انضم إلينا
اغلاق
"الرجل الأبيض يحمل عبء العالم".. هل نحيا في نظام عالمي عنصري؟

"الرجل الأبيض يحمل عبء العالم".. هل نحيا في نظام عالمي عنصري؟

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض

لا يخفى على أحد أننا نحيا في نظام عالمي عنصري للغاية، ولكن ما الذي نعنيه بـ"العنصرية"؟ إن العنصرية هي مجموعة من الممارسات والقواعد التي تدعم نوعا معينا من التسلسل الهرمي أو نظام امتياز وعدم مساواة، وهو ما يتضح في طبيعة الاقتصاد العالمي، والاستخدام الدولي للقوة، والمعايير "الإنسانية" المزعومة، وقبل كل شيء، ليس العِرق تصنيفا محايدا أو موضوعيا، ولكنه شكل اجتماعي صاغته السلطة.

  

يتشكّل النظام الدولي على أساس اجتماعي، وهذا يعني أن الطريقة التي نتصور بها العالم الاجتماعي لها آثار كبيرة على الواقع، ما يعني أنه إذا مرّت مفاهيم السياسة العالمية عبر مصفاة مصطنعة، فإنها تُخرج تصنيفا إما حضاريا أو غير حضاري، وعليه ستصبح هذه المفاهيم حقيقة، وليتجلّى ذلك في قرارات السياسة الخارجية للجهات الفاعلة التي تُشكّل النظام. ومن هذا المنظور، لا يتحتم أن يكون العِرق حقيقة بيولوجية ليصبح حقيقة اجتماعية، كما يمكن للنظام أن يكون "عنصريا" دون أن يكون "العِرق" حقيقيا بشكل موضوعي. ورغم أن الأشكال العنصرية لها أهمية مركزية، فإن هناك دورا واضحا للجنوب العالمي كون أن فرصه واختياراته مقيدة بنظام دولي عنصري.

   

في المقال التالي ننظر عبر عدسة تاريخية لنكشف الظهور المستمر للعِرق في السياسة الدولية، كما نفحص دور الخطاب، نظرا للعلاقة الحميمة بين الخطاب والمعرفة والسلطة. ومن أجل إثبات الطبيعة العنصرية للنظام الدولي، سنبيّن أولا كيف تكتنف العنصرية الاقتصاد العالمي، ثم سنفحص تأثير العِرق في سياق الأسلحة النووية وعملية اللجوء والتدخل الإنساني. وأخيرا، سيُظهر البناء العنصري للإرهاب أن النظام الدولي عنصري.

     

سيادة دول الجنوب محدودة باعتمادها الاقتصادي المستمر؛ حيث تعد الدول الغنية "مواطنين" في المجتمع الدولي في حين أن الدول الفقيرة هم مجرد "رعايا"

مواقع التواصل
   
مصلحة الشمال أولا

يقوم التفاوت المتأصل في الاقتصاد السياسي العالمي على العنصرية، وإلى أن تُصحح الأخطاء التاريخية عن طريق التعويضات، سيظل الجنوب العالمي غير قادر على تجاوز ماضيه الرهيب الذي تعرض فيه للإخضاع، وسيظل الماضي العنصري للاقتصاد العالمي يُلقي بظلاله على المستقبل. ومن المهم معرفة أن التفاوت المستمر بين الأغنياء والفقراء ليس من قبيل المصادفة؛ فالشمال العالمي يحرص بشدة على بقاء ما يتمتع به من مزايا، ورغم أسطورة المساواة في سيادة القانون الدولي، فإن سيادة دول الجنوب محدودة باعتمادها الاقتصادي المستمر؛ حيث تعد الدول الغنية "مواطنين" في المجتمع الدولي في حين أن الدول الفقيرة هم مجرد "رعايا".

  

على سبيل المثال، تمكّن الشمال العالمي من التلاعب بالنظام لصالحه من بوابة "الصفقة الكبرى" في عام 1994[1]، وقبلت دول الجنوب اتفاقية تدابير الاستثمار المرتبطة بالتجارة (TRIMs) في عام 1994، ما أدّى إلى بلورة مركزها في التقسيم الدولي للعمل، وخنق حركتها الصاعدة الناشئة. قد تعلو أصوات تقول إنه على الرغم من أن هيكل الاقتصاد العالمي غير عادل، فإنه ليس عنصريا؛ لأن هذا يتطلب تبرير عدم المساواة من الناحية العِرقية، لكن التاريخ يفضح الأسس الاستعمارية العرقية التي يقوم عليها التقسيم الدولي المعاصر.

 

ويُبرهن على ذلك أن الخطابات العنصرية التي ينشرها الاستعمار تدعم افتراض أن الجنوب العالمي مصمم بطريقة طبيعية ليكون مجرد مصدر سلبي للمواد الخام، وتخلل هذا الخطاب صندوق النقد الدولي (IMF)، مبينا في توصياته أن على غانا التركيز على إنتاج الذهب والكاكاو كما كان الحال في الحقبة الاستعمارية. وقد يعترض البعض على التركيز على الأسباب الخارجية للتخلف، بحجة أن الفقر هو في المقام الأول نتاج الخيارات الداخلية السيئة مثل تراكم الديون الهائلة على موزمبيق، أو الفساد في نيجيريا. إلا أن الاستعمار هو السبب الحقيقي لهذه المشكلات "الداخلية" المفترضة، حيث إن الفساد والإدارة السيئة نتجا جزئيا من السياسات الاستعمارية التي قوّضت أنظمة المعتقدات التقليدية وأشكال التنظيم الاجتماعي الضرورية للحكم الرشيد.

     

الحرب الأهلية في بوروندي (رويترز)

  

وأدّى مذهب "فرّق تسُد" الاستعماري إلى نشوب حروب أهلية استمرت في الحيلولة دون حدوث التنمية، فالحرب الأهلية في بوروندي، على سبيل المثال، نشأت عن إستراتيجية بلجيكا لتجنيد قبائل "التوتسي" لحكم جماعات "الهوتو"، وفي حين أن هذه العلل الكامنة لا تُعوّض، فإن المساعدات تستمر في علاج العَرَض وليس المرض.

   

الرجل الأبيض يحمل عبء العالم

تعكس المؤسسات المالية الدولية النسيج المألوف للمجتمع الدولي، وبالتالي تجسّد العنصرية، وهو ما يتضح في برامج "التكيّف الهيكلي" التي روّجها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي خلال الثمانينيات من القرن الماضي، والتي تطالب متلقّي القروض بتحرير اقتصاداتهم وخصخصتها وفقا للضوابط الصارمة في الميزانية. وكانت نتائج تلك البرامج كارثية، حيث فشلت في تعزيز النمو الاقتصادي، وأُجبرت الدول النامية على تنفيذ سياسات اقتصادية تتماشى مع بنود ضمانات المؤسسات المالية.

 

وظهر هذا المنطق الليبرالي الجديد منذ ذلك الحين من خلال القاعدة الجديدة "الحكم الرشيد"، التي تفترض أن التخلف هو نتاج البيئات السياسية والاقتصادية المحلية، وبالتالي يسعى إلى تثقيف هذه الدول لخلق الشروط السابقة اللازمة لتحقيق التنمية. هناك حجة مقنعة مفادها أن سياسة صندوق النقد الدولي ليست عنصرية، ولكنها مدفوعة بإيمان مضلل بالعقيدة الاقتصادية، حيث أُنشئت مؤسستي بريتون وودز (أي صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) لتسهيل الانتعاش الأوروبي بعد الحرب، مما أدّى إلى المساواة بين المستعمِرين والمستعمَرين.

   

المدير الإداري لصندوق النقد الدولي "كريستين لاغارد" (الفرنسية)

  

وعلى الرغم من أن هذا التحدي كان مقنعا في البداية، فإنه لم يضع في اعتباره التغييرات التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ نهاية نظام "بريتون وودز" الذي عرقل الوصول إلى "التنمية المتأخرة"[2]، حيث لا يمكن بأي شكل المقارنة بين البيان الأولي للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في فترة ما بعد الحرب مع بياناتهما المعاصرة، إذ تحتوي اللغة الاقتصادية "المحايدة" للمؤسسات المالية الدولية على أفكار عنصرية غير معترف بها.

  

تعزز قاعدة "الحكم الرشيد" سردا أبويا يذكّرنا بعبء "الرجل الأبيض" من الحقبة الاستعمارية، حيث ينظر للجنوب العالمي باعتباره الطفل الذي يحتاج إلى اليد الأبوية الحازمة للغرب لتعليمه. وتبني العنصرية جدلية "نحن والآخرون" التي تنأى بالمانح الغربي عن المستلم غير الأبيض، مما يجعل التكاليف الإنسانية المروعة للأصولية الاقتصادية أقل إزعاجا. في الممارسة العملية تعني سياسة "الاسترداد الكامل للتكاليف" في غانا إجبار الناس على دفع تكاليف الحياة الأساسية بما في ذلك المياه، وهو مورد يُفترض على نطاق واسع أنه حق، ويُدعَم بشكل عام في العالم المتقدم. إن العنصرية الدولية تعني أن هناك تجربة تابعة يتم تجاهلها بشكل محزن تجعل من هذا العوز طبيعيا وليس نتاجا للخيارات الدولية، مما يُضفي الشرعية على التكاليف البشرية للإصلاحات النيوليبرالية المصممة أساسا لتعزيز المصالح الاقتصادية للقوى المهيمنة في النظام العالمي.

 

نحن والآخر

ترتبط العنصرية بلا شك بإنتاج المعرفة، وهي التي تقرر ما هو شرعي وما هو غير شرعي، في التقسيم الثنائي الذي يهيمن على مناقشة الأسلحة النووية. يرى بعض الباحثين أن الدول غير الغربية وغير المسؤولة التي تمتلك أسلحة نووية تُمثّل تهديدا موضوعيا للنظام الدولي، كما يزعمون أن هذا ليس خوفا عنصريا غير منطقي، بل هو اعتراف بالحقائق. ومع ذلك، فإن هذه "الحقائق" مبنية اجتماعيا، بناء على تصوير "مستشرق" خاطئ لـ "نحن" العقلانيين والمسؤولين، و"الآخر" غير العقلاني وغير المسؤول.

     

الزعيم الكوري الشمالي "كيم جونغ أون" (رويترز)

    

يتجلى هذا الاستشراق في الطريقة التي يتم بها التمييز ضد كوريا الشمالية باستمرار في وسائل الإعلام الغربية، حيث أُنتجت الروايات الكاذبة عن قيام كيم جونغ أون بإطعام عمه للكلاب من قِبل محطات مثل فوكس نيوز، ما أدى إلى خلق صورة كاريكاتورية للاستبداد الشرقي. وتخلق مثل هذه الروايات المستشرقة خوفا من أن الردع لن ينجح في الأنظمة البربرية غير الغربية، في حين أن منطق الأسلحة النووية في الواقع سيُجبر القادة غير الغربيين على التصرف مثل نظرائهم الغربيين، حيث يرغب جميعهم في البقاء على قيد الحياة. ويعود هذا التصور الخاطئ بالفائدة على الغرب، لأنه يشترط قبول "الفصل العنصري النووي" الحالي الذي يُفضي إلى المصالح الغربية، والاستشراق يعني أن يُعتَبر سلاح نووي كوري شمالي واحد تهديدا وجوديا للمجتمع الدولي، في حين أن مئات الأسلحة النووية الأميركية تمر مرور الكرام.

 

يقال إن "النظرية توضع دائما لشخص ما، ولغرض ما"، والعنصرية بالفعل هي التي تُشكّل الواقع فيما يتفق مع هوى الغرب. حيث يعرّف الغرب مصالحه باعتبارها مرادفا لمصالح المجتمع الدولي، ويُسكت المخاوف المشروعة للدول غير الغربية، على سبيل المثال، تقوم وسائل الإعلام الغربية بإسكات الأسباب المنطقية لكيم جونغ أون للبحث عن أسلحة نووية، مع نشر "MSNBC" للرواية النفسية الخاطئة بأنه ببساطة "رجل مجنون"، مثل هذا التحليل الخاطئ ينفذ إلى العقل الباطن للقادة الغربيين، ويزيد من انعدام الثقة، ولا يترك مجالا للمفاوضات، ويزيد من خطر التقديرات الخاطئة القاتلة.

 

تتقاطع الروايات التاريخية للهمجية الشرقية مع المخاوف المعاصرة المحيطة بالأسلحة النووية، وبالتالي تحدد رد فعل أميركا المبالغ فيه على مزاعم أن العراق طوّر أسلحة دمار شامل. ونجد أن السكان الغربيين تقبلوا هذا التبرير لاستخدام القوة عن طيب خاطر، مما يشير إلى أنه خلافا لمزاعم أطروحة السلام الديمقراطي (أن الدول الديمقراطية لا تنشأ بينها حروب)، فإن الديمقراطية ليست دائما الحاجز الذي يمنع العداءات غير العقلانية، لأن المنطق غير العقلاني والعنصري يفسد تصورات الناس عن مصالحهم الحقيقية، وتنتج العنصرية جهات فاعلة دولية غير عقلانية وهو ما يدفع السلوك الخطير في النظام الدولي.

  

   

اللاجئ الأبيض

تتجلى العنصرية أيضا في نظام اللجوء الحديث، حيث تتلقى "النخبة اللاجئة البيضاء" معاملة فائقة بسبب التحيز العنصري. تنص المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) في فقرتها الأولى على أن "لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد"، مع الاعتراف بالالتزامات التي تعهدت بها إنسانيتنا المشتركة. ومع ذلك، على الرغم من هذا التأكيد القانوني بأن هذا الحق ينطبق على "الجميع"، فإن التعاطف مع العالم المتقدم محدود بالناحية العِرقية.

   

في الواقع، خلال عام 1967 فقط أُزيل التقييد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث إن "الجميع" كانت تعني في البداية الأوروبيين فحسب، ما يدل على أن اللغة المحايدة التي لا تُظهر عِرقا ما، يمكن أن تكون بمنزلة غطاء ساتر للتحيز العنصري، ويظل التفاوت بين معاملة اللاجئين البيض وغير البيض قائما. وبالنظر إلى حقبة التسعينيات، كانت المساعدات التي خصصتها المفوضية للاجئي البلقان (معظمهم من البيض) أكبر بـ11 مرة مقارنة بأولئك القادمين من بلدان أفريقية (معظمهم من غير البيض). وكانت أستراليا على استعداد لتوسيع حصتها من اللاجئين بسبب محنة البوسنيين، لكنها استمرت في سياسة مُدانة، باعتبارها تقوم بالترحيل القسري لطالبي اللجوء غير البيض.

 

أثارت معاناة البوسنيين -من"هم مثلنا" في الخيال الأسترالي- زخما قويا للتحرك، وبينما كان يُنظر إلى العنف في بلد أوروبي على أنه مروع وغير عادي، كان يُنظر إلى العنف في أفريقيا على أنه مؤسف ولكنه طبيعي، مما يحول دون مثل هذه الاستجابة الديناميكية للاجئين منها. قد يعترض البعض على أن المخاوف المحيطة بطالبي اللجوء ليست عنصرية، ولكن القلق الحقيقي حول العدد الهائل للمتقدمين، ومدى قدرة الشمال العالمي على استيعابهم، غير أن هذا "العدد الأكثر من اللازم" من اللاجئين هو مفهوم مبني على أساس اجتماعي ويختلف بين الدول. حيث ينظر سكان الشمال العالمي إلى "مجتمعاتهم المتخيلة" على أنها بيضاء، وبالتالي يُنظر لطالبي اللجوء غير البيض كتهديد وجودي لهذه المجتمعات، في حين يُنظر إلى اللاجئين البيض على أنهم مندمجون.

   

  

إن إضفاء طابع أمني على اللاجئين غير البيض يؤدي إلى تعزيز السياسات المصممة لإبقاء المحتاجين خارج أوروبا بأي ثمن، على سبيل المثال، ناشد المفوض الألماني لأفريقيا مؤخرا القوى الأجنبية للحصول على الأراضي في أفريقيا من أجل وقف تدفق الهجرة إلى أوروبا. هذا هو الاستعمار العصري المنافق، الذي يوضح أن تعبير "أزمة اللاجئين" المبني اجتماعيا أوجدته العنصرية وكذلك المنطق الاستعماري الأبوي الجديد.

 

إن الفكرة التاريخية المتمثلة في "عبء الرجل الأبيض" تدعم التدخل الإنساني والقاعدة الناشئة لمسؤولية الحماية (R2P)، ورغم أن التدخلات الإنسانية هي دائما نتاج دوافع مختلطة، فإن هذا لا يعني أن التدخلات هي ببساطة جهود خالية من الرحمة تعمل للمصلحة الذاتية وتحيط بها واجهة إنسانية. في حين أن الافتراضات العنصرية تسببت في دمج المصالح الشخصية مع القلق الإنساني في أذهان رجال الدولة، وإضفاء الشرعية على العمل بطريقة تشبه تلك التي بررت التوسع الاستعماري.

 

نزولا إلى أرض الواقع، يمكن القول إن السبب وراء قبول معيار مسؤولية الحماية بسلاسة في القانون الدولي هو أنه يرتبط بالمنطق التاريخي لـ "المهمة الحضارية". إن التدخل الإنساني يثبِّت ثنائية ما هو حضاري وما هو غير حضاري في العلاقات الدولية، كما يعزز الصورة الأبوية للضحايا السلبيين الذين يجب إنقاذهم من الوحشية بثقافتهم الاستبدادية بواسطة راعٍ غربي مستنير، يؤطر استشراق التصورات الغربية للأحداث الدولية، ويخلق مسوغات للتدخلات.

 

على سبيل المثال، كان تبرير التدخل في ليبيا عام 2011 بأن هناك معركة بين المدنيين الليبيين العاجزين والقذافي المستبد، وليس باعتبارها حربا أهلية لليبيين ضد الليبيين التي كانت قائمة على أرض الواقع. ولقد تقبل الغرب بلا شك رواية المتمردين الخاطئة بأن أولئك الذين يدعمون القذافي كانوا مرتزقة أفارقة سودا، لأنه يرتبط بتصورهم الأساسي للتسلسل الهرمي العنصري الذي يجعل مثل هذه "الوحشية" الأفريقية متوقعة.

   

  

تُمثّل حقيقة مسؤولية الحماية أيضا معيارا مزدوجا عنصريا، في حين أن مجزرة محتملة في بنغازي ألهمت احتجاجا عالميا، فإن الإبادة الجماعية الفعلية لليبيين السود على أيدي قوات المتمردين في ليبيا لم يرف لها جفن، كما تهدد مسؤولية الحماية أيضا التعريف التقليدي للسيادة التي لا تنتهك، وهو أمر يقلق المستعمرات السابقة التي تعتبره واجهة للاستعمار الجديد. وتحيي مسؤولية الحماية بشكل مثير للقلق الأصول الاستعمارية للقانون الدولي، وترسم التمييز بين الدول الديمقراطية المتحضرة التي يحق لها السيادة الكاملة كأعضاء في المجتمع الدولي، والدول الاستبدادية العدوانية التي لا تستحق السيادة الكاملة وبالتالي فهي مقصية من المجتمع العالمي. وهنا مرة أخرى، يعرض الغرب مصالحه كما لو كانت مرادفا لمصالح المجتمع الدولي، مما يؤدي إلى تهميش مخاوف الجنوب العالمي. لم يُتخلّص من ماضي القانون الدولي العنصري بشكل كامل، بل أُعيدت صياغته من خلال خطاب مسؤولية الحماية، ويمكن القول إن النظام الدولي لا يزال مدعوما بالعنصرية.

 

التقسيم العنصري للإرهاب

منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، أصبحت الأجندة الدولية مهووسة بالإرهاب، والتركيز على الإرهاب ليس استجابة للأحداث العالمية، بل بُني اجتماعيا وارتكز على الروايات الاستشراقية القديمة وكراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا) العنصرية. إن العِرق يعيد تحديد معنى كلمة "إرهابي" في الخطاب الغربي، موضحا سبب إسقاط وسائل الإعلام الوصمة الإرهابية عندما تبيّن أن مفجر أوكلاهوما كان ذكرا أبيض، لذلك فإن التعريف القياسي للإرهابي أنه "أي شخص يستخدم العنف والخوف لإكراه وإقناع وكسب انتباه الجمهور"، لا يروي القصة الكاملة، لأنه يهمل أهمية العِرق. وخدم هذا التعريف العنصري في صبغ الهوية السوداء بصبغة الجريمة في معظم أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط.

 

في حين أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول حادث موضوعي إلا أنه كان يُنظر لمعناه من الناحية الثقافية، في حين أنه شكّل صدمة لدى الغرب، فبالنسبة للكثيرين في الجنوب العالمي لم تكن "القاعدة" أول من دقت طبول المعركة، بل كانت تنتقم ببساطة في خضم معركة قائمة بين الشمال والجنوب. لقد عاد الوعي الغربي المضطرب إلى روايات المستشرقين التاريخية من أجل فهم هذه الأحداث، ثم استخدم قوته لفرض فهمه العنصري على النظام الدولي، وقسم العالم إلى "نحن" المتحدين و"هم" الهمج، على الرغم من أن غالبية ضحايا الإرهاب هم في الواقع مسلمون.

   

  

ليس هذا هو التصور الذي تُظهره وسائل الإعلام الغربية، والذي يعزز جدلية "نحن وهم"، ما يضفي طابعا أمنيا على الشرق ويخلق هيستيريا عامة، لذلك فإن هذا الإدراك للتهديد القادم من الشرق ليس موضوعيا، بل مبالغ فيه من خلال الروايات التاريخية التي وصمت الشرق بالقسوة والمكر والتعصب الديني، ولهذا التصور آثار مادية تُشكّل موافقة شعبية على الحرب على الإرهاب.

   

تتبنى وسائل الإعلام الغربية نشاطا آخر يتسم بالعنصرية، وتؤطر المسلمين والعرب بشكل خاطئ باعتبارهم داعمين سلبيين للإرهاب، وتصنف وفياتهم على أنها أضرار جانبية غير مؤثرة. فعلى الرغم من أن العالم رثى 3000 ضحية من أحداث 11 سبتمبر/أيلول، فإنه لم يُلقِ بالا لنحو 220 ألف حالة وفاة مدنية ناتجة عن حرب الغرب على الإرهاب. وبناء على ما سبق، فإن العِرق هو خطاب تشريع يعمل على جعل الحرب أكثر قبولا للسكان المدنيين.

   

وطالما يظل العالم تحت سيطرة سردية "صراع الحضارات" العنصرية التي فرضها الغرب، يمكن وصف النظام الدولي بأنه عنصري. ورغم أنه بموجب القانون الدولي المعاصر جميع الدول متساوية، ففي الواقع بعضها أكثر مساواة من غيرها. ولهذا التفاوت جذور ممتدة تعود للإرث التاريخي للسيادة البيضاء، ولا تزال تقدم خطابا يفرض الالتزام بهذا الوضع غير المتكافئ. هكذا تتسلل العنصرية إلى عقول رجال الدولة، وتكيف استجاباتهم للمعاناة الإنسانية واللاجئين والطموحات النووية للجنوب العالمي.

   

إن التباين الاقتصادي بين الشمال والجنوب يتم تطبيعه عبر الخطابات العنصرية، مما يحول دون الاعتراف بالأسس التاريخية غير العادلة للغاية للنظام الحالي، وبينما تنظر قوى العالم إليه من خلال عدسة عنصرية، فإن سياساتهم ستستمر في تشكيل العالم وفقا لهذه الصورة العنصرية وهو ما نراه في الحرب على الإرهاب، وهكذا يمكننا القول بشكل قاطع بحقيقة الطابع العنصري للنظام الدولي المعاصر.

  

هوامش:

[1] والتي اتُّفِق فيها على إنشاء منظمة التجارة العالمية والتي جعلت وضع الدول الفقيرة أكثر سوءا.

[2]  يقصد بها لحاق الدول التي كانت مستعمرة بركب بقية الدول.

-------------------------------------------------------------------

ترجمة: سارة المصري.

هذا المقال مأخوذ عن E-International Relations ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار