انضم إلينا
اغلاق
عماد حجاج لـ "ميدان": لا أحب المناطق الرمادية في التعبير، وأبو محجوب سبب رئيس لنجاحي

عماد حجاج لـ "ميدان": لا أحب المناطق الرمادية في التعبير، وأبو محجوب سبب رئيس لنجاحي

  • ض
  • ض

"إن الأحاسيس مهما تنوعت، سواء أكانت قوية جدا، أو ضعيفة جدا، أو خاصة جدا، أو تافهة جدا، سيئة جدا، أو جيدة جدا، إذا انتقلت بالعدوى إلى القارئ والمشاهد والمستمع فهي بذلك تصبح مادة للفن"

   

بهذا الوصف، يُؤكد الأديب الروسي ليو تولستوي في كتابه "ما هو الفن" بأنه لا قيمة للعمل الفني إذا لم يحتوِ على ما يحفز به الناس للتفاعل معه. الأمر لا يختلف كثيرا في فن الكاريكاتير، والذي يأتي ضمن هذه الدائرة، ليس لكونه يندرج تحت فن الرسم وحسب، بل باعتبار أن إحدى ركائزه الرئيسية تتمثل في أن ينقل هموم الناس وآراءهم ونقاشاتهم العامة والخاصة. لذلك، تبرز تحديات كثيرة أمام هذا النمط من الفن، خاصة بعد الثورة الرقمية التي نقلت الرسم الكاريكاتيري من الصفحة الأخيرة في الصحيفة المحلية لبلد ما باتجاه فضاءات متعددة لا حدود لها. وإذا تجاوز رسام الكاريكاتير تحدي الرقمنة، فإنه لن يتورّع عن مواجهة السياسة ومغارمها.

    

بحرفين متعاكسين (ج ح) في هامش كل رسم ناقد، عُرف رسام الكاريكاتير الأردني عماد حجاج منذ أواخر التسعينيات برسوماته التي تعبّر عن المواطن، بهمومه وأفراحه ورغباته، وليعبّر عن المشاكل الاجتماعية والمنعطفات السياسية بطريقة "السهل الممتنع"؛ فلم تمنعه البساطة في الطرح من الاهتمام بأدق تفاصيل الرسم، ليصبح أيقونة لها ثقلها من بين رسامي الكاريكاتير الأردنيين والعرب. بشخصية "أبو محجوب" التي تخفي قصة وراء ابتكارها، قدّم أفكاره التي وضعته غير مرة داخل غرف الاستجواب الأمني، وقفز من خلالها من عالم الصحف -التي لم تنصفه- إلى فضاء المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل.

 

في حوار لـ "ميدان" مع الفنان عماد حجاج، يحدثنا عن أبرز التحديات التي واجهها ويواجهها أي رسام كاريكاتير عربي، وعن أبرز التحولات التي مرّ بها، من نجاحات وإخفاقات، مازجا بين السياسة والفن والصحافة، وكيف وضعه شغفه في مواجهة مع العائلة والسياسيين وأكبر رجالات السياسة. ورغم عدم رغبته في اتخاذ دور الناصح والمرشد، فإنه يسرد في المقابلة التالية بعض النصائح التي يقدمها لكل من يريد أن يحترف الرسم الكاريكاتيري من واقع تجربته الطويلة.

  

رسام الكاريكاتير الأردني "عماد حجاج" (مواقع التواصل)

   

 ---------------------------

ميدان: بدأت دراستك الأكاديمية بالفيزياء، فما الذي كان وراء قرار انتقالك إلى الفن؟ هل هي المصادفة أم كان قرارا مدروسا؟

عماد حجاج: في تلك الفترة كان لدي غموض بشأن مستقبلي، ورغم أن لدي موهبة في الرسم منذ الصغر فإن ظروفي كطالب في تلك الفترة، وبحكم أني أكبر إخوتي سنا، وضعت مسؤولية عليّ بأن أتخصص بما يفيدني في العمل لأساعد في إعالة أسرتي. لكن ميولي الفني كان أكبر من ذلك، فعملت على تنمية موهبتي أثناء دراستي في الجامعة واتخذت قرارا صعبا بالانتقال لدراسة الفنون. كنت حينها في السنة الثالثة من دراسة البكالوريوس بتخصص الفيزياء، وبهذا القرار سأترك كل ما درسته وأبدأ من جديد بدراسة تخصص الفنون. من جهة أخرى كنت بهذا القرار سأخسر البعثة التي حصلت عليها من الدولة للدراسة، إلى جانب خسارتي لعائلتي، فوالدَي غَضِبا غضبا شديدا من هذا القرار، إلا أني كنت سعيدا ومقتنعا بأني سأحقق ما أحلم به. 

 

حقيقة لم أكن أعلم حينها أني سأصبح رسام كاريكاتير وأحصل على هذه الشهرة، فقد كان لدي موهبة فطرية في الرسم منذ الصغر لكني لم أجد تشجيعا كافيا من الأهل، فظلت هواية لحين الدراسة. وهذا سبب دعمي وتشجيعي حاليا لكثير من الطلاب أو المبتدئين الذين يحبون الرسم. كما أن جزءا من عملي الآن هو تقديم دروس ودورات في الرسم الإلكتروني (الرقمي)، وتعليم رسم الكاريكاتير للناشئين والمبتدئين.

 

ميدان: ما أبرز التحولات النظرية والفنية التي طرأت على فن الكاريكاتير، خاصة في العالم العربي؟ 

عماد حجاج: فن الكاريكاتير أو الرسم الساخر هو فن عالمي تعرفه كل الأمم، حتى إن لكل دولة هناك أيقونة لها بصمتها في هذا الفن، وهو الأقرب إلى الناس وهمومهم. ورغم أن هذا الفن يعتبر حديثا بالنسبة للفنون الأخرى فإنه الأكثر انتشارا وحضورا. وصل إلى عالمنا العربي من فترة تعد قريبة، فأول رسم نُشر في الوطن العربي لم يتجاوز المئة سنة، رغم ذلك انتشر الكاريكاتير العربي بسرعة، حتى إن نجومه وأعلامه لهم شهرة واسعة، فمن لا يعرف الشهيد الأيقونة ناجي العلي، صاحب أفضل وأجمل تجسيد للقضية الفلسطينية "حنظلة". ومن لا يعرف صلاح جاهين في مصر، أو علي فرزات في سوريا؟ جميعهم أبدعوا في تجسيد الواقع بطريقة عبقرية.

   

  

   

إلا أن حال الكاريكاتير في الوطن العربي في زماننا يعاني مثله مثل غيره من الفنون، فهو تأثر بلا شك بأزمة الصحافة الورقية، إذ نشأ في حضنها. هناك بعض رسامي الكاريكاتير الذين أبدعوا ونجحوا في التحول الذي طرأ على الصحافة وانتقلوا إلى العالم الصحفي الجديد البعيد عن الورق، حتى قفز الكاريكاتير من الصفحات الأخيرة في الصحف وأصبح يتصدّر صفحات الإنترنت ومحتويات الهواتف المحمولة وغيرها من العالم الرقمي، لكن لم ينجح الجميع بالاستفادة من هذه النقلة.

  

إضافة إلى ذلك فتحديات الإعلام الجديد فتحت فضاءات جديدة أمام رسامي الكاريكاتير كما خلقت تحديات أيضا؛ فمن السهل على رسامي كاريكاتير شباب أن يجدوا منصات لنشر أعمالهم، فقد اختلفت طرق تقييم الرسم الكاريكاتيري والتفاعل معه عن الطريقة التقليدية. ومن أبرز التحديات في هذا المجال ظهور بعض المظاهر السلبية في الكاريكاتير كضياع الأطر البيانية، فلا يوجد أدنى حد فني في الرسم، ويستطيع أي شخص أن يرسم ويسرّع في انتشار هذه الرسومات عبر وسائل غير تقليدية.

  

من جهة أخرى، تأثُّر الحدود الفنية والأخلاقية للكاريكاتير؛ فأنا كرسام عربي مسلم أحترم خطوطا حمراء معينة في مجتمعي لا أتجاوزها، لكن للأسف الانفتاح الآن فتح المجال بطريقة غير مُرضية، فنجد إسفافا أو إباحية وعدم احتراف في اختيار الكلمات، فكلام الكاريكاتير البسيط شيء والكلام "الشوارعي" شي آخر.

  

من جانب آخر فإن ظاهرة "صناعة المحتوى من الجمهور" رغم إيجابياتها فإنها ساهمت بانتشار ظارهرة الـ "Mems"، أي ليس بالضرورة أن أكون رسام كاريكاتير، فأي صورة مضحكة يمكن لأي شخص استعارتها بـ "القص واللصق" ثم يكتب تعليقا تحتها ليتشارك بها الجمهور عبر المنصات المختلفة، وربما تصبح أهم من الكاريكاتير وأشهر منه، وهي بالفعل أخذت حيزا كبيرا من دور الكاريكاتير.

   

  

ميدان: ما العوامل التي أثّرت في تشكيل الهوية الفنية لعماد حجاج، بحيث أصبحت رسوماته وخطوطه تُعرف حتى وإن لم نر توقيعه في نهاية العمل؟

عماد حجاج: ربما من الصعب عليّ تفسير ذلك، إلا أنه لو سُئلت عن حياتي لقلت إنها سلسلة من المواقف والمصادفات، وفي كل مرة كنت أتخذ فيها قرارا دون أن أعرف مآلات ذلك القرار. فربما لو سألت عماد أيام السبعينيات عن طموحه لقلت مثلا أريد أن أصبح رائد فضاء، ولو كان السؤال في الثمانينيات لقلت أريد أن أكون مهندسا معماريا، وهكذا. وحين غيّرت تخصصي للفنون كنت أريد أن أكون رساما وليس رسام كاريكاتير.

 

بشكل عام أنا أحب الصدق بالتعبير، فأنا لا أحب المناطق الرمادية في الطرح، وأتجه نحو الوضوح ليكون الكاريكاتير زفرة حقيقية تُعبر عن مكنونات الناس، بعيدا عن المجاملات. هذه أسباب أظن أنها قربتني من الجمهور. ومن جانب آخر ابتكاري لشخصية تظهر بأغلب رسوماتي جعلت لهذه الشخصية وقعا خاصا في قلوب الناس؛ وهي شخصية "أبو محجوب"، فهو ساعد ليكون أداة تواصل بيني وبين الجمهور. فكانت هذه الشخصية من أوائل الشخصيات الكاريكاتيرية التي انتشرت في الأردن ثم العالم العربي، وهي شخصية مرِحة تُظهر الجانب الطريف بالشخصية الأردنية بسرده "نكتة" في كل يوم.

  

إضافة إلى ما سبق، أنا حريص على أخذ عملي بجدية تامة، فمثلا إذا لم يكن لدي فكرة للرسم، لا أطوّع نفسي للرسم مرغما فقط لأجل الرسم. وهذا ما يُفسر أن ضغط الالتزام اليومي للفنان بصحيفة ما أو مؤسسة إعلامية يعتبر محرقة له. لذلك نصيحتي لكل فنان أنك إن لم يكن لديك شيء جديد لتقوله فلا ترسم. وهذا سبب لاختلاف مستويات الرسامين، فهناك من يرسم دون فكرة وهذا خطأ. لذلك أحاول في كل رسمة أن أقدم شيئا جديدا ودهشة جديدة للقارئ، كما أحترم عقل القارئ وذاكرته أيضا؛ فهناك ظاهرة لدى رسامي الكاريكاتير وهي "إعادة التدوير"، أي إعادة نشر رسم قديم، أنا لا أُفضّل هذه الطريقة، وإن اضطررت لاستخدامها فسأضع إشارة "إعادة تدوير" احتراما لذاكرة القارئ.

   

   

ميدان: على ذكر "أبو محجوب"، ما القصة وراء هذه الشخصية؟ وما الأسباب وراء اتخاذ رسامي الكاريكاتير شخصيات تتحدث بصوتهم؟

عماد حجاج: استلهمت "أبو محجوب" من شخصية والدي، رحمه الله، حيث كان شخصية مؤثرة في عائلتنا، خاصة بالفترة التي نشأت فيها، أي قبل الدراسة الجامعية. أنا أنحدر من أسرة فقيرة وكان والدي يعمل في مؤسسة الجيش، إلا أنه تقاعد فجأة، وهذه الفترة كانت صعبة جدا حيث عانينا فيها ماديا، لكن المميز في هذه الفترة هو شخصية والدي، فرغم همومه وما أحاط به من صعوبات فإنه لم يفتقد حسّ السخرية، فكان عدميا وساخرا بكل ما يحكيه؛ بالأمثال وبطريقة تفاعله مع واقعه السيئ وفي طريقة تعامله مع أبنائه، كل ذلك أثّر على شخصيتي بعد سنوات طويلة بعد أن أصبحت رسام كاريكاتير، فلم أجد أنسب من شخصية والدي لأحاكيها وأعطيها اسم "أبو محجوب."

 

وهو يشبهه إلى حد كبير بلباسه الرمادي المخطط و"شماغه" الأحمر المائل، الفارق فقط في بعض تفاصيل الوجه التي أخفيتها كي لا يُعرف في حينه، إلا أن روحه وشخصيته هي ذاتها، حتى في جلسته على شرفة المنزل وأمامه إبريق الشاي الأصفر (إشارة إلى رسم كاريكاتيري معروف). فكان أبي يجلس هكذا ويعلّق ساخرا على كل الأحداث المحيطة به الاجتماعية منها والسياسية.

   

بالنسبة للاسم فلقد اختلقته اختلاقا واستوحيته من اسم مطعم قديم في عمّان، وللاسم دلالة لطيفة، فمعنى "محجوب" المخفي، كما أن وقعه جميل وخفيف للنطق والسمع. أما وجود شخصية معتمدة تتحدث بلساننا، فهي مهمة في كل الأعمال الإبداعية، في المسرح والرواية وغيرها. فنجد أن المبدع أو الفنان يلجأ إلى قالب أو شخصية يضع فيها رسالته لتكون أقرب إلى الناس وأسهل في ابتكار الأفكار؛ مثلا شارلوك هولمز أو ميكي ماوس أو أيا كان، ومع الوقت تجد أن هذه الشخصية ستنضج وتكبر وتتجسد وكأنها تعيش معك، تحاورها وتناقشها، وبالتالي تكون أسهل للتعامل مع القارئ.

   

يرى البعض أن خلق مثل هذه الشخصيات مقتل للمبدع لأنها باعتقادهم تقيّده. فمثلا الفنان دريد لحام إذا أدى شخصية أخرى غير "غوّار" لا نقبله. إلا أن هناك من أبدع في ابتكاره للشخصيات، مثل ناجي العلي، الذي ابتكر حنظلة وأصبح أيقونة من أيقونات القضية الفلسطينية. أحيانا يخرج الفنان من هذا المأزق بأن يُنتج أعمالا بدون تلك الشخصيات كمَخرج من مسألة التقييد هذه، فأنا أحيانا أرسم دون شخصية أبو محجوب، وتنجح الرسومات ويكون لها تأثير.

  

 

   

ميدان: هل تأثرت برسام كاريكاتير أو فنان محدد؟

عماد حجاج: الجميل بفن الكاريكاتير أنه يختلف عن باقي الفنون التشكيلية، أي لا ينتمي للمدارس الفنية المعروفة؛ كالانطباعية والتعبيرية وغيرها. حتى إنه لا يوجد تعريف محدد لفن الكاريكاتير، فهو ليس رسما بالكامل، وأحد التعريفات التي أحب لهذا الفن أنه "مزيج ما بين السياسة والفن والصحافة". أما إن كان هناك بعض التجسيدات الفنية للكاريكاتير، فهناك رسّامون عالميون مثلا يرسمون الكاريكاتير رسما تجريديا، أو بمسحة انطباعية، لكن هل كل رسومات الكاريكاتير تنطبق عليها المدارس الفنية؟ بالطبع لا. لكن أستطيع أن أقول إن لكل رسام كاريكاتير -خاصة في العالم العربي- مدرسته الخاصة به.

  

كل فنان في بداياته يتأثر برسم أو شخص ما، وهذا أمر طبيعي. أنا تأثرت في البداية بشخصيات الكارتون، ثم أصبحت أقلّد الرسومات الموجودة على الصحف، كرسومات ناجي العلي. لكن بعدها سيصبح للفنان أسلوبه وبصمته وهويته الخاصة التي تميزه عن غيره، وهذا تبعا لاجتهاده. حيث إن أكبر خطر يقع فيه رسام الكاريكاتير ضياع الهوية، خصوصا في هذا الزمن الذي كل ما فيه يشغل الحواس ويشوّشها، فإن لم يكن للفنان ما يميّزه ويجعل المتلقي يعرفه من بين باقي الفنانين فهو لم يصنع شيئا حقيقيا.

 

ميدان: تعرضت لانتقادات ومواجهات مع شخصيات سياسية كثيرة، وهي ما أفقدتك وظيفتك في فترة من الفترات، حتى إنك أُوقفت واستُدعيت للتحقيق أكثر من مرة، فهل ثمة تحوّل في مسيرتك الفنية والفكرية قبل وبعد هذه الأحداث؟ وهل تجد في ذلك تقييدا للإبداع؟

عماد حجاج: تعرضت لكثير من المضايقات والمشاكل خلال مسيرتي، آخرها كان "رسم المسيح" عليه السلام في العام الماضي، على خلفية قضية بيع الأوقاف المسيحية في البلدة القديمة في القدس للصهاينة، ومن حقي أن أعبّر بأدواتي عن هذا الفعل، وكان من المفترض وقتها أن أُعتقل بموجب قانون الجرائم الإلكترونية -هذا القانون غير العادل بحق المبدعين-، رغم أن الرسم غير مسيء للسيد المسيح، بل ينتقد السماسرة، ولست أول من يرسم السيد المسيح، فقبلي ناجي العلي أيضا وصلاح جاهين وغيرهم، فهو ليس من المحظورات، لكن الظرف لم يسعفني في تلك الفترة ليقوم أحد المواطنين بتقديم شكوى ضدي على خلفية هذا الرسم، فكان من المفترض اعتقالي في ذات اليوم، إلا أنه تم تدارك الأمر وكانت الجهات الأمنية في غاية اللطف معي واستبدلوا أخذ بعض التعهدات بالحضور في اليوم التالي بالتوقيف، وفعلا حضرت. 

   

    

   

وفي قصة قديمة في أواخر التسعينيات، وأثناء عملي في صحيفة الرأي الأردنية، تم استدعائي لإحدى الدوائر الأمنية على خلفية رسم رمز لدائرة أمنية، وحذروني حينها ألا أكرر هذا الأمر. لكن أي فنان يحترم فنه ونفسه لا يمكن تقييده، وهناك وسائل كثيرة للنقد. لذلك كنت أرسم لأبعد سقف ممكن أن أصله، حتى إنني أول من رسم شخصية الملك عبد الله الثاني، والكثير من الوزراء، وكنت من أوائل الرسامين الذين فتحوا ملفات الفساد وجرائم الشرف وغيرها من المساحات المظلمة. إلا أن ذلك انتهى نهاية حزينة فقد فُصلت من صحيفة الرأي عام 2000، وكانت طريقة قاسية جدا وغير لائقة، فهو المكان الذي منحته جزءا من اسمي وشهرتي في ذلك الحين، إلا أن ذلك لم يراعَ، ولدواعٍ أمنية حيّدوا أي اعتبار آخر، حتى إن رئيس الوزراء في حينها كان على علم بجميع ما يحدث.

   

كان ذلك أبرز تحوُّل مرّ بي في حياتي حيث كنت في أول شهرتي في الأردن، وكان المطلوب إقصاء عماد حجاج لأن سقفه مرتفع. فوجدت نفسي بلا عمل وبظروف قاسية جدا. لكني تجاوزت ذلك وعملت بصحف عدة، فكانت "رُبّ ضارة نافعة"، فانتشرت عربيا أكثر، وصببت اهتمامي على الوسائل الحديثة في الانتشار كمواقع التواصل، وأصبحت أرسم بسقف أعلى وأفق أكبر. ومن الإنصاف أن أتحدث عمّن كانوا إيجابيين معي حتى مع انتقادي ورسمي لهم، فكنت قد التقيت بالملك عبد الله الثاني بعد الرسم الذي رسمته له وشكرني وأثنى عليّ، كما أنه ذكر هذا الرسم بسياق إيجابي في كتابه "فرصتنا الأخيرة"، وهنا تصح كلمة بحق المعترضين بأنهم "ملكيون أكثر من الملك".

  

ميدان: لم تعد موظفا تابعا لجهة ما وأصبح لك مشروعك الخاص بعد هذه المسيرة، حدّثنا أكثر عن ذلك وكيف عملت على إدارة هذا المشروع؟

عماد حجاج: غالبا المؤسسات بجميع أشكالها تبقى أُطرا مقيِّدة للفنان، فأفضل ما يمكن أن يصل إليه الفنان هو أن يصبح مستقلا بذاته، ونحن نعيش بأفضل زمن يمكن للفنانين خلق المنصة الخاصة بهم، وهذا ما أعمل عليه حاليا. ولأن الكاريكاتير "أبو الرسوم المتحركة"، فيجب على الفنان أن يسعى لأن يطور عمله بتحويله إلى رسوم متحركة لأنها بمنزلة التجسيد الواقعي لتطور الكاريكاتير، فمن هذا المنطلق بدأت أعمل بشكل مستقل، فقمت بتأسيس شركة أكثر من مرة، وأولها كانت لإنتاج الرسوم المتحركة، فكانت شركة ريادية في الوطن العربي، وكانت أول شركة أنتجت أول رسوم متحركة بمحتوى عربي، وهو مسلسل "أبو محجوب" عام 2003. وفيما بعد سبقَنا زملاؤنا في مصر والخليج وتجاوزونا بكثير.

   

    

هناك تحدٍّ آخر، وهو إدامة المحتوى الكاريكاتيري على منصات التواصل الاجتماعي، فمن غير المجدي أن يعتمد الفنان على الجمهور فقط في مشاركة أعماله، وذلك لأن هذه المنصات لا تحكمها قوانين ولا مهنية ولا احترام لحقوق ملكية، لذلك يجب على الفنان أن يدير دفة أعماله بيديه. ولذلك أسعى لأن أجعل أكثر المنصات احتواء لأعمال عماد حجاج هي منصاتي الخاصة وليس مواقع أخرى. إضافة إلى حماية المنتج من خلال وسائل التتبع الإلكتروني والحماية الإلكترونية للمحتوى، وأحيانا بوسائل قضائية إن كان هناك إساءة استخدام.

   

ومن أبرز التحديات في عصر التكنولوجيا وجود الـ "mems"، فكثير من الأشخاص يقومون بقص رسوماتي وإلصاقها بطرق مختلفة، ولمواجهة ذلك قمت بعمل الـ "mems" الخاص بي، وفتحت المجال أمام القراء لتقديم أفكارهم لأقوم بالتعبير عنها والإشارة إلى أنها من ابتكارهم. 

   

   

ميدان: قمت بتأسيس إدارة الإبداع في صحيفة العربي الجديد بعد ثورات الربيع العربي، حدّثنا عن تجربتك في العمل الإداري بعيدا عن الرسم؟

عماد حجاج: كنت من أكثر الناس حماسا لثورات الربيع العربي، فكنت أول من رسم شرارة ذلك الربيع في تونس عندما حرق البوعزيزي نفسه، وكان حينها خبرا صغيرا، إلا أن الرسم انتشر بسرعة. ورسمت عن باقي الثورات بحماس شديد لأني كنت من أولئك الذين يئسوا من الشعوب العربية، وأرسم بعدمية وكأننا ذاهبون نحو المجهول وكأننا خارج التاريخ.

   

لذلك حين تأسست صحيفة العربي الجديد تحمست للفكرة، حيث كانت أول منصة إعلامية مكرسة لشباب الربيع العربي الذين حوربوا من إعلامهم الرسمي، فأحببت أن أكون مع هؤلاء الشباب لمتابعة المسيرة التي بدأوها. فأسست الفريق وكنت مسؤولا عن كل ما هو مرئي في الصحيفة، إلا أني لم أجد نفسي في العمل الإداري، لم أجد نفسي إلا رساما يرسم ما يريده وما يرى أنه يستحق الرسم، فبقيت رساما للكاريكاتير في الصحيفة، كما أني أدير الزاوية كاملة وأقوم بمراسلة رسامين عرب للمشاركة في هذه الزاوية.

   

ميدان: ما النصائح التي توجهها لرسامي الكاريكاتير من الشباب العربي؟

عماد حجاج: أنصح أي شاب أن يبدأ بداية صحيحة، أي أن يتعلم الرسم على أصوله، خاصة وأن كل الوسائل متاحة عبر فضاء الإنترنت. كما أنصحه بالتميز، بأن يخلق لنفسه بصمته وهويته الخاصة وأن يسعى جيدا للحصول على ذلك، ليحترم عقل القارئ بعيدا عما هو تافه ومستهلك. وأخيرا ألا ينتظر وسائل النشر التقليدية؛ كالفضائيات المشهورة أو الصحف التي لها وزن لتنشر له أعماله، بل عليه أن يبدأ مباشرة بفتح منصته الخاصة والنشر من خلالها، دون انتظار مقابل مادي أو شهرة في البدايات، بل أن يعمل بولاء تام لرسالته وبإيمان تام بموهبته.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار