انضم إلينا
اغلاق
ربيع شباب العراق.. من يحسم صراع العروش في بغداد؟

ربيع شباب العراق.. من يحسم صراع العروش في بغداد؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

يُعرف في أوساط النظرية العلمية للفوضى باسم "أثر الفراشة"، أما في الأمثال الشعبية فغالبا ما يقال إنها "القشة التي قصمت ظهر البعير"، وهما مصطلح ومَثَل شعبي يعنيان تسبّب مثير ضعيف نسبيا في حدوث رد فعل قوي غير متوقع وغير متناسب مع السبب الذي أثاره بشكل مباشر، ليخبرانا أنه لا ينبغي لنا الاكتفاء بالنظر إلى الوقائع المباشرة، وأنه ربما يتعيّن البحث بهدوء في قائمة طويلة من الأسباب القديمة والكامنة لما نشاهده من أجل تجنّب الوقوع في فخ التبسيط والاختزال وسوء الفهم.

   

ينطبق هذا تماما على مظاهرات العراق الأخيرة التي اندلعت مطلع أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، وللوهلة الأولى؛ كان السبب الظاهر وراء انفجار الغضب الساطع العراقي هو الإبعاد غير المتوقع للجنرال المرموق "عبد الوهاب الساعدي"، قائد قوة مكافحة الإرهاب، من قِبل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ونقله للعمل في وظيفة إدارية في وزارة الدفاع دون إبداء أسباب، وهو قرار اعترض عليه الساعدي نفسه علنا، واعتبره "عقوبة وإهانة لرتبته العسكرية" حدّ تعبيره.

   

بدأت قصة صعود الجنرال صاحب النجوم الثلاث مع تأسيس جهاز محاربة الإرهاب العراقي، وهو فرقة نخبة عسكرية تتمتع باستقلال كامل عن الجيش العراقي أُسّست بدعم من القوات الخاصة الأميركية بهدف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وأُطلق عليها اسم "الفرقة الذهبية"، وبخلاف سائر الأجهزة العسكرية العراقية التي هيمنت عليها المحسوبية والصبغة الطائفية إلى حدٍّ كبير، اكتسبت الفرقة الذهبية سمعة جيدة بوصفها أكثر قومية وأكثر التزاما بمعايير الكفاءة المدنية، فضلا عن بُعدها عن هيمنة وصراعات الطوائف والأحزاب.

 

الجنرال عبد الوهاب الساعدي (رويترز)

     

وبحلول موعد معارك الموصل في عام 2017، كُلِّفت "الفرقة الذهبية" بالوقوف في الخطوط الأمامية للمعركة حيث لعبت دورا قياديا في الحرب ضد "تنظيم الدولة" رافعة علم العراق وحده، في تناقض واضح مع سلوك ميليشيات الحشد الشعبي التي غالبا ما كانت ترفع أعلامها الخاصة، وهو ما دفع رئيس الوزراء آنذاك "حيدر العبادي" إلى إصدار قرار بمنع الميليشيات الشيعية من المشاركة في العمليات العسكرية في الموصل خشية إثارة صراعات طائفية مع سكان المحافظة من السنة.

   

في ضوء تلك النجاحات التي حققتها وحدة مكافحة الإرهاب الجديدة، لا يُعَدُّ من الصعب استنتاج لماذا يتمتع "الساعدي" بشعبية كبيرة في العراق رغم أنه غير معروف خارج البلاد إلى حدٍّ كبير، فالجنرال صاحب الـ56 عاما، وابن مدينة الصدر، ينسب له اليوم الكثير من الفضل في استعادة معظم الأراضي العراقية من قبضة "تنظيم الدولة"، وعلى الأخص في الموصل والرمادي، ومع إصابته أربع مرات خلال هذه المعارك، لم يكن من المستغرب أن شعبية "الساعدي" ترسخت في الأوساط الشيعية والسنية على حدٍّ سواء، لدرجة أنه نُصِّب تمثال له في الموصل، إحدى أهم المحافظات ذات الأغلبية السنية.

   

لكن حقيقة أن الساعدي وفرقته تلقوا تدريبات متكررة من قِبل الولايات المتحدة يبدو أنها أثارت حنق طبقة النخبة العراقية الموالية لإيران، خاصة أن فرقة مكافحة الإرهاب الجديدة اقتطعت قدرا لا بأس به من حصة نفوذ ميليشيات الحشد الشعبي التي دُرِّبت بواسطة الحرس الثوري الإيراني وتخضع لإشراف "هادي العامري"، السياسي العراقي البارز المقرّب من إيران وزعيم أحد أكبر تكتلين في البرلمان العراقي، وهو ما دفع الساسة المقربين من طهران إلى السعي لاتخاذ خطوات لتقويض القوة العسكرية الأبرز التي يرون أنها مقرّبة من واشنطن.

     

  

تسارعت هذه الخطوات قبل أسابيع على ما يبدو، عندما تبيّن أن الجنرال المرموق زار السفارة الأميركية في بغداد بدعوى الحصول على تأشيرة من أجل حضور فعالية للحديث عن مكافحة الإرهاب في جامعة هارفارد، وهو ما أثار تكهنات أكبر حول طبيعة العلاقة التي يتمتع بها الجنرال مع الجيش الأميركي، وبالنظر إلى شعبيته الكبيرة وقيادته لأبرز قوات النخبة العراقية، بدا من الواضح أن النخب السياسية العراقية، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء "عبد المهدي" نفسه، باتت تنظر للساعدي كتهديد مُقلق لسلطتها، ما دفعها كما يُرجح للتحرك لإزاحته من منصبه، وتعيين(1) جنرال أكثر قربا من طهران.

   

لكن الإطاحة بالساعدي أثبتت أنها القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للعراقيين، حيث وفّرت لهم بابا للتمرد ضد النخبة الحاكمة المسيطرة على الحكومة خلال حقبة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، حيث كان إبعاد الساعدي فيما يبدو رمزا لكل ما يكرهه العراقيون حول حكوماتهم، بداية من هيمنة المحسوبية والطائفية على القرارات الحكومية، ومرورا بالفساد وانعدام الشفافية، وليس انتهاء بوقوع قرارات الحكومة رهينة التنافس بين القوى الخارجية، وهو ما أثمر في نهاية المطاف كل مرة عن حكومات عاجزة عن الوفاء بالحد الأدنى لمتطلبات الحياة الضرورية لشعبها.

  

دفعت هذه الأسباب كلها العراقيين للتدفق إلى الشوارع، وعلى عكس توقعاتهم، اختارت الحكومة منذ اللحظة الأولى مواجهة المتظاهرين بأكبر قدر من القمع، بداية من استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، وصولا لإطلاق الرصاص على الرؤوس وهو ما أدّى إلى سقوط 323 قتيلا على الأقل للآن، بخلاف عدد يتجاوز 15 ألف مصاب، ومئات من الناشطين والصحفيين الذين اعتُقلوا من قِبل أجهزة الاستخبارات والجماعات شبه العسكرية المتحالفة مع الحكومة.

   

  

بالنسبة إلى العراقيين، وفّر القمع العنيف علامة إضافية حول مدى انفصال النخبة الحاكمة عن الوقائع القاسية للحياة اليومية في البلاد، وتسبّب في زيادة وتيرة التظاهرات وأعداد المشاركين فيها بشكل غير مسبوق منذ الغزو الأميركي، وتصاعدت المطالب الخاصة بها لتشمل ليس فقط إسقاط حكومة "عادل عبد المهدي"، ولكن أيضا إعادة النظر في النظام السياسي غير الكفء في عراق ما بعد الاحتلال، ربما بالتحول إلى النظام الرئاسي لتقليص هيمنة الطوائف والأحزاب، أو حتى تنصيب حكومة عسكرية، كما طالب بعض المحتجين اليائسين الذين تحدثوا(2) إلى "بيشا ماجد" في تقريرها الميداني لمجلة فورين بوليسي.

  

لكن الطريق نحو إحداث تغيير حقيقي في العراق لن يكون مفروشا بالورود، وكما أثبتت تجارب الحكومات المتتالية منذ عام 2003، فإن أوجه القصور التي تعاني منها البلاد لا يمكن عزوها فقط إلى فشل القادة السياسيين، وبدلا من ذلك فإن هناك جذورا كامنة للفساد والتردي السياسي والاقتصادي تكمن في طبيعة المجتمع العراقي المنقسم بفعل تعدد الطوائف والأعراق، وتاريخ البلاد المكتظ بالصراعات الداخلية والخارجية، ووقوع بغداد رهينة لمنافسات إقليمية ودولية حول القوة والنفوذ، سواء بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين إيران نفسها ودول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

  

صراع الهوية الأكبر

على الرغم من أن بلاد ما بين النهرين كانت موطنا لأقدم حضارات العالم في العصر القديم ومركزا للخلافة العباسية في العصر الإسلامي، فإن العراق الحديث كان دولة مصطنعة إلى حدٍّ كبير، حيث خُطَّت حدوده بشكل عشوائي في أعقاب الحرب العالمية الأولى دون الأخذ بالاعتبار التاريخ الإثني والعِرقي والمذهبي للمنطقة. عِرقيا، يُعَدُّ العرب هم الفصيل المهيمن في العراق مع أقلية كردية كبيرة تتركز في الشمال، وأقليات أخرى أقل عددا في جميع أنحاء البلاد اضطر الكثير منها إلى مغادرة العراق بعد الغزو الأميركي، أما على المستوى الديني، ورغم أن قرابة 95% من سكّان العراق مسلمون، فإن هؤلاء المسلمين كانوا منقسمين بعمق بين أغلبية شيعية وأقلية سنية كبيرة نسبيا.

   

  

وللمفارقة، فإن ديناميات السلطة في العراق كانت في صالح السُّنة في معظم الأوقات على حساب الأغلبية الشيعية، فرغم أن القيادة الدينية الشيعية هيمنت على السلطة والنفوذ خلال الأعوام الأخيرة للحكم العثماني قبل الحرب العالمية الأولى، فإن احتلال بريطانيا للعراق قلب(3) الأمور بشكل كبير، وأدّى إلى تأسيس مملكة سُنية عام 1921، ولم يُعيَّن رئيس وزراء شيعي للبلاد سوى عام 1947، بعد قرابة 28 عاما من تأسيس الدولة مطلع العشرينيات. وعلى أمل تحسين وضعهم، انجذب الكثير من الشيعة إلى المنظمات الراديكالية، خاصة الحزب الشيوعي وأيضا حزب البعث القومي العربي خلال حقبة الخمسينيات وأوائل الستينيات، ونتيجة لذلك، وعندما أطاحت الثورة بالملكية عام 1958، مُثِّلَ الشيعة في الحكومة العسكرية التي تولّت السلطة، لكن هذا الترتيب أُطيح به في انقلاب عام 1968 الذي حمل حزب البعث منفردا إلى السلطة.

  

وبحلول الوقت الذي رسّخ فيه البعث سلطته، كانت القيادة في الحزب قد رُكِّزت في أيدي مجموعة ضيقة من رجال القبائل السُّنة، وفي مقدمتهم نائب الرئيس القوي -والرئيس لاحقا- صدام حسين الذي سخّر جهوده لتصفية خصومه السياسيين والدينيين من أجل ترسيخ سلطته، وهو ما كان يعني دخول الشيعة حقبة طويلة من التهميش السياسي امتدت قرابة ثلاثة عقود ونصف، ورغم أن حكم صدام حسين انتهى مع الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، فإن هذا الغزو رسّخ نسخة معاكسة من الطائفية ذاتها التي صبغت أنظمة الحكم في العراق طوال تاريخها الحديث.

  

من وجهة نظر الأميركيين، كان الحل الأمثل لمشكلات العراق هو تأسيس نظام مُحاصصة طائفي داخل السلطة شبيه بالنظام الذي رسّخه الفرنسيون في لبنان، حيث تتولّى الأغلبية الشيعية قيادة الحكومة، بينما يذهب منصب الرئاسة إلى الأكراد ومنصب رئيس البرلمان إلى السُّنة، لكن الحقيقة التي فرضت نفسها في نهاية المطاف هي أن الأغلبية الشيعية هيمنت على مفاتيح السلطة الحقيقية، فيما جرى قمع وتهميش السُّنة الذين لم يتصالحوا أبدا مع موقفهم في ظل النظام الجديد، وهو ما أدّى إلى نشوب توترات طائفية تطورت إلى حرب أهلية، لكن الحقيقة الأكبر التي بدأت تتكشّف مع مرور الوقت أن الشيعة العراقيين أنفسهم ليسوا موحَّدين سياسيا أو دينيا، وأن المؤسسة الدينية الشيعية العراقية باتت مُنقسمة أيديولوجيًّا بين أنصار التشيّع المحافظ سياسيا من أتباع رجل الدين الشيعي العراقي آية الله "أبي القاسم الخوئي"، وبين تيار أكثر شبابا ممّن تأثروا بالثورة الإيرانية وفلسفة آية الله "الخميني".

  

ترسّخ(4) هذا الخلاف بشكل كبير بسبب إقامة العديد من المعارضين الشيعة العراقيين في إيران إبان حكم صدام حسين، إلى درجة أن بعضهم خاض الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات في صفوف طهران، وقد طوّر هؤلاء مواقف دينية وسياسية أكثر موالاة لطهران استمرت حتى عندما عادوا إلى العراق بعد 2003 وحازوا مناصب بارزة في الحكومة، وهو ما وضعهم على خلاف مباشر مع نظرائهم الذين بقوا في العراق خلال عهد صدام، خاصة أتباع رجل الدين البارز "محمد صادق الصدر" ممّن احتفظوا برؤية أكثر قومية لعراق عربي بعيدا عن نفوذ إيران والولايات المتحدة على حدٍّ سواء.

    

 "محمد صادق الصدر" (مواقع التواصل)

    

تحوّلت هذه المنافسة الشيعية إلى مصدر جديد للصراع الداخلي، وهو صراع حسمه الموالون سياسيا لإيران لصالحهم بشكل كبير مع صعود نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء عام 2006، وهيمنوا بشكل واضح على السلطة والحكومة العراقية، واستغلوا التوترات الطائفية مع السُّنة والصراعات مع تنظيم القاعدة ولاحقا مع تنظيم الدولة لحشد الدعم الطائفي من الجماهير الشيعية، وهي جماهير تجنّبت المشاركة في أي احتجاجات ضد الحكومة دون الحصول على ضوء أخضر من الرموز الدينية والسياسية الشيعية، وفي الوقت نفسه استفادت هذه النُّخب الجديدة من الدعم الإيراني لترسيخ نفسها في الهياكل السياسية والعسكرية للدولة الجديدة وأنشأت نظاما فعّالا للمحسوبية السياسية للحفاظ على الولاء.

  

لكن كعادة جميع أنظمة المحسوبية السياسية، فإن الفشل وانفجار الأوضاع يبقى حتميا مهما طال الأمد، ومع اقتراب الصراع مع تنظيم الدولة من نهايته أيقن(5) الشيعة العراقيون أنهم ذهبوا ضحية لنظام سياسي مُصمَّم بالأساس لتقديم خدمة كاملة لمصالح السياسيين ورعاتهم الخارجيين، وصاروا ينظرون إلى الأحزاب السياسية على أنها متواطئة في ترسيخ الفساد، وبعد أن وُظِّفت الجماعات شبه العسكرية الموالية لإيران في قمع الاحتجاجات في الأعوام الأخيرة، تحوّلت نظرة العديد من الشيعة العراقيين لتصبح أكثر عدائية تجاه إيران، وهو ما منح الفرصة للشيعة القوميين لتصدّر المشهد للمرة الأولى منذ عام 2003.

  

معضلة القومية العراقية

في هذه الأجواء ظهر "مقتدى الصدر"، الابن الرابع لمحمد صادق الصدر، متصدرا المشهد السياسي مرة أخرى بعد اختفاء دام سنوات إثر المشاركة الدموية لجيش المهدي التابع له في الحرب الأهلية العراقية بين عامي 2006 و2008، وبعد أن عاد قام بإعادة تشكيل جيش المهدي وتحويله إلى منظمة خدمية بالأساس، وأعاد تقديم نفسه كوجه عراقي قومي مُعادٍ للنفوذ الإيراني والأميركي معا، رغم أن الصدر نفسه سبق أن تلقّى دعما من إيران خلال السنوات الأولى للغزو الأميركي.

   

مقتدى الصدر (رويترز)

  

ورغم أن الصدر يُعرف على أنه زعيم سياسي أكثر من كونه مُرشدا دينيا، فإنه سارع لاستغلال الفراغ الديني الواضح الذي صاحب تقليص المرجع الأكبر آية الله "علي السيستاني" لحضوره السياسي بعد أن "بح صوته" من الدعوة للإصلاح حدّ تعبيره، حيث كانت تلك فرصة مثالية للصدر لدفع أنصاره إلى الشوارع العراقية منذ مطلع عام 2017 تحت شعارات متعددة "تُدندن" حول الإصلاح ومكافحة الفساد وتُندّد بالسيطرة الإيرانية على القرارات الحكومية. ورغم أن التيار الصدري كان يملك في ذلك التوقيت 32 نائبا في مجلس النواب العراقي إضافة إلى ثلاثة وزراء في الحكومة، فإن الصدر لم يُقْدِم في أي لحظة على سحب وزرائه أو نوّابه، واضعا نفسه في موقف فريد على الساحة العراقية بقدم في الحكومة وأخرى في المعارضة.

  

ومن خلال احتكار الشارع ودعوات الإصلاح على مدار قرابة عام ونصف، نجح مقتدى الصدر في رفع شعبيته بشكل ملحوظ، وهو ما انعكس في نتائج الانتخابات البرلمانية في مايو/أيار للعام الماضي 2018، حيث حصل تحالف "سائرون" الذي يقوده الصدر على أكثرية المقاعد بفارق ضئيل عن تحالف "الفتح" الذي يقوده "هادي العامري"، ليتوصل الطرفان إلى اتفاق بعدها بقرابة 6 أشهر لتشكيل حكومة يقودها "عادل عبد المهدي"، التكنوقراط المخضرم، لكن الصراعات الداخلية بين الأحزاب السياسية والتجاذبات الإقليمية بين طهران والرياض والدولية بين طهران وواشنطن تسبّبت في فشل حكومة عبد المهدي التي انشغلت بالصراعات الداخلية والحرائق الإقليمية على حساب تلبية المطالب الحقيقية للعراقيين؛ وهو ما دفع الجماهير مجددا إلى الشوارع.

  

كانت تظاهرات البصرة التي تكثّفت في الربع الأخير من 2018 احتجاجا على انهيار خدمات المياه والكهرباء الحيوية في المحافظة النفطية أشبه ما يكون بنسخة توضيحية مُصغّرة وتجربة سابقة لما يشهده العراق اليوم، حيث اندلعت المظاهرات التي شهدتها المدينة النفطية الحيوية بشكل مفاجئ وندّدت بوضوح بالفساد وانعدام الكفاءة في الأداء الحكومي، حتى إن البُعد المعادي لإيران في التظاهرات كان حاضرا بشكل ملحوظ حين اقتحم المتظاهرون القنصلية الإيرانية في البصرة وقاموا بحرقها بعد محاصرتها لساعات، ما دفع طهران لدعوة رعاياها لمغادرة المحافظة، ورغم أن هذه التظاهرات حظيت بمباركة بعض السياسيين الشيعة، وفي مقدمتهم مقتدى الصدر نفسه، فإن الأمر اللافت بشأنها أنها اندلعت بالأساس دون أي دعوة من أي جهة دينية أو سياسية، وكان المشاركون فيها من الطبقات الجماهيرية الشيعية غير المنخرطة في الشأن السياسي تقليديا بشكل كبير.

    

كانت التظاهرات العراقية الأخيرة صادمة للسلطات الحاكمة، حيث تحرّك الشارع الشيعي عمليا وبشكل مستقل ضد نظام سياسي يُهيمن عليه الشيعة أنفسهم

رويترز
   

ومع ذلك، يبدو أن الطبقة السياسية في العراق فشلت في فهم الرسالة التي بعثتها احتجاجات البصرة، بما يعني أنها لم تكن سوى مسألة وقت قبل أن تشتعل الاحتجاجات من جديد، وفي هذه المرة يبدو أنها جاءت مختلفة عن جميع موجات الاحتجاج التي عرفها العراق على مدار السنوات الفائتة، حيث تدفّق مئات الآلاف من العراقيين إلى الشوارع مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي للاحتجاج ضد الفساد الحكومي وسوء الأحوال الاقتصادية، وكما تخبرنا "شيرين هانتر"، الدبلوماسية الإيرانية السابقة وأول سيدة تشغل منصبا في وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية، والأكاديمية المرموقة في جامعة جورج تاون بواشنطن، في تصريحاتها الخاصة لـ "ميدان"، فإن هذه الاحتجاجات تُعَدُّ هي "الأطول زمنا والأكثر تدميرا في العراق في الأعوام الأخيرة، حيث تُقدَّر الأضرار المادية التي تسبّبت بها بنحو 6 مليارات دولار".

  

تخبرنا "هانتر" أيضا أن "المظاهر المُعادية لإيران في هذه الاحتجاجات تُعَدُّ أكثر حضورا وأهمية من الاحتجاجات السابقة"، حيث يُعتقد أن بعض القادة العراقيين المناوئين لطهران شجعوا الهجمات على القنصلية الإيرانية في كربلاء، بما يعني أن الاحتجاجات الحالية يمكن اعتبارها بوجه من الوجوه أحد تداعيات الانقسامات بين السياسيين الشيعة من المتدينين وغير المتدينين على حدٍّ سواء، انقسامات ترى "هانتر" أنها ستصبح أكثر حدّة "بمجرد وفاة المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني وبدء المنافسة حول مَن سيحل محله كمرجع رئيس".

  

لكن في حين يُعتقد أن بعض السياسيين العراقيين يشجعون التظاهرات بالفعل، وعلى رأسهم الصدر الذي يمارس عادته الأثيرة في القفز بين مقاعد الحكم والمعارضة، فمن الواضح أن المظالم والمطالب المشتركة وحّدت مجموعات كبيرة من الناس ضد الحكومة خارج الأُطر الحزبية والطائفية التقليدية، حيث تُشير بعض التقارير إلى أن بعض المنتمين السابقين إلى الحشد الشعبي من أبناء بغداد والمحافظات الجنوبية ممّن شاركوا في القتال ضد تنظيم الدولة انخرطوا بفاعلية في التظاهرات، وبالنظر إلى حقيقة أن الاحتجاجات تصاعدت في كثير من الأحيان إلى هجمات ضد مقرات الأحزاب السياسية بما في ذلك مكاتب الحشد الشعبي وحتى الحزب الشيوعي المتحالف مع مقتدى الصدر؛ تتضح حقيقة الرفض الشامل من الجماهير الشيعية للنظام السياسي القائم برمّته، وكما تخبرنا البروفيسورة "هانتر" فمن الواضح أن مطالب المحتجين في الوقت الراهن أصبحت تدور حول "إحداث تغيير أساسي في بنية النظام السياسي العراقي وليس مجرد تحوّلات في شكل الحكومة" كما السابق.

    

  

بعبارة أخرى؛ من الواضح أن التظاهرات العراقية الأخيرة تبني حدودا جديدة داخل المجتمع الشيعي تتجاوز(6) الهويات التقليدية وتمتلك القدرة على تجاوز الانقسامات الطائفية وتطوير حالة من التضامن المتبادل بين مختلف الطوائف، فضلا عن قدرتها على التشكيك -للمرة الأولى ربما- في فاعلية نظام المُحاصصة الطائفي الذي هيمن على البلاد بعد 2003، ورغم تركّز الموجة الاحتجاجية الحالية بشكل واضح في المناطق الشيعية في الوسط والجنوب بعيدا عن المحافظات السُّنية أو الكردية في الشمال، فإنه لا يمكننا اعتبارها ثورة شيعية بحال، فمن ناحية فإن الرموز الشيعية لم تحتل مكانة بارزة في هتافات المتظاهرين وشعاراتهم، ومن ناحية أخرى فإن أيًّا من الشخصيات الدينية الشيعية لا يملك القدرة على توجيه مسار الاحتجاجات، ولا يشمل ذلك مقتدى الصدر وحده ولكن أيضا آية الله "علي السيستاني" نفسه الذي يُعتقد أنه فقد حضوره بين الأجيال الشابة بشكل ملحوظ.

      

   

   

ربما تكون هذه الحقيقة هي ما جعلت التظاهرات الأخيرة صادمة(7) للسلطات الحاكمة في العراق، حيث تحرّك الشارع الشيعي عمليا وبشكل مستقل ضد نظام سياسي يُهيمن عليه الشيعة أنفسهم، وتدعمه المحسوبية والصفقات السياسية وتقاسم النفوذ بين السياسيين الشيعة أيضا، وهو ما يُفسِّر ربما الجرعة العنيفة من القمع الحكومي الذي واجهته التظاهرات منذ الوهلة الأولى، وكما يُشير تحليل لـ "ستراتفور"، فإن الطبقة السياسية العراقية وجدت نفسها أمام خيارين صارخين لا ثالث لهما، إما مواجهة التظاهرات بأقصى قدر ممكن من القمع للحفاظ على النظام، وإما أن تسمح بإجراء تغييرات هيكلية ضخمة على الاقتصاد ونظام المحسوبية السياسية تلبية لمطالب المتظاهرين، فيما يخبرنا التاريخ القريب أن الخيار الأخير لم يكن سهلا بالنسبة إلى أي حكومة أو نظام سياسي عرفه العراق الحديث على الإطلاق.

   

صخرة سيزيف العراقية

كما تخبرنا البروفيسورة "شيرين هانتر"؛ فإن الصراعات الداخلية والخارجية التي عانت منها إيران تسبّبت دوما في أضرار جسيمة أعاقت الحكومات عن اللحاق بركب التنمية. وكانت البداية مع ثورة عام 1958، والانقلابات العسكرية اللاحقة بين فصائل السلطة المختلفة التي سبقت هيمنة حزب البعث على الحكم، ولاحقا أتت حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران التي دمرت البنية التحتية في كلا البلدين، وتسبّبت في توجيه الموارد في كلا البلدين نحو الاستثمار في الصراعات بدلا من التركيز على التنمية.

  

لكن الخطوة التي أثبتت أنها صاحبة التأثير الأكثر تدميرا على العراق، وفقا لـ "هانتر"، تمثّلت في قرار صدام حسين بغزو الكويت عام 1991، وما تبعه من تدخُّل الولايات المتحدة والدول العربية لتحرير الكويت والعقوبات الاقتصادية القاسية التي فُرِضت على العراق والتي أسهمت بشكل كبير في تقويض الاقتصاد العراقي، وحتى بعد الغزو الأميركي استمر العراق في مواجهة مزيج من الانقسامات الداخلية والتهديدات الإرهابية، في الوقت الذي تسبّب فيه تدمير النظام السابق في اندلاع صراع داخلي حول مستقبل البلاد، ونتيجة لكل هذه العوامل، "تعثرت التنمية في العراق وأدّت إلى استياء شعبي متزايد تسبّب في حدوث انفجارات شعبية دورية" وفقا لحديث الدبلوماسية الإيرانية السابقة.

  

كانت الأوضاع الاقتصادية إذن أحد العوامل الحاسمة التي دفعت العراقيين إلى النزول مرارا للشوارع منذ عام 2011 بحثا عن تحسين الخدمات الاجتماعية وزيادة الفرص الاقتصادية ومطالبين بتحجيم الفساد الحكومي، لكن استجابات الحكومات المتعاقبة فشلت في التعامل مع نقاط الضعف الهيكلية في اقتصاد البلاد، حيث يعتمد الاقتصاد بشدة على صادرات الطاقة التي تُشكِّل قرابة 99% من صادرات البلاد وتوفّر 84% من إيرادات الحكومة، فضلا عن كون نصف الموازنة الحكومية تقريبا يذهب لتمويل معاشات وأجور موظفي القطاع العام وإعانات الدعم الاجتماعي، ما يترك القليل جدا من الأموال المتاحة لتمويل التنمية وتحسين البنية التحتية للخدمات.

    

  

   

بخلاف ذلك، تسبّبت التكتيكات الحكومية المعتادة التي ركّزت دوما على تقديم حلول جزئية وغير دائمة للأزمات في تفاقم أزمات الاقتصاد العراقي. فعلى سبيل المثال، تسبّب الإنفاق الزائد على الأجور والإعانات وسياسات توسيع التوظيف الحكومي لاسترضاء القواعد الشعبية في حدوث تراكم كبير للدَّين العام وخلق عجز هائل في الموازنة، بخلاف خلق تضخّم هائل في القطاع الحكومي الذي تضاعف عدد موظفيه ثلاث مرات؛ من 900 ألف عام 2004 إلى نحو ثلاثة ملايين اليوم، ما تسبّب في ارتفاع نصيب بند الأجور في الموازنة العامة من 7% فقط من إجمالي الموازنة عام 2004 إلى 40% في الوقت الراهن.

  

وحتى مع الارتفاع النسبي لأسعار النفط، ونجاح الحكومة في تحقيق فائض بنسبة 8% في عام 2018، فإنها فشلت في استغلال مواردها المالية في تلبية الاحتياجات المالية لمواطنيها، حيث انكمش حجم اقتصاد البلاد في العام نفسه بمعدل 0.6%، وانخفضت معدلات التوظيف (نسبة عدد الموظفين إلى إجمالي عدد السكان في سن العمل) بمعدل قياسي إلى 28.2% في العام المذكور، مقارنة بـ43.2% عام 2016، وازدادت معدلات البطالة التي توقّفت الحكومة عن إصدار الأرقام الرسمية بخصوصها منذ عام 2017 حين بلغت البطالة في ذلك العام 13% مع ضِعف هذه النسبة تقريبا بين صفوف الشباب.

  

ومن وجهة نظر العراقيين، فإن السبب الرئيس وراء تراجع المؤشرات العامة للاقتصاد العراقي يرجع(8) إلى الفساد المستشري داخل النخبة الحاكمة التي تقتسم عائدات البلاد لدفع رواتب أتباعها والحفاظ على أنماط الحياة الفارهة الخاصة بها، وهو ما يظهر في تصنيف منظمة الشفافية الدولية للعراق في المرتبة الثالثة عشرة في قائمة أكثر الدول فسادا، في الوقت الذي يُشير فيه استطلاع رأي حديث للشركة المستقلة للبحوث في العراق إلى أن نحو ثلاثة أرباع العراقيين (73%) يعتقدون أنه ليس بإمكانهم مُساءلة قادتهم حول تصرفاتهم وسياساتهم.

  

  

ونتيجة ذلك، لم تفلح الإجراءات التي اتخذتها الحكومة استجابة للاضطرابات، والتي شملت(9) تخفيض سن التقاعد لتوفير فرص عمل للشباب، وإيقاف الحملة الحكومية ضد المساكن العشوائية، وإعفاء الفلاحين والمزارعين من بدلات إيجار الأراضي، أو حتى ترتيبات مكافحة الفساد مثل تجميد مجالس المحافظات المنتهية ولايتها منذ عام 2017، والتي يعتقد العراقيون أنها تعمل كمعاقل للمحسوبية، لم تفلح هذه الإجراءات في تهدئة غضب المحتجين، ويرجع ذلك ببساطة إلى كون العراقيين قد فقدوا الثقة تماما في الحكومة الحالية التي يرون أنها أصبحت نهبا للفساد والتنافس بين الفصائل العليا التي حوّلت مؤسسة الدولة إلى إقطاعيات خاصة بها، وصاروا يرون أن الحل الأمثل فيما يبدو هو مواصلة التظاهر والضغط من أجل إجراء عملية إصلاح حقيقية للنظام السياسي.

  

لكن نجاح الاحتجاجات الشعبية في إصلاح النظام العراقي يبقى أمرا مشكوكا فيه في أفضل الأحوال، وفي حين أنه غالبا ما تكون التظاهرات الشعبية ناجحة في إصلاح الأنظمة التي تتوزع السلطات فيها بين هياكل دولة مستقرة نسبيا وفاعلة، فإن الوضع في العراق -كما في لبنان أيضا- يبدو أبعد ما يكون عن ذلك، ففي أعقاب انهيار هياكل الحكم التقليدية في البلاد بعد الاحتلال الأميركي، شجعت الولايات المتحدة بوضوح على "لبننة" السياسة العراقية عبر تبني نموذج الحصص الطائفية اللبناني، وكانت النتيجة المباشرة لذلك هي أن أعصاب السياسة العراقية باتت واقعة خارج الفروع الرسمية للحكومة وتحديدا في يد الأحزاب والميليشيات وسماسرة السلطة، وفي حين أن الاحتجاجات الشعبية تمارس الضغط فعليا على هذه الفروع الحكومية، فإن عملية اتخاذ القرار تتبع نمطا مختلفا وتتم عبر التوافق بين نخب السلطة وليس بناء على ضغوط ومطالب المواطنين.

  

بعبارة أخرى، وكما يشير(10) "هلال خشان"، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت بتحليله في "جيوبوليتيكال فيوتشرز"، فإن مراكز السلطة الحقيقية في العراق تقع في يد الأحزاب والميليشيات الشيعية وبخاصة الحشد الشعبي، وليس في يد مؤسسات الحكم التابعة للدولة، بما يعني أن هيكل النظام السياسي العراقي لا يمنح سوى نافذة ضيقة لتفكيك المنظومة الطائفية الحاكمة، وهذا هو السبب -من وجهة نظر خشان- في أن وزارة الداخلية العراقية فشلت في الوفاء بوعودها باتخاذ تدابير لحماية المتظاهرين وتأمين الممتلكات العامة والخاصة، وهو أيضا السبب في فشل الحكومات في تنفيذ إصلاحات اجتماعية شاملة وإعادة بناء البنية التحتية للمرافق، نظرا لأن الحكومة لا تُسيطر على معظم مراكز السلطة الحقيقية من الأساس، ما يجعلها غير قادرة عضويا على تنفيذ أي إصلاحات.

    

  

في ضوء ذلك، يبقى من المستبعد أن تقود التظاهرات الحالية إلى أي تغييرات كبيرة في الوقت الراهن، سواء لأن الجماهير فقدت إيمانها بالفعل بوعود الحكومة، أو نظرا لأن السلطة في العراق تتوزع بين العديد من المراكز الخارجة عن سيطرة الحكومة ما يجعل النظام غير قادر على التصرف بشكل موحّد أو متماسك، وبالنظر إلى أن جميع الميليشيات ومراكز القوى، سواء كانت القوى المقرّبة من إيران، أو جماعة مقتدى الصدر، وحتى الميليشيات الكردية، جميعها مضمّنة بعمق داخل النظام السياسي، فسيكون من الصعب الشروع في إصلاح جدّي يمكن أن يُهدّد أحد هذه المراكز التي ستكون حريصة على الاتفاق ضمنيا على تغييرات تجميلية من أجل إنقاذ النظام القائم.

   

يمكننا أن نأخذ الحشد الشعبي كمثال على هذا الوضع، فمع ترسيخ فصائل الحشد لنفوذها داخل العراق بعد هزيمة تنظيم الدولة، فإنها عززت من أنشطتها الهادفة لترسيخ مكانتها الاقتصادية الخاصة حتى ولو كان ذلك على حساب سلطة الدولة. فعلى مستوى الشارع، تشمل مظاهر هذا السلوك فرض ضرائب عند نقاط التفتيش خاصة في المدن المستعادة من قبضة تنظيم الدولة، ووفقا لتقرير(11) نشره مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، فإن الميليشيات كانت تجمع ما يُقدَّر بـ 300 ألف دولار يوميا من الضرائب غير القانونية في بلدة جلولة بمحافظة ديالى وحدها، في حين تشير تقارير أخرى إلى سيطرة الميليشيات على تجارة المعادن والخردة حول الموصل.

  

على مستوى أعلى وأكثر رسمية، تمتد سيطرة الحشد الشعبي إلى شركات البناء والهندسة المملوكة للدولة، ويتحكم في أنشطة الموانئ البرية والبحرية، ويتمتع بنفوذ في صناعة النفط، ولدى الميليشيات سوابق في ارتكاب عمليات تهريب منظّم للنفط من مصفاة بيجي وسائر حقول النفط في الموصل، وفي البصرة قامت الميليشيات بتهريب الوقود لفترة طويلة، بخلاف استفادتها من العقود المربحة مع شركات النفط الدولية.

  

أما في قاعات الحكومة، فإن الحشد الشعبي يستخدم(12) نفوذه في التأثير على القرارات الحكومية، فيما يُوظِّف ثقله في مجلس النواب للحصول على المزيد من الأموال. ونتيجة لهذه الجهود، خصصت موازنة العراق للعام الحالي، 2019، قرابة 2.16 مليار دولار لصالح الحشد الشعبي، بزيادة 20% تقريبا عن موازنة العام السابق، وبما يعادل أكثر من ضِعفَيْ ميزانية وزارة الموارد المائية وثلاثة أضعاف ميزانية خدمة مكافحة الإرهاب.

   

   

وفيما يُعَدُّ الحشد الشعبي أحد الأمثلة البارزة على إقطاعيات النفوذ داخل الدولة العراقية فإنه لا يُعَدُّ المثال الوحيد، وكما سبق أن أشرنا فإن نظام المحسوبية هذا يجعل من الصعب تحقيق تغيير ذي مغزى في العراق في الوقت الراهن، لكن محددات عملية التغيير في العراق لا يمكن حصرها في الطبيعة الداخلية للنظام الطائفي فحسب، نظرا لأن هذا التغيير يخضع أيضا بامتياز لحسابات الصراعات والمنافسات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها المنافسة المحتدمة بين السعودية وإيران، والمنافسة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة.

  

فبالنسبة إلى إيران وحلفائها من الشيعة العراقيين، تطرح الاحتجاجات الحالية تحديا كبيرا بالنظر إلى التشكيك المتزايد للرأي العام العراقي في الميليشيات المقربة من إيران ومدى ولائها للعراق، وفي هذا السياق فإن استمرار هذه الاحتجاجات يُهدِّد نفوذ إيران في العراق ومشروعها الإقليمي الأوسع على المدى الطويل، بخلاف المخاوف التي لا يمكن تجاهلها حول انتشار الاحتجاجات من العراق إلى المدن الإيرانية، بالنظر إلى تشابه الظروف الاقتصادية والروابط القوية بين البلدين، ولكن على جانب آخر، ربما تُقدِّم الاحتجاجات فرصة ضمنية(13) لإيران للتخلص من حكومة عبد المهدي التي جاءت بالأساس نتيجة عملية توافق اضطراري بين الفصائل المتعارضة للشيعة العراقيين، والتي ترى طهران أنها لا تُبالي بمصالحها بشكل كافٍ مع حرص الحكومة الواضح على التوافق مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

  

لكن إيران لا تضمن أن أي حكومة قادمة ستكون أكثر ولاء لها، بالنظر إلى أن أي انتخابات محتملة في البلاد ستعكس المشهد السياسي الجامد والمنقسم نفسه، ولذلك فإنها تراهن على استمرار الحكومة الحالية بوصفه الخيار الأفضل في الوقت الحالي، وفي المقابل، رغم أن السعودية وأميركا ربما تكونان راضيتين بشكل كبير عن البُعد المناهض لإيران في الاحتجاجات الحالية، ورغم أن حجم الاحتجاجات ربما يُغري بالرهان عليها ودعم تنصيب حكومة أكثر صداقة للغرب ودول الخليج في بغداد، فإن واشنطن والرياض تبدوان أكثر حذرا في مواقفهما الرسمية.

     

القوى الخارجية الأكثر تأثيرا على الساحة العراقية، وهي إيران والسعودية والولايات المتحدة، تتفق ضمنيا على أن بقاء الحكومة الحالية هو الخيار الأفضل لمصالحهم جميعا

الجزيرة
     

تتفق الدولتان فيما يبدو أن الضغط على حكومة عبد المهدي لا يُعَدُّ أمرا جيدا بالكلية، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى قناعة البلدين أنهما لن يحظيا برئيس وزراء أكثر تعاونا من رحم الوسط السياسي الحالي، وأنه لا توجد فرصة كبيرة لتنصيب حكومة أكثر صداقة لهما دون تغيير جذري في النظام العراقي بشكل شامل، وفقا لـ "حسين إبيش"، الباحث في مركز دول الخليج العربية في واشنطن.

  

تبقى الخلاصة إذن أن القوى الخارجية الأكثر تأثيرا على الساحة العراقية، وهي إيران والسعودية والولايات المتحدة، تتفق ضمنيا على أن بقاء الحكومة الحالية هو الخيار الأفضل لمصالحهم جميعا في الوقت الراهن على الرغم من مواقفهم المتباينة نحو الاتجاهات السياسية التي عكستها التظاهرات، ولا تُعَدُّ هذه أخبارا جيدة بالنسبة للعراقيين الغاضبين، ورغم ذلك يبقى هناك دوما ذلك الاحتمال بأن تتطور موجات الغضب الجماهيري بما يفوق قدرة الجميع على احتوائها أو قمعها، وفي هذا السيناريو يمكن أن ينجح العراقيون بالفعل في الإطاحة بالحكومة، لكن ليس هناك ما يضمن أن يكون ذلك كافيا لإحداث تغيير جذري وحقيقي في النظام، أو جلب الاستقرار للعراق في أي وقت قريب.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار