انضم إلينا
اغلاق
عملة "إيكو" الأفريقية.. هل ستختطفها فرنسا لصالحها؟

عملة "إيكو" الأفريقية.. هل ستختطفها فرنسا لصالحها؟

  • ض
  • ض

شهدت منطقة غرب إفريقيا في أربعينات وستينات القرن الماضي تحركين مختلفين لتوحيد بعض بلدان المنطقة ولتأسيس التكامل بينها تحت مظلة منظمة اقتصادية إقليمية؛ ففي عام 1945، أدخلتْ فرنسا مستعمراتها في المنطقة في اتحاد عملة موحدة باسم "الفرنك غرب الإفريقي" (CFA franc)؛ مما مكَّن فرنسا من التحكم في موارد هذه البلدان وهياكلها الاقتصادية وحتى أنظمتها السياسية. وفي عام 1964، تقدم الرئيس الليبيري الأسبق، وليام توبمان، باقتراح إنشاء اتحاد اقتصادي، ما أدى إلى اتفاق عام 1965 لتجارة حرة بين ليبيريا وكوت ديفوار (ساحل العاج) وغينيا وسيراليون، ولكن هذا المخطط لم يأتِ بأية نتيجة مثمرة.

      

على أن غرب إفريقيا، خصوصًا المناطق الناطقة بالفرنسية منها، قد شهدت في الفترة المبكرة بعد الاستقلال ظهورَ اتحادات أخرى للتكامل الاقتصادي، حيث عززها اشتراك بلدانها في استخدام "الفرنك غرب الإفريقي"، ودعمت فرنسا تأسيسها، خلافًا لدول المناطق الأنغلوفونية التي لم تسْعَ فيما بينها وراء تحقيق تكامل اقتصادي في تلك الفترة بسبب سياسات الإدارة البريطانية القائمة على التحكم من خلال إحداث التفرقة وتجريد مستعمراتها في المنطقة من الإحساس بالوحدة وضرورة التكاتف الاقتصاديين.

   

وعلى الرغم من فشل المحاولات الأولى لتأسيس اتحاد بين الدول الفرنكوفونية والأنغلوفونية في غرب إفريقيا بسبب شكوك الأعضاء في هذه الاتحادات وصراعات السلطة وتشبث بعضهم بالولاء لمُستعمِريْهم القدماء، كاتحاد بوركينا فاسو-غانا، واتحاد الدول الإفريقية أو اتحاد غانا-غينيا-مالي؛ فقد كانت النواة الأولى لاتحاد حقيقي عام 1972 عندما اجتمع رئيس الدولة النيجيري، الجنرال يعقوبو غَوَونْ، ونظيره الرئيس التوغولي، غناسينجبي إياديما، في لومي، عاصمة توغو، وخرجا ببيان رسمي عن تأسيس اتحاد يشمل جميع الدول بغرب إفريقيا، كما روجا لفكرة التكامل في جولاتهما في المنطقة.

    

رئيس الدولة النيجيري، الجنرال يعقوبو غَوَونْ، ونظيره الرئيس التوغولي، غناسينجبي إياديما (مواقع التواصل)

    

وشكَّلت مسودات جهود الرئيسين، النيجيري والتوغولي، أساسًا لمعاهدة لاغوس الاقتصادية، عام 1975، والتي أنتجت "الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" المعروفة اختصارًا بالإيكواس (ECOWAS)، وتطورت عام 1993 لتوسيع دائرة نطاقها وسلطاتها اقتصاديًّا وسياسيًّا، وتشمل اليوم خمسة عشر عضوًا: جمهورية بنين، وبوركينا فاسو، وتوغو، وجمهورية الرأس الأخضر، والسنغال، وسيراليون، وغامبيا، وغانا، وغينيا، وغينيا بيساو، وكوت ديفوار، وليبيريا، ومالي، والنيجر، ونيجيريا.

    

وإذا كانت الإيكواس تهدف في الأساس إلى التكامل وتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول الأعضاء؛ فإنها تحقق ذلك بالاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي في المنطقة والذي يمثل تحديات كبرى أمام عملية تحقيق أهدافها، في حين توجد فُرص كثيرة تغذي رغبة دولها للمشاركة في جهود توفير الرخاء المشترك لشعوب الكتلة؛ الأمر الذي عزز نجاحها في مبادراتها السياسية المتعددة التي شملت عمليات حفظ الأمن والسلام في بعض الدول الأعضاء في أوقات الصراع السياسي والاضطرابات، كأدوارها في كل من ساحل العاج وليبيريا، عام 2003، وغينيا بيساو عام 2012، ومالي عام 2013، وغامبيا عام 2017.

     

ومن بين مبادرات الإيكواس التي تهدف إلى تعزيز التكامل والنمو الاقتصادي وتسهيل التجارة الإقليمية داخل منطقة الكتلة بغرب إفريقيا: بناء الطرق العابرة لمدن الدول الأعضاء وحدودها (كالطريق السريع من لاغوس النيجيرية إلى أبيدجان في ساحل العاج، وشبكة طرق نواكشوط-لاغوس، علمًا بأن موريتانيا كانت عضوًا في الإيكواس قبل الانسحاب منها سنة 2000)؛ وإنشاء بنك إيكو (Ecobank)، عام 1985، القائم على رؤية الوحدة الإفريقية وتسهيل التعامل التجاري في جميع أنحاء القارة؛ وتسهيل حركة السكان والبضائع بين دول الكتلة بغرب إفريقيا؛ وسد الفجوة بين دول الكتلة الفرنكوفونية والأنغلوفونية، كإطلاق جواز سفر موحد، عام 2000، لتسهيل تنقل السكان بين بلدان غرب إفريقيا الأعضاء؛ إضافة إلى مشروع عملة "إيكو (Eco)" الموحدة، والتي أخفقت الإيكواس في إطلاقها مرارًا.

     

اجتماع اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي (UEMOA) (وكالة الأنباء الأوروبية)

    

بل وتكشف النقاشات حول عملة "إيكو"، منذ يوليو/تموز 2019، عن طبيعة الصراع القائم بين منظمتين فرعيتين داخل الإيكواس، المنظمة الأولى: اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي (UEMOA) والذي تأسس عام 1994 لموازنة هيمنة اقتصادات الدول الأنغلوفونية داخل الإيكواس (على رأسها نيجيريا وغانا) ويرأسها حاليًّا الرئيس الإيفواري، الحسن واتارا، وتتكون من ثماني دول معظمها فرنكوفونية، وهي: بنين وبوركينا فاسو وكوت ديفوار ومالي والنيجر والسنغال وتوغو وغينيا بيساو. والمنظمة الثانية: منطقة غرب إفريقيا النقدية (WAMZ) والتي تأسست عام 2000 لتسهِّل عملية توحيد الدول الأنغلوفونية والدول التي تستخدم عملاتها الخاصة تحت عملة موحدة في المستقبل، وهي: غامبيا، وغانا، وغينيا (دولة فرنكوفونية ولكنها لا تستخدم الفرنك غرب الإفريقي)، وليبيريا، ونيجيريا، وسيراليون.

    

عملة إيكو ومعايير التقارب

تعود فكرة إنشاء عملة موحدة في منطقة الإيكواس إلى ثلاثة عقود ماضية بهدف تحقيق التكامل النقدي. وقد دعمتْ الفكرة بقوة كل من غانا ونيجيريا، عام 1999، كما تعتبرها الإيكواس جزءًا مهمًّا من التكامل الاقتصادي من خلال اعتماد سياسة نقدية مشتركة بين الدول الأعضاء والتخلي عن السيادة في الأمور النقدية لسلطة نقدية مشتركة تكون مسؤولة عن إصدار إيكو وإدارتها.

  

وكانت الخطة الأصلية لتحقيق الفكرة أن تُطلَق "إيكو" على مرحلتين: أولًا: في دول الإيكواس الأعضاء في منطقة غرب إفريقيا النقدية، ثم تُعمَّم العملة في باقي دول الكتلة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2009، أعلنت الكتلة أن "إيكو" ستُدمَج مع "الفرنك غرب الإفريقي" فور إطلاقها عام 2020. على أن الدول الأعضاء في منطقة غرب إفريقيا النقدية فشلت عدة مرات في إطلاق "إيكو"؛ فقد تأجل الموعد من عام 2003 إلى 2005 و2010 و2014 و2015، وذلك لأسباب تشمل الأزمة الاقتصادية العالمية، وعدم استيفاء هذه الدول (باستثناء غانا حتى عام 2011، وليبيريا في عام 2016) معايير التقارب للعملة والتي وضعها معهد غرب إفريقيا النقدي (WAMI) التابع للإيكواس.

      

 

   

وقد قسَّم معهد غرب إفريقيا النقدي هذه المعايير العشرة إلى أربعة معايير أساسية، وهي:

- تحقيق استقرار الأسعار والحفاظ عليه بتسجيل معدل تضخم من رقم واحد نهاية كل عام.

- ضمان استدامة الوضع المالي الحكومي من خلال خفض نسبة العجز المالي والالتزام بما لا يزيد عن 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

- الحد من تمويل البنك المركزي للعجز في ميزانية الحكومة إلى ما لا يزيد عن 10 في المئة من إيرادات الضرائب في العام السابق.

- والحفاظ على إجمالي الاحتياطيات الخارجية التي تكفي لتوفير غطاء الاستيراد لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر.

   

وأما المعايير الفرعية الستة، فهي:

- حظر حدوث متأخرات محلية جديدة وسداد المتأخرات القائمة.

- أن تكون الإيرادات الضريبية مساوية أو تزيد عن 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

- أن تساوي نسبة فاتورة الأجور-الإيرادات للضريبة 35 في المئة أو تقل عنها.

- أن تساوي نسبة الاستثمار العام-الإيرادات للضريبة 20 في المئة أو تزيد عنها.

- الحفاظ على سعر صرفٍ حقيقي مستقر.

- وسعر فائدة حقيقي إيجابي.

    

إن عدم استيفاء دول الإيكواس المعايير المذكورة، فضلًا عن فشل إطلاق المشروع منذ عام 2003 لهو أمر يعني أنه لم يحدث تطورٌ ملحوظ حيال تحقيق فكرة العملة حتى 2019؛ ففي 29 يونيو/حزيران 2019، تبنى قادة الإيكواس بشكل رسمي اسم "إيكو" عملة الكتلة وتحديد عام 2020 كموعد جديد لإطلاقها. وفي 21 ديسمبر/كانون الأول 2019، ألقى الرئيس الإيفواري، الحسن واتارا، بظلال الريبة والشك على مشروع العملة وأكسبه صفة خلافية لإعلانه بصفته الرئيس الدوري لاتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي (UEMOA) مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في أبيدجان عن إصلاح عملة "الفرنك غرب الإفريقي" الخاصة بدول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقد وإعادة تسميتها بـ"إيكو".

  

مواقف الاقتصاديين من "إيكو"

  

تباينت مواقف الباحثين الاقتصاديين تجاه مشروع عملة "إيكو" بناء على الأزمة المالية التي تشهدها منطقة اليورو في أوروبا؛ فقد أشارت دراسة تناولت عملة "إيكو" ومدى استعداد دول الإيكواس لتنفيذها إلى أن نمط العرض والطلب والصدمات النقدية بين بلدان الكتلة غير متماثل، وهو ما يعني صعوبة تشغيل العملة بسبب الحاجة إلى استجابات سياسية مختلفة للتكيف مع العرض والطلب والصدمات النقدية في المنطقة. كما أن نمط استجابة بلدان الكتلة إلى صدمات أسعار الصرف الحقيقية غير متقارب؛ مما يعني أن تبني سياسة سعر صرف موحد لجميع دول المنطقة لن يكون مثاليًّا.

  

وعلى ما سبق، يجب على صانعي السياسات بغرب إفريقيا النظر في تأخير إطلاق العملة لكي يكثفوا جهودهم من أجل تحقيق تكامل أقوى لاقتصادات الكتلة من حيث التجارة البينية وتنقل اليد العاملة وغيرهما، ولكي يتعلموا من أزمة الديون الأوروبية والاستعداد لتوقعات مستقبلية وتصميم استراتيجيات وقائية، وذلك لأن الاتحاد النقدي، رغم أهمية فوائده للبلدان المشتركة فيه، يحمل أيضًا تكاليف جسيمة كما هو مشاهَد في حالة التجربة الواقعية للاتحاد النقدي الأوروبي.

  

غير أن هناك من الاقتصاديين وخبراء التنمية الأفارقة من يرون أن الأزمة المالية في منطقة اليورو نفسها هي التي تستلزم إسراع الإيكواس إلى إطلاق عملة "إيكو" بغرب إفريقيا؛ لأنه لا توجد دولةٌ في غرب إفريقيا قادرة وحدها على حل المشكلات النقدية الخطيرة التي تواجه الإيكواس، بما في ذلك نيجيريا رغم حجم اقتصادها في قارة إفريقيا.

  

وعلى أساس هذا الموقف، ستكون عملة "إيكو" فرصة مهمة لدول الكتلة لتجميع مواردها للسعي وراء تحقيق أهداف فردية من خلال العمل لتحقيق أهداف مشتركة، ولا يمكن هذا إلا بقبول كل الدول الأعضاء في الإيكواس أن مشروع العملة ملكيتهم جميعًا، وهذه الملكية تبدأ من الجهات التي تحدد ديناميكيات المنطقة وتدعم الكتلة (نيجيريا، وغانا، وكوت ديفوار، وغينيا، والسنغال)، كما ستساعد على رعاية الحيلة والإبداع المتمثلة في مجموعة السياسات المتوقعة من صنَّاع القرار داخل الكتلة والتي تشتد إليها الحاجة في إنجاز المشروع.

  

اختطاف فرنسي لمشروع "إيكو"!
الفرنك الإفريقي (رويترز)

    

كانت الانطباعات السائدة قبل بيان الرئيس، الحسن واتارا، في ديسمبر/كانون الأول 2020، عن إصلاح "الفرنك غرب الإفريقي"؛ أن إنشاء عملة جديدة داخل الإيكواس -إلى جانب فوائدها الاقتصادية- ستساعد الدول الفرنكوفونية بغرب إفريقيا على الانعتاق من ربقة إحدى السياسات النيوكولونيالية الفرنسية المتمثلة في عملة "الفرنك غرب الإفريقي"؛ إذ شهدت مدن هذه الدول احتجاجات بشتى الأشكال يطالب فيها النشطاء بانسحاب بلدانهم من الاتحاد النقدي الفرنسي ومغادرة الجنود الفرنسيين أراضيهم.

   

ووفقًا للاتفاقات النقدية بين الدول الإفريقية الفرنكوفونية وفرنسا، فإن لعملة "الفرنك غرب الإفريقي" أربعة أركان رئيسية:

* ربط "الفرنك غرب الإفريقي" وتحديد سعر صرفه الثابت بعملة اليورو.

* ضمان فرنسي للتحويل غير المحدود لـ"الفرنك غرب الإفريقي" إلى اليورو.

* مركزية احتياطيات النقد الأجنبي؛ حيث طلبت فرنسا من هذه الدول إيداع 50% (كان بعد الاستقلال 100%، و65% من 1973 إلى 2005) من احتياطياتها من النقد الأجنبي في حساب خاص للخزانة الفرنسية.

* إضافة إلى مبدأ التحويل الحر لرأس المال داخل منطقة الفرنك.

   

وإذا كان مؤيدو "الفرنك غرب الإفريقي" يرون أن ميزته تكمن في موثوقيته واستقراره، وأن أسباب مشاكل التنمية التي توجه إلى العملة وسياساتها الاستعمارية تكمن في الحقيقة في حكومات هذه الدول الإفريقية وعدم استقرارها السياسي، واستشهدوا بكوت ديفوار التي حققت تطورًا اقتصاديًّا مؤخرًا.

   

ومع ذلك، سجَّل اقتصاديون أوروبيون ومفكرون أفارقة انتقاداتهم ضد "الفرنك غرب الإفريقي" وبنوا حججهم على عدة أمور، أهمها أن هناك غياب للسيادة النقدية لهذه الدول الإفريقية على عملة "الفرنك غرب الإفريقي"؛ إذ تملك فرنسا حق النقض الفعلي في مجالس إدارة البنكين المركزيين في المنطقتين اللذين يستخدمان "الفرنك غرب الإفريقي"، وهما: البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وبنك دول وسط إفريقيا الوسطى (BEAC). وكذلك أن عملة "الفرنك غرب الإفريقي" تدمر أية إمكانية تنموية في الدول التي تستخدمها وتمثل عائقًا أمام التصنيع والتحول الهيكلي ولا تخدم تحفيز التكامل التجاري بين هذه الدول ولا زيادة إقراض من البنوك لاقتصاداتها (واستدلوا بانخفاض نسبة التنمية في الدول التي تستخدم "فرنك سيفا" مقارنة بالتنمية في الدول التي تستخدم عملاتها الخاصة).

    

رئيس ساحل العاج الحسن واتارا "إلى اليمين"،  والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "إلى اليسار" (وكالة الأنباء الأوروبية)

   

ورأوا استحالة التنمية الاقتصادية في تلك الدول في ظل البقاء في ظروف فقدان السيطرة على أموالها وسياساتها الاقتصادية، خصوصًا أن فرنسا متهمة في غرب إفريقيا بإبعاد رؤساء الدول الذين حاولوا الانسحاب من نظام "الفرنك غرب الإفريقي" (عبر انقلاب وعمليات اغتيال) لصالح الزعماء الأكثر امتثالًا لأوامرها. أما الإصلاحات التي أعلنها الرئيس، واتارا، في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الفرنسي، ماكرون، فهي تشمل: تغيير اسم العملة التي تستخدمها دول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي من "الفرنك غرب الإفريقي" إلى "إيكو"، وتوقف فرنسا عن الاحتفاظ بـ 50% من احتياطيات هذه الدول في الخزانة الفرنسية، وانسحاب فرنسا من التحكم في العملة وإدارتها. 

  

وعليه، لا يوجد تغيير في سعر الصرف لعملة "إيكو" الجديدة التي أعلنها الرئيس، واتارا، وسيستمر ربطها باليورو. ويعني أيضًا أنه في حال إطلاق العملة في منتصف عام 2020 كما يُتوقع؛ سيُطلب من دول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي إيداع جميع احتياطياتها من العملات الأجنبية في البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وسيتم تحويل احتياطيات المركزي الإفريقي إلى بنك مركزي أوروبي في شكل ضمانات، كما قد يتطلب الأمر تحويل بعض الاحتياطيات إلى بنك التسويات الدولية (BIS) في سويسرا. وكلها أفكار رفضها العديد من دول الإيكواس وتخالف الخطة الأصلية لـ"إيكو" وتتعارض مع مطالب غالبية الدول الأعضاء في الكتلة بأن تكون العملة مستقلة بسعر صرف مرنٍ.

    

بل إن هناك شعورًا عامًّا في بعض دول الإيكواس (مثل غينيا ونيجيريا) بأن فرنسا من خلال إصلاحات "الفرنك غرب الإفريقي" تعمِّق الخلافات بين الكتلتين الفرعيتين داخل الإيكواس، وأنها نسجت الاتفاقية الجديدة حول "الفرنك غرب الإفريقي" لتتواءم مع مصلحتها الاستعمارية. إضافة إلى أنها استغلت ولاء بعض الدول الفرنكوفونية داخل الإيكواس لاختطاف المشروع الذي تسعى الكتلة إليه منذ 30 عامًا ويُتوقع أن يسهم في التحرر النقدي وتوحيد الصفوف داخل الكتلة.

  

كما أن تغيير "الفرنك غرب الإفريقي" إلى "إيكو" يعني أن على سبعة من أعضاء الإيكواس (الذين لا يستخدمون الفرنك غرب الإفريقي) ترك عملاتهم الخاصة والانضمام إلى عملة "إيكو" التي تتحكم فيها فرنسا وتصدر أوراقها من أوروبا، وهذا يخالف الخطة الموضوعة لمشروع العملة ويصعب احتمال انضمام الدول مثل نيجيريا إليها.

  

غانا وتغليب المصلحة الخاصة
الرئيس الغاني "نانا أكوفو أدو" (رويترز)

   

تفاجأ البعض عندما أصدرت الرئاسية الغانية بيان استعدادها للانضمام إلى عملة "إيكو" بعد أسبوع فقط من إعلان الرئيس، واتارا، عن إصلاح "الفرنك غرب الإفريقي"؛ مما أوهم الكثيرين بأن غانا نفسها تحاول التخلي عن حلفائها من دول الإيكواس الأنغلوفونية، وتغلِّب مصلحتها المتمثلة في التحالف مع دول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي لأنها محاطة بالدول الفرنكوفونية (ساحل العاج في الغرب، وبوركينا فاسو في الشمال، وتوغو في الشرق، وخليج غينيا والمحيط الأطلسي في الجنوب).

   

وفي حين توجد مؤشرات على أن غانا سئمتْ من تحالفها القديم مع نيجيريا، وخاصة في ظل التنافس الإقليمي بينهما وأزمة إغلاق نيجيريا لحدودها البرية التي يعاني منها التجار في غانا ودول الجوار؛ فقد أوضحت حكومة غانا أنها مصممة على الانضمام إلى دول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي في استخدام عملة "إيكو" عام 2020، ولكن بشرط عدم ربطها بعملة اليورو، مطالبةً سلطات الإيكواس بالإسراع بـ"تبني نظام سعر صرف مرن".

     

خطة لإبعاد نيجيريا من منطقة "إيكو"

يشير بعض المحللين إلى وجود مخطط لإبعاد نيجيريا من مشروع عملة "إيكو"؛ حيث أشار تقرير إلى أن فرنسا طمأنت حلفاءها في الدول الفرنكوفونية على أنها ستضمن تمديد "إيكو" إلى كل دول الإيكواس، شريطة إبعاد نيجيريا منها.

   

من الناحية السياسية؛ ترى فرنسا أن نيجيريا قوة إفريقية تهدد مصالح باريس وبقاءها كمركز القوة الرئيسي في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، خصوصًا أن فرنسا تعرضت في السنوات الأخيرة لانتقادات واتهامات بأن جنودها يوجدون في منطقة الساحل لضمان مصالحها الاقتصادية. وبالتالي، فإن وجودها في مشروع "إيكو" ككفيل وداعم مؤسس يعزز شعبيته ويجدد الثقة به لدى قادة هذه الدول ومواطنيها.

    

توجد دولٌ داخل الإيكواس تفضِّل انضمام غانا إلى مشروع عملة "إيكو"، وتخشى سيطرة نيجيريا على الاتحاد النقدي بسبب عدد سكانها البالغ حوالي 200 مليون نسمة

وكالة الأنباء الأوروبية
     

على أن نيجيريا نفسها لا تُبدِي مؤخرًا اهتمامًا ملموسًا بالتعاون البيني الإفريقي والمشاركة في تعزيز التكامل الاقتصادي مع أخواتها؛ الأمر الذي يجعل بعض الاقتصاديين يستبعدون انضمام نيجيريا لمشروع "إيكو" على المدى المتوسط نظرًا لضخامة اقتصادها وأهمية الحفاظ على سيادتها النقدية بالنسبة لحكومة البلاد.

    

كما توجد دولٌ داخل الإيكواس أيضًا تفضِّل انضمام غانا إلى مشروع عملة "إيكو"، وتخشى سيطرة نيجيريا على الاتحاد النقدي بسبب عدد سكانها البالغ حوالي 200 مليون نسمة والتأثير الذي قد تحدثه البلاد في العملة -بخلاف غانا التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 30 مليون نسمة وتتمتع بسجل مميز في إدارة شؤونها المالية العامة.

  

رفض "إيكو" الخاصة بدول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي

جاءت الردود الأولى ضد تغيير "الفرنك غرب الإفريقي" إلى "إيكو" من قبل بعض مسؤولي الدول الفرنكوفونية الذين قالوا: إن الرئيس الإيفواري لم يَسْتَشِرْ باقي الدول الأعضاء في الإيكواس في الخطة التي أعلنها، وإن تغيير "الفرنك غرب الإفريقي" إلى "إيكو" يختلف تمامًا عن الخطة المتفق عليها بتأسيس عملة جديدة مستقلة.

   

وقد حاولت نيجيريا استدراك تراجع دورها داخل الإيكواس؛ حيث أكدت وزيرة المالية النيجيرية، زينب أحمد، متابعة البلاد لتطورات مشروع "إيكو" وذلك فور إعلان غانا استعدادها للانضمام للعملة. وبعد أسبوعين، قادت نيجيريا دول منطقة غرب إفريقيا النقدية الستة في اجتماع غير عادي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لهذه الدول بأبوجا، في شهر يناير/كانون الثاني 2020، إلى إصدار بيانٍ رفضوا فيه إطلاق تسمية "إيكو" على العملة التي أعلنها الرئيس، واتارا، خصوصًا أن إجراءات إعادة تسمية "الفرنك غرب الإفريقي" جاءت من جانب واحد فقط وليست من اتفاق ومشاركة كل الدول الأعضاء داخل الإيكواس.

    

رؤساء دول وحكومات الإيكواس (وكالة الأناضول)

  

وإذ ترى وزيرة المالية النيجيرية أن هذا الإجراء (من قبل الرئيس، واتارا) لا يتماشى مع قرارات سلطة رؤساء دول وحكومات الإيكواس لاعتماد "إيكو" كاسم العملة المستقلة لدول غرب إفريقيا، فقد طلبت من الدول الأعضاء الالتزام بقرارات رؤساء دول وحكومات الإيكواس تجاه تنفيذ خارطة الطريق المنقحة لمشروع العملة الموحدة لدول غرب إفريقيا. كما اقترحت عقد قمة استثنائية لسلطة رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء في منطقة غرب إفريقيا النقدية من أجل إيجاد حلول لمسائل أخرى متعلقة بالعملة.

  

ماذا بعد رفض "إيكو" الفرنكوفونية؟

من الواضح أن الطريق أمام مشروع عملة "إيكو" شبه مسدود، نظرًا لرفض دول منطقة غرب إفريقيا النقدية لخطة الرئيس الإيفواري، الحسن واتارا، وصدور بيان جديد بشكل مفاجئ من الرئاسة النيجيرية طلبت فيه تأجيل إطلاق "إيكو" بسبب عدم استيفاء دول الإيكواس معايير التقارب الموضوعة في خريطة الطريق الخاصة بالعملة.

  

وإذ لا يمكن الجزم بأن الرئيس، الحسن واتارا، ودول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي سيتراجعون عن خطتهم بسبب رفضها من قبل إخوانهم في منطقة غرب إفريقيا النقدية، فقد رأى البعض أنه بإمكان دول منطقة غرب إفريقيا النقدية السعيَ وراء إنشاء "إيكو" الخاصة بها، ومن ثم بحث طرق الدمج بين العملتين وتوحيدهما.

   

يجب على كل الدول الأعضاء في الإيكواس تركيز جهودها في تحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي والتحالف فيما بينها حول المشاريع المشتركة التي تمس حياة السكان البسطاء

وكالة الأناضول
  

كما أنه بإمكان نيجيريا أن تستغل تأثيرها (نظرًا للنجاح الذي أحرزه اقتصاد البلاد مؤخرًا) في قيادة وزراء المالية والبنوك المركزية في منطقة غرب إفريقيا النقدية للجلوس مع وزراء المالية والبنوك المركزية بدول اتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي لمناقشة النقاط التي تتعارض مع الخطة الأصلية لـ"إيكو" بما في ذلك تعويمها وإصدار أوراقها في فرنسا وغير ذلك مما يثير استياء هذه الدول.

  

وفي حين تبحث كلتا الكتلتين الفرعيتين (منطقة غرب إفريقيا النقدية واتحاد غرب إفريقيا الاقتصادي والنقدي) عن موطئ قدم داخل الإيكواس للسيطرة وفرض الواقع على الأخرى؛ فإنه يجب على كل الدول الأعضاء في الإيكواس تركيز جهودها في تحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي والتحالف فيما بينها حول المشاريع المشتركة التي تمس حياة السكان البسطاء في المنطقة، ذلك لأن مجرد تأسيس عملة موحدة لن يكون الدواء الشافي للمشاكل المختلفة التي يعاني منها غرب إفريقيا، بما فيها ارتفاع مستويات البطالة بين السكان الشباب وتزايد نسبة الفقراء.

------------------------------------------------

هذا التقرير مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار