انضم إلينا
اغلاق
الإخوة الأعداء.. هل يعلن "انقلاب عدن" نهاية التحالف السعودي الإماراتي؟

الإخوة الأعداء.. هل يعلن "انقلاب عدن" نهاية التحالف السعودي الإماراتي؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       
بعد 4 أيام من المواجهات المسلحة بين قوات الحرس الرئاسي وقوات المجلس الانتقالي والحزام الأمني -المدعومة من الإمارات- في العاصمة الثانية المؤقتة عدن، أعلنت قوات المجلس الانتقالي سيطرتها على قصر معاشيق الرئاسي وطرد الحكومة الشرعية من عدن. وهو ما دفع وزير الداخلية اليمني أحمد الميسري لاتهام مؤسسة الرئاسة والمملكة العربية السعودية بالصمت إزاء الانقلاب الذي تم على الحكومة الشرعية، وهو ما دفع كذلك العديد من المحللين للتساؤل عن أسباب الصمت السعودي الذي استمر طيلة فترة القتال، ولم يكسره سوى بيان "الدعوة للحوار" عقب إعلان الانقلاب على الحكومة الشرعية. ومع تسارع الأحداث السياسية في اليمن بعد فترة قصيرة فقط من إعلان الإمارات العربية المتحدة انسحابها العسكري من الأراضي اليمنية، فإن الخطوة التي قادها المجلس الانتقالي بالانقلاب على الحكومة الشرعية فتحت الباب على مصراعيه تجاه تفاقم الصراع الإماراتي السعودي على الأراضي اليمنية، وعمّا تبقّى حقيقةً من اسم التحالف الذي أعلن منذ البدء سعيه لاستعادة الشرعية، وكذلك عن حقيقة الانسحاب الإمارتي في ظل تحرك وكلائها في اليمن. 


نص التقرير

بالنظر إلى الظروف المحيطة بالزيارة، لم يكن الاستقبال الفاتر  في أبوظبي الذي حظي به "معين عبد الملك سعيد"، المهندس المعماري الذي عُيِّنَ قبل أشهر قليلة رئيسا لوزراء اليمن، وتحديدا في العاشر من يونيو/حزيران الماضي مفاجئا أو مستغربا، وإن جاء مخالفا للبروتوكولات المتعارف عليها لاستقبال كبار المسؤولين، حيث لم يجر استقبال "عبد الملك" من قِبل ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" أو رئيس الوزراء "محمد بن راشد آل مكتوم" أو حتى وزير الخارجية "عبد الله بن زايد"، واكتُفي بإيفاد وزيرة الدولة للتعاون الدولي "ريم الهاشمي" لاستقبال رئيس الوزراء اليمني واصطحابه إلى قصر البحر حيث كان من المقرر أن يلتقي بكبار المسؤولين الإماراتيين.

كانت تلك هي الزيارة الأولى لـ "عبد الملك" إلى أبوظبي منذ تعيينه رئيسا للوزراء منتصف أكتوبر/تشرين الأول للعام الماضي 2018 خلفا لرئيس الوزراء السابق "أحمد عبيد بن دغر"، من أُقيل بدعوى الفساد الحكومي والفشل في معالجة أزمة انهيار الريال اليمني واحتواء تداعيات إعصار "لبان" الذي ضرب محافظة "المهرة" في ذلك التوقيت، بيد أن مصادر يمنية أكّدت آنذاك أن الإقالة حملت أبعادا أكبر من ذلك، وأنها أتت استجابة لفيتو عقابي من الإمارات جاء ردا على تعامل "بن دغر" مع الأزمة التي أثارها الوجود الإماراتي في جزيرة "سقطرى" العام الماضي حين قامت أبوظبي بنشر دبابات في ميناء "هاديبو"، الميناء الرئيس في الجزيرة، تزامنا مع زيارة "بن دغر" للأرخبيل، دافعة الحكومة اليمنية لشجب التحركات الإماراتية "الاستعمارية" في سقطرى واللجوء لمجلس الأمن لإثبات يمنية الأرخبيل، ما اضطر الإمارات للتراجع في النهاية والتخلي عن القيادة في الجزيرة لصالح القوات السعودية، مع الاستمرار في السيطرة على الميناء والمطار الرئيسين هناك.

لم تكن مواجهة سقطرى هي الأولى في سجل الخلافات بين الإمارات وبين السلطة المدعومة من السعودية في اليمن بقيادة "عبد ربه منصور هادي" منذ التدخل العسكري السعودي الإماراتي في البلاد عام 2015، فمنذ عامين تقريبا تشهد العلاقات بين الإمارات والحكومة اليمنية حالة من الشد والجذب إثر اتهام الرئيس هادي عام 2017 لأبوظبي بالتصرف كـ "قوة احتلال" في اليمن، ما اضطر المملكة للتدخل والوساطة بين الطرفين، لكن مواجهة سقطرى كانت على ما يبدو خطيئة هادي وبن دغر التي لم يغفرها محمد بن زايد أبدا، وخلال أيام قليلة من تلك المواجهة في مجلس الأمن، كانت حكومة "بن دغر" مضطرة لمغادرة عدن إلى الرياض بسبب مضايقات الميليشيات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي، وبسبب الحصار الذي فرضته هذه الميليشيات على قصر المعاشيق في عدن والذي تُدار أعمال الحكومة من خلاله.

كانت كواليس هذه المواجهات القريبة حاضرة في ذهن "معين عبد الملك" في اللحظات الأولى لتوليه منصبه، وكان المهندس اليمني موقنا تمام اليقين على الأرجح أنه في حين أن قرار تعيينه في منصبه حمل توقيع الرئيس اليمني "هادي"، فإن الرياض هي من كتبت القرار وأبوظبي هي من صدّقت عليه، لذا فإنه حرص منذ اللحظة الأولى على تأكيد أن حكومته ستتولى الشق الإداري والاقتصادي فقط من العمل الحكومي ولن تدير الأمور السياسية والعسكرية، في رسالة بدت وأنها موجهة للعاصمتين الخليجيتين، ولأبوظبي في المقام الأول، وللوهلة الأولى، بدا أن الرسالة وقعت على آذان مُصغية، فبعد ساعات قليلة من تصريحات "عبد الملك" جرى الإعلان عن عودة الحكومة اليمنية لممارسة مهامها من جديد في عدن في نهاية أكتوبر/تشرين الأول المنصرم.

لكن الأمر استغرق ثمانية أشهر كاملة على توليه منصبه قبل أن يقرر "عبد الملك" الذهاب إلى أبوظبي، أو قبل أن تقرر الأخيرة استقباله على وجه الدقة، وكان رئيس الوزراء يدرك أن عليه تجاهل الكثير من الفتور والبرود الذي سيواجهه من المسؤولين الإماراتيين أملا في تحقيق هدفه في نهاية المطاف وانتزاع أكبر قدر ممكن من التعهدات المالية من العاصمة الخليجية الثرية لتمويل حكومته، ودفع فواتير الحرب المستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام، بيد أن ما لم يدركه رئيس الوزراء هو أن أبوظبي كانت قد حسمت موقفها من اليمن منذ أحداث سقطرى، وقررت أن عليها ببساطة التوقف عن لعبة الرقص على الحبال بين متابعة مصالحها الخاصة وبين محاولات الإيفاء بمقتضيات تحالفها مع السعودية.

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي

رويترز
 

فعلى عكس السعودية، لم تكن الإمارات في أي وقت تُعنى بشرعية هادي أو حكوماته في المقام الأول، ولم ترضَ أبوظبي أبدا عن حلفاء هادي والسعودية وعلى رأسهم التجمع اليمني للإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين التي تراها الإمارات خصمها الأول، ولم يُشكّل الحوثيون في أي وقت بالنسبة لأبوظبي أكثر من تهديد ثانوي، فيما كانت مصالح الإمارات في الحرب دوما مرتبطة بعدن والجنوب وضمان النفوذ على الموانئ وسلاسل الشحن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي مصالح لا تحتاج من أبوظبي إلى استثمار الكثير من الأصول العسكرية الثابتة بعد أن نجحت في تدريب وكسب ولاء أكثر من 90 ألفا من رجال القبائل اليمنيين وأفراد الأمن السابقين وأعضاء "الميليشيات الجنوبية" الذين يمكنهم رعاية مصالحها دون وجود عسكري كبير.

كان عبد الملك على موعد مع مفاجأة صادمة(1) حين أبلغه المسؤولون الإماراتيون أثناء الزيارة أنهم قرروا البدء في سحب قواتهم من اليمن بنهاية الشهر، وأن القرار قد اتُّخذ بالفعل ولا جدوى من مناقشته، وقبل نهاية يونيو/حزيران الموعود، كانت الإمارات قد أعلنت قرارها بالفعل وبدأت على الفور في سحب قواتها من نقاط المواجهة الرئيسة في اليمن، لتحل محلها الميليشيات القبلية والقوات السعودية.

لم تقف الأمور عند هذا الحد، وعلى مدار الأسابيع التالية أصبح من الواضح أن قرار الانسحاب الإماراتي من اليمن لم يكن مجرد قرار منفرد يخص اليمن وحدها، وإنما كان جزءا من مراجعة كبيرة لموقف أبوظبي تجاه العديد من الصراعات في المنطقة وخاصة الصراع الأوسع مع إيران، وبدا ذلك واضحا إثر انخراط أبوظبي وطهران في مفاوضات مباشرة مفاجئة حول أمن الحدود كُلِّلت باتفاق حول التعاون الحدودي بين البلدين في الأول من أغسطس/آب الحالي.

كان ذلك يعني أن آثار الصدمة التي خلّفتها المراجعات السياسية الإماراتية لن تقتصر على رئيس الوزراء اليمني وأعضاء حكومته الذين عادوا للتو من أبوظبي إلى عدن بخُفَّيْ حُنين، ولكن آثارها ستصيب المنطقة بأسرها، وستنعكس بشكل أكثر وضوحا على حليف الإمارات الأقرب وهو السعودية وولي عهدها "محمد بن سلمان"، القائد الفعلي لحرب اليمن، والذي لم يجد نفسه فقط وحيدا فجأة في حرب بلا مكاسب تتعرض لانتقادات دولية متزايدة وهو أبعد ما يكون عن النصر فيها، ولكنه فوجئ -على الأغلب- بأنه يصبح وحيدا ومعزولا أيضا في "معركته المقدسة الكبرى" ضد إيران، بما يعني أنه رغم أن الانسحاب الإماراتي من اليمن كان الطعنة الأبرز في جسد العلاقة السعودية الإماراتية في السنوات الأخيرة، فإنه من الواضح أنها لن تكون الطعنة الوحيدة التي ستُصيب جسد التحالف المهيمن على مجريات السياسة في الشرق الأوسط منذ مطلع العقد الحالي، في ظل التباين الواضح في الرؤى والمصالح بين الحليفين، وميل أبوظبي لمتابعة أجندتها الخاصة، حتى ولو على حساب حليفها السعودي.


كل رهانات أبوظبي

منذ نهاية عام 2010 وبدايات الربيع العربي، وتزايد مطالب التغيير الديمقراطي في العالم العربي؛ تطورت علاقة خاصة (2) بين السعودية والإمارات استندت إلى المصالح المشتركة للبلدين في مواجهة الربيع العربي ورغبتهما في إعادة الاستقرار للأنظمة الاستبدادية الحاكمة في المنطقة والتي هدف "الربيع" للإطاحة بها، وكانت أولى ثمار هذه العلاقة الخاصة هو الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال "عبد الفتاح السيسي" في القاهرة منتصف عام 2013، فيما كان التدخل العسكري المشترك في اليمن عام 2015، تحت ستار مواجهة الحوثيين وإعادة الرئيس "هادي" إلى الحكم في صنعاء؛ هو التجلي الأبرز لهذه العلاقة، حيث عمّقت الحرب التي جاوزت عامها الرابع المصالح المشتركة بين البلدين، وعزّزت من الشعور بوحدة المصير بين ولي عهد أبوظبي "ابن زايد"، وولي العهد الشاب السعودي "ابن سلمان".

وفيما ظلّت اليمن الميدان الأبرز للتحالف السعودي الإماراتي، فإنها كانت في الوقت نفسه الساحة التي أظهرت الشقوق المبكرة (3) في جسد ذلك التحالف وسلّطت الضوء على الخلافات الكامنة بين الدولتين منذ الأشهر الأولى لتدخّلهما العسكري وتحديدا منذ معارك "تعز" نهاية عام 2015، حين ظهر الخلاف الأول بين الحليفين في التعامل مع التجمع اليمني للإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين المحلي والذي يعد أبرز القوى الفاعلة في "تعز"، ففي حين كانت الرياض تميل إلى التعاون مع الإصلاح بحكم علاقاتها طويلة الأمد مع قادة المنظمة اليمنية، رفضت أبوظبي إشراك الإصلاح، وشن وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي "أنور قرقاش" هجوما على أعضاء الإصلاح متهما إياهم بالخيانة والتواطؤ مع الحوثيين.

شيئا فشيئا، تطوّرت خلافات الإمارات مع الإصلاح إلى خلافات جوهرية مع سلطة الرئيس "هادي" المدعوم من السعودية، وهو من رأت أبوظبي أن العديدين من أعضاء حكومته والدائرة الداخلية به مرتبطون بالإصلاح بشكل كبير، وفي ظل عجز الحليفين الخليجيين عن الوصول لمقاربة مشتركة حول من ينبغي العمل معه في اليمن، فقد توصّلا إلى اتفاق ضمني لتقسيم النفوذ، حيث تولّت السعودية القيادة في المناطق الشمالية القريبة من حدودها حيث تدور معظم المواجهات مع الحوثيين، فيما تولّت الإمارات قيادة الأمور في عدن والجنوب وتولّت المسؤولية عن عمليات ما أسمته بـ "مكافحة الإرهاب".

خلال فترة قصيرة، نجحت الإمارات في ترسيخ هيمنتها كحاكم فعلي وصانع للملوك في جنوب اليمن، وقامت بتنظيم ودعم الكيانات السياسية والميليشيات المناوئة لسلطة حكومة هادي في الجنوب وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة محافظ عدن "عيدروس الزبيدي"، وهو الذي أقاله "هادي" من منصبه بسبب ارتباطه بالإمارات، حيث دعمت الأخيرة سرا نشاطات المجلس الجنوبي الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن عن الشمال، وهو توجه لا يبدو أن أبوظبي تمانعه بالنظر إلى أن وجود دولة موالية للإمارات في جنوب اليمن ربما يكون مثاليا لضمان سيطرة أبوظبي على مضيق باب المندب وحركة النفط في البحر الأحمر.

بذلك، حوّلت الإمارات المجلس الانتقالي اليمني إلى قيادة غير رسمية وفعلية للجنوب، وتحوّل الجنوب نفسه لقاعدة للنفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي، لكن ذلك لم يأتِ بغير تكلفة، وبخلاف خسارة الإمارات للعدد الأكبر من القتلى في أي مواجهة عسكرية منذ تأسيس البلاد مطلع السبعينيات؛ فإن الحرب سرعان ما تحولت إلى عبء كبير على سمعة أبوظبي الدولية بسبب الخسائر الكبيرة التي خلّفتها العمليات العسكرية في صفوف المدنيين اليمنيين بفعل عمليات القصف التي قامت بها القوات الجوية السعودية بوجه خاص، وبفعل الأزمة الإنسانية الأكثر كارثية في العالم والتي تم تسليط الضوء عليها بشكل مكثف مع بداية معارك "الحديدة" منتصف العام الماضي، هذا بخلاف المقاومة والانتقادات التي لمستها أبوظبي من اليمنيين العاديين في المناطق التي توجد فيها القوات الإماراتية.

كان على أبوظبي إذن أن تغير إستراتيجيتها (4) وتتخلى عن مقاربتها العسكرية الصريحة للصراع اليمني سعيا نحو تبني نهج أكثر دبلوماسية عبر تقليص وجودها العسكري، خاصة أن أبوظبي -على عكس الرياض- ربما ترى أنها حققت أهدافها الخاصة في اليمن بالفعل، وليس عليها أن تستثمر المزيد في الموارد في صراع بلا أفق ولا عدو واضح، كما تدرك أبوظبي أن السعودية -رغم غضبها من الانسحاب الإماراتي- لن يكون بمقدورها حرمان الإمارات من الوصول إلى المرافق البحرية الإستراتيجية التي ستتنازل عنها الأخيرة للقوات السعودية، وعلاوة على ذلك، رجحت أبوظبي أن النهاية الحتمية للصراع الحالي في اليمن ستكون عبر تقسيمه، وهو سيناريو ترى الإمارات أنه سيحفظ مصالحها الحيوية الإستراتيجية في الجنوب والتي استثمرت فيها كثيرا، وفي الوقت نفسه سيجعلها معزولة جغرافيا نسبيا عن التهديدات القادمة من الحوثيين في الشمال.

في الوقت نفسه، تضافرت العديد من العوامل من خارج المسرح اليمني والتي عززت بدورها قرار الانسحاب الإماراتي من اليمن، ويأتي على رأس هذه العوامل الأنشطة الإيرانية الأخيرة في الخليج العربي ومضيق هرمز والتي تشمل استهدافا لسفن وناقلات النفط التابعة لحلفاء الولايات المتحدة وفي مقدمتهم الإمارات، وفي حين تبدو واشنطن غير راغبة في خوض مواجهة عسكرية مع طهران وهو ما أصبح واضحا بشكل خاص بعد تراجع الرئيس دونالد ترامب عن ضرب إيران بعد إسقاطها لطائرة تجسس أميركية، ترى أبوظبي أنها لن يمكنها الاعتماد على الحماية الأميركية في احتواء أي أضرار جانبية قادمة من طهران، وهو ما يدفعها للتحوط (5) وتجميع جنودها بالقرب من الوطن.

وبالمثل، يبدو أن القادة الإماراتيين أصبحوا أكثر قلقا (6) حول ارتباطهم الوثيق بالسعودية خاصة في الوقت الذي تقف فيه الرياض في قلب العاصفة السياسية الأميركية مع محاولات النواب في الكونغرس تمرير تشريعات لوقف تصدير الأسلحة الأميركية إليها (والإمارات بالتبعية في بعض المقترحات)، ورغم أن هذه التشريعات فشلت بالنَّفاذ بسبب استخدام ترامب لحق النقض (الفيتو)، تدرك الإمارات أنه ليس بمقدورها الرهان على دعم ترامب وإدارته في واشنطن وخسارة دعم النواب المؤثرين في الكونغرس، خاصة مع اقتراب انتخابات 2020 واحتمالية مغادرة ترامب منصبه لصالح رئيس ديمقراطي من المتوقع أن يكون أكثر حزما في التعامل مع السياسات العدائية للحليفين الخليجيين.

إعادة التموضع

قائد قوات حرس الحدود الإيراني قاسم رضائي، مع قائد قوات خفر السواحل الإماراتي محمد علي مصلح الأحبابي

مواقع إيرانية
 

تدفع هذه التطورات المتسارعة على المشهدين الإقليمي والعالمي أبوظبي إلى التحوط نسبيا في رهاناتها، وهي سياسة لم تقف عند حدود اليمن. ففي الأسبوع الأخير من يوليو/تموز المنصرم، وقبل مرور أقل من شهر على قرارها المثير للجدل بالانسحاب من اليمن، أقدمت أبوظبي على خطوة سياسية جديدة لا تقل جدلا حين قامت (7) بإرسال وفدين رسميين متتاليين إلى إيران يومي 26 و30، وكان ذلك الوفد الأخير مُهِمًّا بشكل خاص، حيث جاء بقيادة قائد خفر السواحل الإماراتي العميد "محمد علي مصلح الأحبابي" والذي التقى نظيره الإيراني العميد "قاسم رضائي" قائد شرطة حرس الحدود الإيرانية من أجل مناقشة أمن الحدود البحرية، وقد تُوّجت هذه المحادثات بالفعل في الأول من أغسطس/آب الحالي بإعلان توقيع البلدين مذكرة تفاهم حول الأمن الحدودي.

يُعدّ هذا التواصل الإماراتي مع إيران مفاجئا ومثيرا للدهشة من عدة أوجه (8)، أولها أنه ربما يكون التواصل الأول على هذا المستوى بين البلدين من أكثر من ثلاثة أعوام، وتحديدا منذ مطلع عام 2016 حين قامت أبوظبي بتخفيض تمثيلها الدبلوماسي في العاصمة الإيرانية بعد اعتداءات المحتجين الإيرانيين على القنصليتين السعوديتين في مشهد وطهران أعقاب إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي السعودي "نمر النمر"، وثانيها أن الإمارات كانت في مقدمة الداعمين لحملة "أقصى ضغط" التي شنتها الإدارة الأميركية الحالية ضد طهران، وقبلها كانت من أوائل المرحبين بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018، وليس آخر أسباب الدهشة أن الإمارات نفسها كانت على رأس المستهدفين من الأعمال العدائية منخفضة الكثافة التي شنّتها إيران على ناقلات النفط في الخليج.

ورغم ذلك، ليس من الصعب تفسير ذلك السلوك الإيراني المفاجئ، وفي السياق الأوسع تبدو هذه التطورات منطقية إلى حدٍّ كبير. فمن المنظور الإماراتي، يبقى الصراع مع إيران صراعا جيوسياسيا في المقام الأول وليس طائفيا أو أيديولوجيا كما في حالة السعودية، وقد تبنّت الإمارات تاريخيا سياسات أكثر من دبلوماسية في تعاملها مع طهران، رغم أن الصراع بين البلدين يعود لليوم الأول لتأسيس الدولة الإماراتية حين سيطرت طهران على الجزر الثلاث الخليجية التي تدّعي أبوظبي أنها إماراتية، وتبقى السياسات العدائية الحالية لأبوظبي في التعامل مع طهران وليدة تحالفها مع السعودية في المقام الأول، وتعززت مع وجود إدارة أميركية معادية تماما لطهران، بل لعلنا لا نبالغ إذا زعمنا أن هناك خلافا كبيرا ومتناميا يختمر بين أبوظبي وبين سائر الإمارات الاتحادية، وبخاصة دبي، حول سياسة البلاد تجاه إيران.

فعلى عكس أبوظبي الغنية بالنفط والتي تنظر لإيران كخصم في المقام الأول، تعتمد (9) دبي في رخائها الاقتصادي بشكل كبير على التجارة والسياحة، وقد حافظت الإمارة على تبادلاتها التجارية مع إيران لعقود. ويوجد في دبي أيضا أقلية شيعية مهمة ومؤثرة نسبيا وعدد كبير من رجال الأعمال الناجحين من ذوي الأصول الإيرانية، وقد عملت المؤسسات المالية في دبي تاريخيا كقناة خلفية لإيران للالتفاف على العقوبات الإيرانية، ونتيجة لذلك فإن دبي غالبا ما لعبت دور الثقل الموازن لأبوظبي في صياغة السياسة الإماراتية تجاه إيران، قبل أن تفقد الإمارة الكثير من ثقلها المالي والسياسي حين تدخلت أبوظبي لإنقاذها من الانهيار في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ونتيجة لذلك، انزوت دبي سياسيا خلال الأعوام السابقة بشكل كبير، واستأثرت أبوظبي بصناعة السياسة الخارجية الإماراتية، غير أن المغامرات السياسية لحكام أبوظبي خلال الأعوام الأخيرة وعلى رأسها الحرب في اليمن والسياسية العدائية تجاه إيران والتدخل في ليبيا وغيرها يبدو أنها أثارت حنق دبي وحكام باقي الإمارات المهمشين، حيث تشير مصادر استخباراتية (10) إلى أن معارضة أمير دبي "محمد بن راشد آل مكتوم" قد لعبت دورا كبيرا في الانسحاب الإماراتي الأخير من اليمن وكذلك في السياسة الإماراتية الأكثر مرونة مؤخرا تجاه إيران.

بخلاف ذلك، يبدو أن حكام الإمارات جميعا وصلوا إلى قناعة مفادها أن بلادهم يمكن أن تكون الهدف الأكبر والأكثر هشاشة في أي صراع إقليمي أو دولي ضد إيران، ما قد يهدد بتبديد المكاسب السياسية والعسكرية التي راكمتها البلاد خلال السنوات الأخيرة سواء على مستوى العلاقات التجارية أو النفوذ السياسي أو حتى القوة العسكرية، فرغم امتلاك الإمارات لجيش قوي؛ فإن إيران يمكن أن تتفوق عليه بشكل كامل في أي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ربما ما يُفسّر تجنب (11) أبوظبي اتهام طهران بتخريب السفن في الخليج على عكس اتهامات واشنطن والرياض الحادة والمباشرة.

وكما هو الحال في اليمن، تدرك الإمارات أنها لن يمكنها الرهان على استمرار السياسة الأميركية الحالية تجاه إيران حال صعود إدارة ديمقراطية إلى البيت الأبيض في 2020، ومع علمها أن إدارة ترامب لا تسعى لحرب مع إيران وإعلان ترامب نفسه أن هدف سياسته الحالية هو جلب طهران مجددا للتفاوض دون شروط، استنتجت (12) أبوظبي على ما يبدو أن واشنطن لا تمانع في حدوث قدر من التواصل المباشر بينها وبين طهران، حيث يمكن للإمارات من خلال هذه المحادثات أن توفر قناة إضافية لتخفيف التوترات الأميركية الإيرانية في الوقت الذي ترعى فيه مصالحها الخاصة مع الدولة الفارسية، وفي الوقت نفسه، فإن فشل أبوظبي في تحقيق ذلك لن يمس الحسابات الحساسة للإدارة الأميركية قبل عام الانتخابات الحاسم.

تحالف الإخوة الأعداء



في ضوء ذلك، يبقى الخاسر الأوحد من السياسة الإماراتية الجديدة هو حليف أبوظبي الأقرب "الرياض"، حيث لا تعتبر الحكومة السعودية التحركات الإماراتية الأخيرة تطورات إيجابية بالنسبة لها. وعلى عكس مزاعم الإمارات أن الانسحاب من اليمن نُوقش بشكل كامل مع السعودية، أشارت نيويورك تايمز (13) إلى أن المسؤولين السعوديين حاولوا إثناء نظرائهم الإماراتيين عن الانسحاب ولكنهم فشلوا في ذلك، ما دفع "ابن سلمان" للاستنجاد بترامب لتعويض الفارق العسكري الكبير الذي خلّفه الانسحاب الإماراتي، بيد أن مطالبه قوبلت ببرود كبير في واشنطن.

في الحقيقة، لدى السعودية جميع الدوافع الممكنة للشعور بالقلق حول السياسات الإماراتية الأخيرة خاصةً ما يتصل بالانسحاب من اليمن، بالنظر إلى التهديدات العسكرية الكبيرة التي يُشكِّلها الحوثيون على حدود البلاد، والتطور النوعي لقدرات الطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية الحوثية التي تستهدف عمق الأراضي السعودية وتبدو الأخيرة عاجزة عن التعامل معها حتى مع الوجود الإماراتي، فضلا عن الفجوات العسكرية الكبرى التي خلّفها رحيل الإمارات عن مسارح المواجهات المباشرة مثل الخوخا ومدينة المخا الساحلية الجنوبية والمناطق الساحلية المجاورة للحديدة وحزيرة بريم وحتى عدن نفسها، وجميعها مواقع تجد المملكة نفسها مضطرة للانتشار فيها بسرعة لمنع استعادتها من قِبل الحوثيين أو استخدامها كطرق للتسلل، وهو أمر يبدو مُكلفا جدا في ظل ما يواجهه الاقتصاد السعودي من عجز مالي.

ويبدو أن القدر لم يمهل السعودية كثيرا قبل أن تتجسد مخاوفها على أرض الواقع، ففي الأول من أغسطس/آب الحالي شن الحوثيون أقوى هجماتهم في عدن منذ سقوطها في أيدي التحالف عام 2015، واستهدف الهجوم عرضا عسكريا في المدينة الساحلية عبر صاروخ باليستي وطائرة بدون طيار مُخلِّفا أكثر من 40 قتيلا، وكان الهجوم فيما يبدو محاولة (14) من الحوثيين لاستعراض قدراتهم غير المتماثلة في المسارح التي يسيطر عليها التحالف وإضعاف معنوياته بعد أنباء الانسحاب الإماراتي، لكنه مَثّل تذكيرا واضحا للسعودية بالعواقب التي تنتظر مواجهتها هناك.

لم تقتصر تداعيات الهجوم على آثاره المباشرة، ولكنه دقّ إسفينا (15) إضافيا إن جاز القول بين الحكومة اليمنية الموالية للسعودية والتي تُدير جزءا كبيرا من أعمالها في عدن، وبين قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات والتي استهدفها الهجوم الحوثي في المقام الأول، وفي السابع من الشهر الحالي، شنّ الانفصاليون اليمنيون هجوما على القصر الرئاسي في عدن للإطاحة بالحكومة، حيث تصدى لهم الحرس الرئاسي مما أدّى إلى سقوط قتلى وجرحى من كلا الطرفين، في مشهد مرشح بشدة للتكرار في الأيام المقبلة.

تُمثّل قوات الحزام الأمني والميليشيات الانفصالية الجنوبية الموالية للإمارات صداعا إضافيا في رأس السعودية. ورغم أن هذه الميليشيات من المفترض أنها تعمل تحت قيادة السعودية والحكومة اليمنية الموالية لها، فإنها في الحقيقة لا تثق في الرياض أو حكومة هادي، وهي تعمل لخدمة أجندتها الخاصة التي تدور حول الانفصال وتقرير المصير، ومن المتوقع أن تعاني السعودية لتأمين ولاء هذه الميليشيات التي تتراوح بين القومية مثل قوات النخبة الحضرمية والتهامية والسلفية الدينية مثل كتائب أبوالعباس، أو دفعها للتعاون مع الحكومة فضلا عن إدارة الخلافات الداخلية بينها.


وقد أظهر انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن على الحكومة الشرعية خطورة هذه المليشيات وتأثيراتها على الواقع السياسي الاجتماعي اليمني، لكنها كذلك طرحت العديد من الأسئلة أولا حول ارتباط إعلان الإمارات بالانسحاب من اليمن مع ما شنته القوات الموالية لها (المجلس الانتقالي الجنوبي) من انقلاب على الحكومة الشرعية، وثانيا حول أسباب الصمت السعودي الذي لم يكسره سوى دعوة الحوار التي أطلقتها عقب إعلان قوات الحزام الأمني والمجلس الانتقالي سيطرتهم على عدن.

على المستوى الميداني، من الواضح أن قادة السعودية وعلى الأخص "ابن سلمان" سيجدون أنفسهم مضطرين لدفع ثمن التغاضي عن الأهداف الحقيقية للتدخل الإماراتي في اليمن والتي لم تكن مطابقة لأهداف السعودية في أي وقت، وعلى المستوى السياسي ستجد السعودية نفسها مُحمَّلة وحدها بالفواتير السياسية لتدخل عسكري قاسٍ دام أكثر من أربعة أعوام، بما لا يشمل فقط فاتورة البحث عن مخرج سياسي للحرب لا يضر بصورة المملكة أو بأمنها القومي، ولكنه يشمل أيضا معالجة الآثار الأكبر للحرب في اليمن على صورة السعودية العالمية بعدما حوّلها الانسحاب الإماراتي بشكل رسمي إلى حرب "محمد بن سلمان" الخاصة.

على المستوى الإستراتيجي الأوسع، ستدفع السعودية أيضا التكاليف الأكبر لأي تحوّل سياسي في الموقف الغربي تجاه إيران، وبعد انسحاب الإمارات من مسارح المواجهة مع طهران في اليمن وحول الممرات المائية في الخليج، لا يبقى أمام السعودية سوى مراقبة انتخابات 2020 الأميركية على أمل أن يفوز ترامب بولاية جديدة وأن يستمر في سياسته الحازمة تجاه إيران، بعد أن أصبحت الإدارة الأميركية حليف الرياض الأخير والوحيد في هذه المواجهة.

لكن ذلك كله، لا يعني أن التحالف السعودي الإماراتي في طريقه للانهيار في وقت قريب، فمن ناحية لا يزال البلدان بحاجة إلى التعاون مع بعضهما بعضا في مسارح المواجهات المختلفة ضد أعدائهم الأزليين من جماعات الإسلام السياسي وقوى التغيير الثورية في العالم العربي من ليبيا إلى الجزائر إلى السودان واليمن نفسها وحتى داخل الخليج بعد أن تفكك مجلس التعاون الخليجي فعليا لا رسميا بفعل الحصار ضد قطر، ومن ناحية أخرى لا يمكن اعتبار التغيرات الأخيرة في السياسة الإماراتية تجاه إيران باعتبارها تحولات راديكالية، بقدر ما يمكن اعتبارها إعادة تموضع إستراتيجي للتخفّف من فاتورة الصراعات. وفي النهاية، تدرك أبوظبي والرياض أنهما بحاجة إلى بعضهما بعضا، ولكنهما تدركان أيضا أن التحالف بينهما سينال نصيبه العادل من الصراعات والشقوق، وأنه في المستقبل القريب لن يكون بالفاعلية ذاتها التي كان عليها قبلا وفي السنوات الأخيرة، وهي فاعلية كان لها أثر كبير في حماية البلدين الخليجيين من آثار سياساتهما المتهورة وغير المحسوبة في الكثير من الأحيان في الشرق الأوسط. كما أن الانقلاب الأخير الذي حصل في عدن، قد يمثل أحد المحطات المفصلية في إعادة تشكّل هذا التحالف وتمساكه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار