انضم إلينا
اغلاق
سعود المولى لـ"ميدان": جبران باسيل جزء من موجة اليمين العنصري ولا يعبر عن المسيحيين!

سعود المولى لـ"ميدان": جبران باسيل جزء من موجة اليمين العنصري ولا يعبر عن المسيحيين!

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

يكفيك أن تتصفح أي موقع، أو صحيفة، أو تطالع قناة تلفزيونية لبنانية، حتى تجد وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل متربعا على إحدى الأجندات البارزة التي تتصل بالشأن العام اللبناني، وهو الشخصية السياسية التي لا تلبث إلا أن تعيد إنتاج ظهورها عبر تصريح جديد يعيد تسليط الأضواء على شخصه، وعلى الأفكار التي يتبناها رئيس التيار الوطني الحر.

   

صهر الرئيس اللبناني ميشال عون بات محل سجال واسع داخل أوساط المثقفين والصحفيين اللبنانيين في مساعيهم لنقاش تأثيرات تصريحات "باسيل" على النسيج الاجتماعي اللبناني. وعليه، قمنا في "ميدان" بمقابلة الدكتور سعود المولى، أستاذ علم الاجتماع السياسي السابق بالجامعة اللبنانية، والباحث المشارك بالمركز العربي للأبحاث والدراسات.

    

سعود المولى (مواقع التواصل)

    

نص المقابلة

ميدان: ما الذي يسعى له وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل عبر تصريحاته التي تطول اللاجئين باستمرار في صورة يراها الكثيرون عُنصرية؟ 

سعود المولى: يسعى باسيل إلى تكتيل عصبية طائفية مارونية تجعله الرجل الأقوى في طائفته، وذلك تمهيدا للتفاوض على حظوظه في خلافة عمه ميشال عون لرئاسة الجمهورية. هذه الإستراتيجية نجحت في العام ١٩٦٨ حين تشكّل ما سُمّي الحلف الثلاثي، وضمَّ رؤساء الأحزاب المسيحية يومها، بيار الجميل وكميل شمعون وريمون إده، وهذا الحلف كان قد عمل على الاستفادة من آثار نكسة ١٩٦٧ وهزيمة عبد الناصر وخروج التأثير الناصري من المعادلة اللبنانية الداخلية. أدّى ذلك يومها إلى انتفاضة ٢٣ أبريل/نيسان ١٩٦٩ التي أدخلت الفدائي الفلسطيني في المعادلة اللبنانية الداخلية بديلا عن عبد الناصر ونتج عنها اتفاق القاهرة في ٢ نوفمبر/تشرين الثاني ١٩٦٩، وفي المحصلة إلى الحرب الأهلية اللبنانية ١٩٧٥.

   

ميدان: هل حساسية جبران باسيل مقتصرة على اللاجئين تحديدا وما يُمثّلونه من "عبء" بحد وصفه، أم لكونهم مسلمين تحديدا؟

سعود المولى: حساسيته هي ضد كل المسلمين، وتحديدا السُّنة، وذلك ضمن المسعى القديم المتجدد لبناء تحالف باسم "حلف الأقليات" من المسيحيين والشيعة والعلويين وغيرهم. أما الدروز فهم يعتبرون تاريخيا حلفاء الأغلبية السنية، كما في أيام الدولة العثمانية. حلف الأقليات يعني دعم الأسد وإيران مقابل حكم لبنان وذلك بالتحالف مع شيعة إيران. بالمقابل، تدّعي السعودية ومصر والإمارات والبحرين دعم السُّنة ضد إيران، ولكن هذا الادعاء يستند إلى أساس ربطهم بحلف ترمب - بوتين - نتنياهو وصفقة القرن وكل ما تقوم به هذه الدول من تمزيق للصف العربي والإسلامي، وبيع للأرض والعرض والدين وقمع الحريات والمواطنين. وهذا ما يجعل المواجهة مع باسيل وعصابته في لبنان ضعيفة وصعبة ومعقَّدة، لأن سُنَّة لبنان كانوا ولا يزالون القاعدة الشعبية لحماية العروبة وفلسطين. وسُنَّة لبنان يخافون من إيران وحزب الله، فالجهة المقابلة التي تقدم الدعم، والمتمثلة في السعودية وحلفها، سيبيعونهم لترمب ونتنياهو. وهذا ما يشير إليه وضع سعد الحريري المأساوي.

     

   

ميدان: هل يمكن أن نقرأ تصريحات جبران باسيل من باب سعيه لحماية ما تبقى من الكيان المسيحي في لبنان؟

سعود المولى: كلا، بل هو سيدمر ما تبقى من كيان المسيحيين في الشرق. لأن الكيان المسيحي يحميه الدستور، واتفاق الطائف الذي أقر المناصفة والمساواة بين المسلمين والمسيحيين مهما كان العدد. علما أن عدد المسيحيين في لبنان هبط إلى أقل من ٣٢%. سياسة باسيل كارثية وانتحارية، لأنه يبني سياسته على وضع مؤقت مضطرب عماده قوة إيران وروسيا وانهيار الحلف العربي المقابل في أحضان أعداء العرب والمسلمين.

  

ميدان: هل جبران باسيل حالة شاذة في المجتمع اللبناني، أم أنه تعبير طبيعي عن الانقسامات الطائفية والدينية التي يتشكّل منها لبنان؟

سعود المولى: هو ليس حالة شاذة، صحيح. ولكنه حالة مشهورة بعدم تمثيلها للعمق المسيحي الحقيقي ولمصالح المسيحيين ورهاناتهم التاريخية في المنطقة. هو شبيه برهانات انتحارية سبق أن عرفها لبنان، استَشْرت وتعاظمت، ثم بادت. لأن الطائفيات اللبنانية وجدت على الدوام صيغا للتوازن والتعاون، أهمها اتفاق الطائف ١٩٨٩، وقبله الميثاق الوطني ١٩٤٣، وصيغة لا غالب ولا مغلوب ١٩٥٨. باسيل يدفع بالوضع إلى حدود الانفجار من دون رادع أو اتفاق توازن. هو يستفيد من انهيار النظام العربي وخضوع محور السعودية/الإمارات/مصر/البحرين لأميركا ترمب، مقابل تمدد وتقدم إيران. ولكن كما سبق القول، هذا وضع مؤقت رجراج قد ينقلب في أي لحظة كما حصل، ولات الساعة ساعة مندم.

  

ميدان: مؤخرا، ارتبط اسم وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل والرئيس اللبناني ميشال عون بقرار بلدية الحدث في بيروت والتي أصدرت قرارا داخليا يمنع تأجير أو بيع أي عقار للمسلمين دون الرجوع لوزارة الداخلية والبلدية المنوط بها إصدار مثل هذه القرارات، فما دلالات مثل هذا القرار على الواقع اللبناني؟

سعود المولى: هو قرار قديم للأسف، اعتمده العونيون في بلدة الحدث منذ ١٩٩٨، ولكنه طفا اليوم مجددا على السطح ليعكس مستوى التعبئة العنصرية الطائفية لشد العصب الماروني في صفوف العونيين. هو على كل حال يشبه عمليات التطهير العنصري الطائفي التي قام، ويقوم، بها نظام الأسد وروسيا وإيران في سورية. والذي يجب أن يقال هنا إن حزب الله يصمت على القرار خدمة لحليفه، ولدعمه شعبيا من جهة، ولكي لا يفتح له ملف طرد المسيحيين من مناطق كثيرة في الضاحية الجنوبية مثل برج البراجنة وحارة حريك.

    

الرئيس اللبناني "ميشيل عون" ووزير الخارجية "جبران باسيل" (الجزيرة)

    

ميدان: هل يسعى جبران باسيل من خلال تصريحاته للقفز على الموجة الشعبوية المتصاعدة عالميا؟

سعود المولى: هو بالفعل جزء من موجة اليمين العنصري الصاعدة في العالم، مدعومة من بوتين وترمب على السواء. فترمب معروف الأصل والفصل والحل والنسب. أما بوتين، فقد دعم ويدعم كل عنصريي اليمين الأوروبي المتطرف، وقد أقام مؤخرا علاقات متميزة مع جبران باسيل وتياره، لا بل أسسوا حزبا أرثوذكسيا مشرقيا متطرفا في يمينيته العنصرية.

 

ميدان: هناك تحولات واضحة في علاقة وزير الخارجية جبران باسيل مع حلفائه السابقين بعد وصوله للسلطة، خصوصا مع حزب الله ورئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي، ما أسباب هذا التحول؟

سعود المولى: لا تحوّل أبدا. العلاقة مع حزب الله متينة يحكمها اتفاق حارة حريك في فبراير/شباط ٢٠٠٦، ولعل باسيل ينفذ سياسة الحزب في التوتير الداخلي نيابة عنه ليتفرغ هو لأمور أخرى. أما العلاقة مع حركة أمل فقد كانت على الدوام سيئة وسيئة جدا.

 

ميدان: ما تأثيرات خطاب جبران باسيل على الواقع الاجتماعي السياسي اللبناني، خصوصا مع تصاعد نبرة الكراهية على المستوى السياسي الرسمي؟

سعود المولى: التأثير الأهم يتمثّل في إحداث استقطاب ثنائي حاد كان حزب الله سبقه إليه منذ العام ٢٠٠٥ حين فجر الفتنة السنية الشيعية، بالاغتيالات وما تلاها، وصولا إلى احتلال بيروت في مايو/أيار ٢٠٠٨ ثم المشاركة في الحرب ضد الشعب السوري. اليوم باسيل يُعمِّق الانقسام والاستقطاب الطائفي ويضيف إليه نكهة عنصرية يمينية أوروبية ساهمت في الماضي في إدامة الحرب الأهلية اللبنانية تحت شعار "طرد الفلسطينيين". في سنوات الحرب الأولى شارك مئات المقاتلين من الحركات اليمينية الأوروبية الصليبية والفاشية في القتال في لبنان. اليوم يقوم تيار باسيل باستحضار أعلام وشارات الحروب الصليبية من جديد. الأمر الأخطر يتمثّل في استخدام أجهزة ومؤسسات الدولة من وزارة خارجية ووزارات أخرى ومن أجهزة أمنية وبلديات للقيام بهذه الحملات. مواجهة الفاشية الباسيلية صارت قضية الساعة في لبنان. من هنا تكمن أهمية البيان الذي صدَرَ عن مئات الشخصيات اللبنانية ضد العنصرية وخطاب الكراهية، والبيان استقطب آلاف التواقيع حتى الآن.

    

لا يوجد شعب أو بلد لا يعرف نسبة تزيد أو تنقص من العنصرية أو شكلا من أشكالها، وخطاب الكراهية يثمر وينمو في بيئات كثيرة، خصوصا في زمن انفجار الهويات وصراعها

الجزيرة
   

ميدان: هل يمكن أن تنعكس تأثيرات هذا الخطاب العنصري لمواجهات على الأرض؟ أم أن تأثيراته ستقتصر على المساجلات الإعلامية؟

سعود المولى: على الأرض حصلت، وتحصل، اعتداءات يومية على اللاجئين السوريين. لكن الأخطر هو أن حملة الكراهية هذه تقدم الغطاء الشعبي للمارسات الأمنية الرسمية ضد اللاجئين.

   

ميدان: هل يمكن القول إن هناك هوية لبنانية؟ أم أن الطائفة والحزب تتجاوز الدولة القومية اللبنانية؟

سعود المولى: بالطبع هناك هوية لبنانية مثلها مثل الفلسطينية والسورية والعراقية، وبالطبع هوية الطائفة والحزب في بلادنا تتجاوز هوية الوطن، وذلك لأن الدولة ضعيفة أو منهارة أو هي دولة طائفية حزبية بامتياز. ليست الطائفية سمة لبنانية، بل هي سمة عربية خلدونية بعنوان العصبية. المهم قوله هنا إنه لا يوجد شعب أو بلد لا يعرف نسبة تزيد أو تنقص من العنصرية أو شكلا من أشكالها، وخطاب الكراهية يثمر وينمو في بيئات كثيرة، خصوصا في زمن انفجار الهويات وصراعها. المهم هو بلورة رؤية وطنية ديمقراطية تحررية جامعة وخوض المعركة بوضوح وحزم، كي لا يصح فينا مثل البدوي: "الصيفَ ضيّعتِ اللبن". 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار