتغيّر المناخي والأوبئة والمجاعات. وبدأ البنك في عام 2016، تقديم تمويل بشروط ميسرة (منح وقروض بفوائد منخفضة أو منعدمة)، أتاحت له جمع  ما يربو عن 2.6 مليار دولار لصالح الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط التي تستضيف اللاجئين.

 

قد يغير نموذج العمل هذا من قواعد اللعبة كلها. فعوضًا عن منح هذه الأموال على سبيل العلاج المؤقت، وفر البنك تمويلًا طويل الأمد، يتيح للدول المضيفة للاجئين تطوير عدد لا بأس به من الخدمات، بدايةً من البنية التحتية العامة، مرورًا بالصحة، وانتهاءً بالتعليم. تعمل هذه المنح والقروض على دعم المجتمعات المضيفة الهشة، فضلًا عن دعم اللاجئين أنفسهم، لتقليص حدة التوتر بين الفئتين.

 

لقد مارس البنك الدولي ضغوطًا لإجراء إصلاحات قانونية في الدول التي يقدم لها التمويل. وتحت الإلحاح المستمر من البنك، سمحت الحكومات المضيفة بمزيد من حرية التنقل للاجئين، والعمل في إطار قانوني، وقبول الأطفال في المدارس. ففي مقابل أكثر من مليار دولار قدمها البنك الدولي في صورة منح وقروض، منحت الحكومة الأردنية اللاجئين على أراضيها تصاريح عمل، ووسعت نطاق أنواع الوظائف التي يمكنهم العمل بها، كما سمحت لهم بإدارة أعمالهم التجارية من المنزل. على صعيد آخر، أبرمت إثيوبيا اتفاقًا مشابهًا، فقد منح القانون الصادر في يناير/ كانون الثاني اللاجئين حق إرسال أطفالهم إلى المدارس الابتدائية، وأتاح لهم سبلًا قانونية للعمل، والإقامة خارج مخيمات اللجوء.

  

علاج مشكلة الفقر في ظل الصراع المحتدم في جنوب السودان أو اليمن أو نيجيريا على سبيل المثال، يتطلب مجموعة جديدة كليًا من المهارات.

رويترز
  

لقد أحدثت الإصلاحات التي طرحها كيم فارقاً كبيرًا، في ظل التزايد الضخم في أعداد اللاجئين، وفي الوقت الذي أدارت فيه الدول الغنية ظهورها للقضية برمتها. ويتعين على خليفة كيم في رئاسة البنك الدولي، أيًا كان، أن يحافظ على استمرار هذا الإنجاز. فمن غير المتوقع أن ينحسر مد موجات النزوح؛ لذا، تُصبح خدمة القضايا الإنسانية استثمارًا من أجل الاستقرار، وليس تبديدًا للموارد الاقتصادية.

 

المعركة المستقبلية

لا شك أن هذه الأجندة تحمل تحديات كبرى، تفرض على المسؤولين مداولة هذا الموضوع الشائك المتعلق بسياسات اللجوء مع الحكومات المضيفة. فعلاج مشكلة الفقر في ظل الصراع المحتدم في جنوب السودان أو اليمن أو نيجيريا على سبيل المثال، يتطلب مجموعة جديدة كليًا من المهارات.

 

يتعين على رئيس البنك الدولي الجديد صقل وتوسيع عملية تمويل احتياجات اللاجئين بكفاءة. ولضمان تحقيق هذا التمويل لأهدافه، المتمثلة في تحسين معيشة اللاجئين، بالإضافة إلى تحسين الوضع بالنسبة للدول المضيفة، يتعين على البنك تحديد أهداف ومؤشرات واضحة (شرائح الدخل ومعدلات إجادة القراءة والكتابة بين الأطفال على سبيل المثال). يمكن للبنك الاستعانة بأهداف ومؤشرات أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة كخطة عمل، وتكييفها لقياس ما أُنجز من تقدم في أوساط اللاجئين. كما يتعين عليه أيضًا تطوير عملية جمع البيانات المتعلقة بجودة حياة اللاجئين، إذ تعاني هذه العملية من قصور في مواطن عديدة. يمكن إسناد إصلاح هذه المشكلة إلى مركز البيانات المشترك الجديد، وهو مركز مشترك للتعاون بين البنك الدولي، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة.

  

اعتمد بعض اللاجئين السوريين على أطباء غير مؤهلين أو على العلاج الذاتي، أو اختاروا التخلي عن الخدمات الطبية الأساسية تمامًا

رويترز
  

كان البنك، تحت قيادة كيم، على حق في ربطه التمويل بالإصلاحات السياسية، وينبغي على الرئيس الجديد أن يفعل الشيء نفسه. تعتمد التنمية المستدامة في البلدان المضيفة على قدرة اللاجئين على العيش المشترك مع السكان المضيفين. يجب أن يتمكن اللاجئون من التحرك بحرية، والحصول على تعليم جيد، والوصول إلى الخدمات الصحية، والحصول على وظائف آمنة ولائقة، والحماية من العودة القسرية إلى البلدان التي أتوا منها. مكن التمويل المقدم من البنك عددًا من البلدان من إجراء وتنفيذ تغييرات تنظيمية تسمح للاجئين بممارسة هذه الحقوق. ولجعل هذا العمل أكثر منهجية وشفافية، يمكن للبنك تطوير مؤشر لسياسة اللاجئين، يقيّم سياسات البلدان المضيفة ويحدد الإصلاحات الضرورية. سيكافأ التقدم في مجال السياسات المعنية باللاجئين بمزيد من التمويل.

 

إن شراكة البنك الدولي مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين مثمرة، لكنها غير كافية. يجب على البنك أن يشرك دولًا ومجموعات إنسانية ومنظمات غير حكومية ذات خبرة قوية في البحث والتقييم (مثل لجنة الإنقاذ الدولية)، وبالطبع اللاجئين أنفسهم، في هذا الحوار. ستسمح هذه المدخلات المتنوعة للبنك بمعرفة ما هو مطلوب فعلًا وما هو غير ضروري. في الأردن، أعطي أحد المشاريع الصحية الممولة من البنوك الأولوية للخدمات في العيادات العامة النائية، مما اضطر اللاجئين إلى إنفاق المال الذي يعوذهم، للسفر، للحصول على العلاج المناسب والأدوية. ونتيجة لذلك، اعتمد بعض اللاجئين السوريين على أطباء غير مؤهلين أو على العلاج الذاتي، أو اختاروا التخلي عن الخدمات الطبية الأساسية تمامًا. لو أن البنك قام باستشارة اللاجئين السوريين خلال مرحلة تصميم البرنامج، لكان قد استثمر هذه الأموال بصورة مختلفة، تجنبًا لهذه النتائج.

  

في قمة عام 2016، التزمت 50 دولة بزيادة التمويل المقدم للبلدان المستضيفة للاجئين بنسبة 30٪، ومضاعفة عدد مناطق إعادة التوطين، وزيادة فرص اللاجئين في الحصول على التعليم والوظائف. لكن التقدم في تحقيق معظم هذه الالتزامات كان أقل بكثير من المتوقع. رغم ذلك، هناك نقاط مضيئة على الخريطة، فقد تمكنت دول مثل الأردن وإثيوبيا وأوغندا والكاميرون من استغلال دعم البنك الدولي على النحو الأمثل.

  

   

تقع على عاتق رئيس البنك القادم مهمة تعميم هذه الحالات الاستثنائية. لكن تمويل هذا العام بالذات مهدد بالتوقف، فتجديد التمويل التالي من البنك لمؤسسة التنمية الدولية، المصدر الأهم للتمويل بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل، سيجرى في ديسمبر/ كانون الأول. ينبغي أن يمثل التمويل المتجدد للبلدان التي تستضيف اللاجئين، على وجه الخصوص، أولوية قصوى.

 

في عصر تتراجع فيه قيم الإنسانية، أدركت قيادة البنك أن معالجة آثار النزاعات وموجات النزوح هو السبيل لتحقيق الأهداف الإنمائية العالمية. كل من يتولى قيادة البنك بعد ذلك سيرث هذه المهمة، وعليه أن يضطلع بها.

------------------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

هذا التقرير مترجم عن: Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

آخر الأخبار