انضم إلينا
اغلاق
القيصر والجنرال.. ماذا وراء مغامرات بوتين في ليبيا؟

القيصر والجنرال.. ماذا وراء مغامرات بوتين في ليبيا؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

هناك القليلون في التاريخ الحديث ممّن يُمكنهم منافسة العقيد الليبي الراحل "معمر القذافي" في غرابة الأطوار والتصريحات المثيرة للجدل، وبالتأكيد فإن "كيرسان إليومزينوف"، رجل الأعمال والرئيس السابق لجمهورية كالميكيا التابعة للاتحاد الفيدرالي الروسي ورئيس الاتحاد الدولي للشطرنج لأكثر من عقدين، هو أحد هؤلاء، مع تاريخ حافل بالادّعاءات الغريبة ليس أقلها زعمه قدرته على التواصل مع الآخرين عبر التخاطر، وتصريحاته المثيرة للجدل حول قيام مجموعة من الفضائيين باختطافه على متن سفينة الفضاء الخاصة بهم واصطحابه لزيارة كوكبهم قبل أن يعاود الظهور في غرفة نومه بعد ساعة واحدة فقط.

   

لذا لم تكن مباراة الشطرنج الملحمية التي نقلها التلفاز الحكومي الليبي بين إليومزينوف والقذافي في يونيو/حزيران لعام الربيع العربي 2011 سوى نهائي مستحق لكأس العالم للقادة غريبي الأطوار، خاصة مع تصريحات إليومزينوف التي تلت المباراة مؤكدا خلالها أنه منح القذافي تعادلا باعتباره لم يكن يريد الإساءة لمُضيفه، لكن التعادل الحقيقي الذي أراد إليومزينوف منحه للقذافي كان يتجاوز مباراة الشطرنج الاستعراضية لعالم الواقع، فمع اشتعال الثورة الشعبية ضد نظام القذافي إبان الربيع، سعت موسكو لمنح الديكتاتور الليبي تعادلا(1) سياسيا مع معارضيه المدعومين بغطاء وقصف جوي لطائرات حلف شمال الأطلسي "الناتو".

 

بدأ كل شيء في السابع عشر من فبراير/شباط للعام المذكور، حين خرج الليبيون مطالبين بإنهاء حكم القذافي، ليُقرِّر الأخير مواجهتهم بمستوى غير مسبوق من القمع استدعى في نهاية المطاف شنّ حملة جوية من قِبل الناتو ضد نظامه -الذي لم يكن يلقى قبولا لدى الغرب بالأساس- تحت شعار "حماية المدنيين"، وهو تدخل لم تحبه موسكو بنظرتها المعتادة تجاه المساعي الأميركية المزعومة لاستغلال ثورات الربيع العربي للإطاحة بالحُكّام غير المرغوبين لواشنطن وحلفاء روسيا في الشرق الأوسط.

   

أحد المباني التي كانت تستخدمها قوات تابعة للقذافي أعقاب غارة جوية شنها حلف الناتو في بلدة بير الغانم غرب ليبيا (رويترز)

   

ورغم أن القذافي لم يكن حليفا لروسيا بالمعنى التقليدي مثل نظام الأسد في دمشق، فإن البلدين جمعتهما مصالح ضمنية على أساس العداء المشترك للهيمنة الغربية، مع حفنة من المصالح الاقتصادية والعسكرية الموسعة، غير أن ذلك لم يكن كافيا لدفع الروس لإلقاء ثقلهم الدبلوماسي وراء العقيد الليبي منذ البداية، حيث اكتفت موسكو بالامتناع عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي لعام 2011 الذي يعاقب نظام القذافي على انتهاكات حقوق الإنسان، وهو القرار الذي وضع حجر الأساس للتدخل الغربي بقيادة الناتو في ليبيا. اعتراض جاء اتساقا مع سياسة موسكو التقليدية التي تُعارض بشكل مطلق التدخلات الغربية ضد الأنظمة السيادية.

 

لكن التدخل الغربي في ليبيا تطور بسرعة لم يتصورها الروس في البداية، وبدلا من الاقتصار على توفير غطاء جوي لحماية المتظاهرين، اتضح أن حملة الناتو الجوية استهدفت تقويض نظام القذافي بما مهّد الطريق لإعادة هندسة المشهد الليبي بشكل يتوافق مع المصالح الغربية، ما دفع موسكو لمراجعة سياستها لتُوفد إليومزينوف كمندوب غير رسمي لها لليبيا في محاولة لإظهار الصداقة للقذافي بعدما انفض عنه معظم حلفائه، وسعيا لإقناعه بالتوصل لتسوية تفاوضية مع معارضيه يمكن أن تحفظ له سيطرته على الأرض وتُنقذ حكمه، في وقت كانت فيه حملة القصف الغربي تُعاني جمودا نسبيا إثر معارضة ألمانيا للحملة، والانقسام بين دول الناتو حول جدواها والهدف منها.

 

بيد أن تدخل موسكو جاء متأخرا، ولم تُفلح لعبة الشطرنج الروسية في إقحام القياصرة كوسطاء بين الحكومة والمعارضة في ليبيا أو حتى بين القذافي والغرب كما أمل وقتها الرئيس الروسي "ديمتري مدفيديف" ورئيس الوزراء "فلاديمير بوتين"، وبعد أكثر من أربعة أشهر ونيف فقط على مباراة الشطرنج الشهيرة، لقي "القذافي" حتفه في مشهد درامي في مسقط رأسه بمدينة "سرت"، وبدا أن مقتله كتب شهادة وفاة النفوذ الروسي في طرابلس الجديدة التي توقَّع الجميع أنها ستكون أقرب للغرب من أي وقت منذ صعود نظام القذافي نهاية الستينيات.

   

مباراة الشطرنج بين القذافي والروسي إليومزينوف (رويترز)

  

لكن ليبيا أثبتت أنها أكثر تعقيدا مما بدا، وبمجرد الإطاحة بنظام القذافي اندلع صراع محتدم على السلطة بين عشرات الفصائل والميليشيات والقوى السياسية والقبلية، وفشلت ليبيا على مدار قرابة تسعة أعوام في الاندماج تحت سلطة حكومة واحدة، وباتت ملعبا للعديد من القوى الأجنبية بما تحمله من فرص ومكاسب على أكتاف القوى المتناحرة، ولم تكن روسيا بعيدة عن ذلك، ففي أعقاب تدخل عسكري ناجح لها في سوريا عام 2015، بدأت موسكو في إيلاء الملعب الليبي اهتماما كبيرا منذ عام 2017، وكثفت من تواصلها مع الفصائل الليبية المختلفة وبالأخص مع "خليفة حفتر"، القائد الميليشياوي البارز في الشرق الليبي والذي يخوض حربا ضروسا ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في طرابلس.

 

بالنسبة لموسكو، هناك الكثير من أوجه الشبه التي تجمع بين رئيس النظام السوري "بشار الأسد" وبين الجنرال المتقاعد "حفتر"، فمثل الأسد الذي يشير إلى معارضيه دوما على أنهم "إرهابيون"، غالبا ما يُقدِّم حفتر نفسه كـ "حاجز" ضد ما يسميه "التطرف العنيف" بليبيا، حيث يرى كلٌّ منهما نفسه الضامن الوحيد للوصول لنوع من الاستقرار في كلا البلدين، ويبدو أن هذه الرسالة تطرب آذان موسكو التي تُفضِّل التعامل مع الحُكّام الديكتاتوريين الأقوياء وترى أنهم الأقدر على حفظ مصالحها.

 

في ضوء ذلك، لم يكن رهان روسيا على حفتر مفاجئا، وهو رهان يتوافق مع النمط التقليدي لحلفاء الروس بالمنطقة، ورغم ذلك فإن إستراتيجية موسكو الليبية لم تتضمن بعد قصف البلاد بالقنابل من أجل إخضاعها لسلطة حفتر كما فعلت في سوريا ومع معارضة "الأسد"، وذلك لأن ليبيا تحتل أولوية ضئيلة على أجندة السياسة الروسية مقارنة بسوريا، ويبدو أن موسكو ترغب في اتباع نهج أكثر تعاونا في الملف الليبي وترى أن مصالحها ستُخدم بشكل أفضل عبر الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وهو نهج من المرجح أن يتعزز مع قرار تركيا مؤخرا إرسال قوات عسكرية دعما لحكومة الوفاق الوطني بقيادة "فايز السراج" في طرابلس، وهو ما وضع موسكو وأنقرة في مواجهة بعضهما بعضا في ملعب جديد، حيث ترغب كلتا القوتين في استغلال الفراغ والتردد الغربي للعب دور "صانع الملوك" على الأراضي الليبية.

   

   

"طرابلس السوفييتية"

تُعَدُّ ليبيا بلدا صحراويا يمتلك آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة مع دول الجوار بما يشمل الجزائر ومصر وتشاد والنيجر والسودان وتونس، ما يعني أنها تقع على مفترق طرق رئيس بين شمال أفريقيا وجنوب أوروبا ومنطقة الساحل الأفريقي، وبخلاف ذلك فلدى ليبيا أكثر من 46.4 مليار دولار من الاحتياطات النفطية المؤكدة، ما يضعها في المرتبة الأولى أفريقيًّا والعاشرة عالميًّا من حيث حجم الاحتياطات الهيدروكربونية، فضلا عن 53 تريليون قدم مكعب من احتياطات الغاز المؤكدة.

 

وبسبب هذه الاحتياطات الكبيرة مع شبكة كبيرة من الموانئ والمحطات النفطية، ظلّت ليبيا على مدار عقود المصدر الرئيس للطاقة في بلدان جنوب أوروبا وعلى رأسها فرنسا وإيطاليا، فعلى عكس النفط والغاز الطبيعي المنقولين من مناطق أبعد، كانت تكلفة استخراج الوقود الأحفوري من ليبيا ونقلها للأسواق الغربية منخفضة للغاية، وهو ما جعلها لفترة طويلة المورد المفضل للطاقة للدول الأوروبية.

 

ورغم هذه الأهمية واجه الغربيون مشكلات كبيرة في التعامل مع الميول السياسية المتقلبة لنظام القذافي ونزعته المناهضة للغرب، بعكس روسيا التي تمتعت بعلاقات ودية مع الجماهيرية الليبية منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث لعبت طرابلس دورا(2) مهما ومحوريا إبان الحرب الباردة كقاعدة للمصالح السوفيتية في البحر المتوسط، بينما تم تجهيز الجيش الليبي بالأسلحة السوفيتية بعد أن أظهر القذافي دعما مخلصا لرسالة موسكو العلنية المناهضة للإمبريالية الغربية حول العالم.

    

حاولت موسكو استخدام نظام القذافي كبوابة لتحقيق طموحها طويل الأمد للحصول على ميناء على شاطئ المتوسط لتوسيع نفوذها في أفريقيا وغرب آسيا

رويترز
   

وعلى الرغم من أن موسكو وطرابلس لم ينخرطا قط في تحالف رسمي ولم يُوقِّعا أي معاهدات دفاعية، كان المدربون العسكريون الروس ضيوفا دائمين في ليبيا، فعلى مدار عقد من الزمان وقّع (3) القذافي مع موسكو عقودا مختلفة تم بموجبها جلب أكثر من ألف مهندس ومدرب عسكري سوفيتي لدولته لبناء قاعدة صاروخية جديدة، وفي الوقت نفسه وطأ قرابة 11 ألف جندي سوفييتي الأراضي الليبية وشاركوا مع جيش القذافي في صراعات مختلفة، فيما جرى إرسال العديد من المسؤولين الليبيين للاتحاد السوفيتي لحضور دورات دبلوماسية متخصصة.

  

بالتوازي مع ذلك، سعى الليبيون والسوفييت لتعزيز علاقاتهم الاقتصادية عبر صفقات الطاقة وعقود البُنى التحتية، لكن هذه المساعي تعطلت فجأة أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وانضمام حكومة الاتحاد الروسي لنظام العقوبات الدولي ضد روسيا عام 1992، ما تسبّب في حقبة قصيرة نسبية من الانقطاع في العلاقات تم استئنافها بشكل قوي مع عودة ليبيا المفاجئة للنظام الدولي مطلع القرن الحادي والعشرين، ما دفع موسكو لتعزيز استثماراتها الإستراتيجية في الدولة المتوسطية.

 

على المستوى العسكري، حاولت موسكو استخدام نظام القذافي كبوابة لتحقيق طموحها طويل الأمد للحصول على ميناء على شاطئ المتوسط لتوسيع نفوذها في أفريقيا وغرب آسيا، وفي المقابل، كانت ليبيا دولة غنية بالنفط ومتعطشة للأسلحة السوفيتية في ظل حرمانها من السلاح الغربي، وتُوِّجت هذه المنافع المتبادلة باتفاق مثير للجدل وُقِّع عام 2011 قام بموجبه الروس بإسقاط ديون ليبيا خلال الفترة السوفيتية، والمقدرة بنحو 4.5 مليار دولار، مقابل تعهُّد ليبيا بشراء أسلحة روسية بقيمة تقترب من 4 مليارات دولار.

  

أما في المجال الاقتصادي، فقد ركزت موسكو مجددا على الإمكانات الكبيرة للاستثمار في البنية التحتية الناشئة وكذا احتياطات النفط الليبية، ووقّعت شركة السكك الحديدية الروسية الحكومية عقدا بقيمة 3.3 مليار دولار مع حكومة القذافي لبناء خط سكة حديد بطول 550 كيلومترا بين سرت وبنغازي، بخلاف استفادة الشركات الروسية من عقود بقيمة 150 مليون دولار في مشاريع البناء، فضلا عما يُقدَّر بـ 3.5 مليار دولار على الأقل من الصفقات الاستثمارية في مجال الطاقة.

   

في أعين "بوتين" كان الغرب والناتو هم مَن أطاح بنظام القذافي وليس الثوار الليبيين، ونتيجة لذلك لم يتوانَ عن إظهار إدانته العلنية لسياسة "مدفيديف" في ليبيا

رويترز
   

لكن هذه العلاقات المتنامية تعرّضت لهزة كبيرة نتيجة الانتفاضة الليبية، فمع تصعيد القذافي لحملته العنيفة ضد المتظاهرين، ورغبة الرئيس الروسي "مدفيديف" في إصلاح علاقات بلاده مع الغرب، وجدت روسيا نفسها مضطرة للانحياز للتدابير العقابية الغربية ضد طرابلس أملا في أن هذه التدابير ستُثني الدول الغربية عن التدخل بشكل مباشر في ليبيا، ونتيجة لذلك امتنعت روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973 والذي تم بموجبه فرض حظر طيران على معظم الأجواء الليبية إضافة لتجميد الأصول المالية لمعظم رموز نظام القذافي وفرض حظر سفر عليهم.

 

من وجهة نظر(4) الروس كان أقصى ما يستطيع قرار مجلس الأمن تقديمه هو منح الثوار الليبيين مساحة لالتقاط الأنفاس ومنع المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان من قِبل نظام القذافي دون التأثير على مستقبله نفسه، لذا فوجئت موسكو بأن قرار حظر الطيران الأممي شكّل الأساس لتحالف غربي واسع النطاق يريد الإطاحة بالقذافي مباشرة، بما عنى أن ما بدأ كجهد لتأمين الدولة الليبية وحماية شعبها سرعان ما تحوّل إلى ممارسة قوة هدفت لتغيير النظام وزعزعة الاستقرار، خاصة بعد تقارير أشارت إلى مشاركة القوات الخاصة البريطانية والفرنسية في المعارك الرئيسة في الحرب ضد القذافي.

 

في أعين "بوتين" كان الغرب والناتو هم مَن أطاح بنظام القذافي وليس الثوار الليبيين، ونتيجة لذلك لم يتوانَ عن إظهار إدانته العلنية لسياسة "مدفيديف" في ليبيا، وهي إدانة يمكن اعتبارها بداية توجُّه جديد في السياسة الروسية ظهرت ملامحه مع عودته للرئاسة الروسية عام 2012، مُبدِّدا الأمل في حدوث أي تقارب بين روسيا والغرب، ومُدشِّنا عصرا جديدا من السياسات الروسية التدخلية والحازمة التي لم تكن ليبيا بمنأى عنها أيضا.

 

روسيا الحازمة

تسبّب انهيار نظام القذافي في القضاء على العلاقة الروسية الليبية الناشئة، وأحبط خطط روسيا الاقتصادية والعسكرية هناك، لذا استغرقت موسكو عدة أسابيع قبل أن تُقرِّر الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي لكن بعد أن تعهّد المجلس باحترام العقود الخارجية التي أبرمها نظام القذافي معها، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لإيقاف الخسائر الروسية في ليبيا، حيث تسبّبت عقوبات الأمم المتحدة على طرابلس في خسارة موسكو لأربعة مليارات دولار من العقود بما في ذلك عقد بقيمة 600 مليون دولار لتزويد ليبيا بأنظمة مضادة للصواريخ، فضلا عن تأجيل المشروع الطموح لخط السكة الحديدية بين بنغازي وسرت.

   

  

خسرت موسكو أيضا مقعدها على طاولة المفاوضات الليبية، ولم تتم دعوتها لحضور أول اجتماعين لفريق الاتصال الدولي المعني بليبيا في الدوحة وروما، وهو فريق تم إنشاؤه في لندن في مارس/آذار 2011 وتألّف من ممثلين عن 40 دولة إضافة إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، وردا على ذلك رفضت موسكو بدورها الدعوات التي وصلتها لحضور الاجتماعين التاليين في أبوظبي وإسطنبول.

 

على مدار الأعوام التالية، خفت الحضور الروسي في المشهد الليبي بشكل ملحوظ، وتحديدا حتى شهر أبريل/نيسان عام 2015 حين سافر رئيس الوزراء "عبد الله الثني" المقيم في طبرق لروسيا بدعوة من الكرملين بهدف استئناف العلاقات الثنائية، لكن الروس ظلّوا عاجزين عن تأسيس وجود لهم في ليبيا بسبب عدم وجود حكومة موحّدة تسيطر بشكل فعلي في ظل انقسام البلاد بين مركزين للسلطة في الشرق والغرب، في طبرق وطرابلس.

 

وجدت روسيا نفسها إذن مضطرة لتنحية جهودها لاختراق الساحة الليبية مجددا بعد أن قررت التدخل عسكريا في سوريا في العام نفسه دعما لحليفها الأقرب في المنطقة "الأسد"، في مواجهة ما نظرت إليه على أنه محاولات غربية للإطاحة بالنظام السوري أسوة بالقذافي، وبدا أن تجربة التدخل الغربي بليبيا دفعت روسيا لتطوير مقاربة أكثر حزما في حماية الأنظمة الموالية لها من محاولات إسقاطها سواء من قبل الانتفاضات الشعبية أو التدخلات الغربية، وهي مقاربة جربتها الروس أولا في أوكرانيا بعد أن قرروا مواجهة المساعي لتغيير النظام الموالي لهم في البلاد بالاستيلاء عسكريا على شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم في سوريا حين نجح تدخلهم في قلب الموازين واستعادة ميليشيات "الأسد" للسيطرة على مساحات واسعة من الأرض.

     

  

مع اقتراب نهاية عام 2017، بدا أن سياسات روسيا الحازمة تؤتي أُكلها، وباتت مستعدة فيما يبدو للعودة مجددا للساحة الليبية مع طموحات لتوسيع وجودها العسكري على البحر المتوسط من طرطوس السورية لبنغازي الليبية، واختار الروس الدخول لليبيا من بوابة "مكافحة الإرهاب" العالمية الأثيرة ما جعلها تُشكِّل تحالفا طبيعيا مع ميليشيات ما يُسمّى بـ "الجيش الوطني الليبي" بقيادة "حفتر"، مَن كان يقود حربا شعواء للسيطرة على البلاد ضد حكومة الوفاق الوطني المُعتَرف بها دوليا تحت شعار "مكافحة الإسلام الراديكالي"، وبدعم من الإمارات العربية المتحدة ومصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقد لعب الأخير دورا كبيرا على الأرجح في إقناع موسكو بدعم حفتر مستغلا ولع الروس بتثبيت أنظمة الحكم الأوتوقراطية التي تعكس هياكل مشابهة للحكم الروسي.

 

كان معظم الدعم الروسي الموجَّه لحفتر في البداية خفيا وغير مباشر، واقتصر على توفير(5) الدعم الفني والمستشارين لقاعدة حكمه بـ "بنغازي" انطلاقا من قاعدة شيّدتها روسيا في غرب مصر نهاية عام 2015، وبعد فترة وجيزة بدأ الروس في زيادة دعمهم السياسي لحفتر ومجلس النواب المنحل في طبرق عبر التدخل في السياسة النقدية، حيث تولوا مهمة طباعة الدينار الليبي غير الرسمي الذي تستخدمه الحكومة في الشرق، وبذلك دعمت موسكو بشكل فعلي الاستقلال المالي للحكومة الشرقية، وفي المقابل تمت مكافأة الروس من قبل حفتر وحكومة الشرق بصفقات نفطية ووعود باستئناف الصفقات الاستثمارية التي تعود لعهد القذافي، وبخلاف ذلك نجحت روسيا في الحصول على موافقة حفتر لاستئناف دورها كمفاوض رئيس في القضية الليبية.

 

حينها، بدأت موسكو في إعطاء الضوء الأخضر للمتعاقدين العسكريين الخاصين للتدفق للأراضي الليبية، وفي عام 2018 التقى حفتر بوزير الدفاع الروسي "سيرغي شويغو" بحضور "يفغيني بريغوجين"، رجل الأعمال الروسي المقرب من بوتين ومالك شركة "فاغنر" للخدمات الأمنية الخاصة، وهو لقاء يعتقد(6) أنه وضع الرتوش الأساسية على صفقة تدفَّق بموجبها مئات المرتزقة الروس للقتال في صفوف قوات حفتر، تدفُّق تعزَّز مع إعلان الجنرال الليبي عزمه الزحف عسكريا نحو العاصمة طرابلس في أبريل/نيسان للعام الماضي 2019، رفقة العديد من المعدات العسكرية الروسية كالعربات المدرعة وقذائف الهاون ووحدات المدفعية ومضادات الصواريخ التي يُرجّح أنها كانت مسؤولة عن إسقاط طائرة بدون طيار أميركية قُرب طرابلس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أيضا، ولعبت تلك المعدات دورا في تعديل ميزان القوة العسكرية للحرب الأهلية لصالح حفتر وحلفائه.

      

فشلت المحاولات المتعاقبة لحفتر منذ عام 2014 لبسط سيطرته العسكرية على كامل ليبيا أو تحصيل الاعتراف الدولي بشرعيته

الجزيرة

     

صُنّاع الملوك

هدف تكثيف موسكو من دعمها لحفتر لتأمين أكبر قدر ممكن من النفوذ حال نجحت حملة الجنرال الليبي في السيطرة على طرابلس، رغم أن العديد من دوائر صناعة القرار الروسية شعرت بشكوك كبيرة(7) حول فرص نجاحه في ذلك، خاصةً في ظل تعدُّد الفاعلين على ساحة المعركة وعدم امتلاك أيٍّ منهم ما يكفي من القوة للتغلُّب على الآخرين والسيطرة على السلطة بمفرده.

  

ورغم ذلك وفَّر الدعم الروسي الظاهر لـ "حفتر" إغراء لا يمكن مقاومته لعقد المقارنات بين سياسات روسيا في سوريا ودعمها لنظام الأسد وبين رهانها على حفتر، ومما لا شك فيه فإن روسيا استثمرت كثيرا في حفتر وتم استقباله في موسكو كزعيم شرعي لدولة أجنبية من قِبل وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" ووزير الدفاع "شويغو" ووزير مجلس الأمن "نيكولاي باتروشيف"، وقد تسبّبت الصور التي التقطها حفتر على متن حاملة الطائرات الروسية الأدميرال "كوزنتسوف" في يناير/كانون الثاني 2017 في أعقاب رحلة لها لشواطئ سوريا في إثارة التوقعات(8) بأن ليبيا ستكون هي المحطة التالية للتدخل العسكري الروسي في المنطقة، ولكن هذه المقارنات تجاهلت أن هناك فوارق عديدة لا يمكن تجاوزها بين الأسد وحفتر من ناحية، وبين سوريا وليبيا من ناحية أخرى، وهي فوارق تعني أن رؤية موسكو للصراع في ليبيا ستظل مختلفة لحدٍّ بعيد عن مقاربتها للصراع السوري.

   

حفتر يزور حاملة الطائرات الروسية "أدميراال كوزنيتسوف" في البحر المتوسط  (مواقع التواصل)

   

بدايةً، فإن مصالح روسيا في ليبيا -على أهميتها- لا يمكن مقارنتها بمصالحها في سوريا، فلم يكن نظام القذافي حليفا لموسكو بالمعنى التقليدي كما كان نظام الأسد في عهد الأب والابن، ولم تمتلك روسيا في أي وقت هذا الحجم من الأصول البشرية والسياسية والعسكرية أو النفوذ داخل النظام السياسي الليبي مقارنة بما امتلكته ولا تزال في دمشق، وعلى رأس هذه الأصول بالطبع القاعدة البحرية في طرطوس والتي تُعَدُّ القاعدة الوحيدة لروسيا على البحر المتوسط، وبخلاف ذلك فإن إيران تدخّلت بالفعل في سوريا دعما لنظام الأسد، وهو ما ضمن للروس أنهم لن يتحمّلوا وحدهم العبء البشري والاقتصادي لدعم الأسد، فضلا عن الاختلاف الواضح بين الأسد نفسه الذي تملك عائلته تاريخا طويلا من العلاقات الوثيقة مع موسكو، وبين حفتر صاحب الجنسية الأميركية ومن نظرت إليه موسكو حتى وقت قريب بوصفه عميلا لواشنطن، وما زالت تُعامله بحذر حتى الآن.

 

أما الأهم من ذلك فيتجلّى في أن المؤسسة العسكرية السورية ظلّت متماسكة وقوية رغم سنوات الحرب الطويلة -باستثناء انشقاقات محدودة-، وهو ما ضمن لنظام الأسد السيطرة على معظم أراضي البلاد، على النقيض من الوضع في حالة ليبيا وحفتر، ففي حين أن الجيش الليبي قد تفكّك بشكل كامل تقريبا بعد مقتل القذافي، فشلت جميع الحكومات في السيطرة على كامل البلاد، كما فشلت أيضا المحاولات المتعاقبة لحفتر منذ عام 2014 لبسط سيطرته العسكرية على كامل ليبيا أو تحصيل الاعتراف الدولي بشرعيته، حيث لا تزال هناك العديد من الفصائل التي ترفض الانضواء تحت لوائه المثير للجدل، بما يشمل خصومه في حكومة الوفاق والمقاتلين الأقوياء في مصراتة.

 

نتيجة لذلك، ورغم أن موسكو قدمت الدعم -بما في ذلك الدعم العسكري- لحفتر أكثر مما قدمت لأي فصيل آخر، فإنها ظلّت حريصة في الوقت نفسه على التحوُّط في رهاناتها عبر إقامة علاقات متوازنة مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، حيث تم استقبال السراج في موسكو عام 2017 قبل أن تتوسط روسيا في العام نفسه لعقد اجتماع يجمع بين حفتر والسراج على أراضيها، وواصلت روسيا تأييدها الرسمي لجهود الأمم المتحدة لصنع السلام الليبي، في وقت رفضت فيه دعوات حفتر للتدخل لنقض اتفاق حظر الأسلحة بشكل رسمي، وحرصت على إبقاء دعمها العسكري للجنرال الليبي طيّ الكتمان دون غطاء سياسي صريح، وهو ما ظهر مثلا في تأكيد "بوتين" أن وجود المرتزقة الروس في صفوف قوات حفتر لا يحظى بمباركة رسمية من الكرملين، ثم التقارير التي تلت ذلك حول بدء انسحاب هذه القوات مؤخرا.

   

  

في ضوء ذلك، يمكننا القول إن إستراتيجية موسكو النهائية في ليبيا تتمثّل(9) في تقديم نفسها كوسيط بين الشركاء المتنافسين في البلاد بدلا من هندسة نصر كامل لصالح حفتر، وترى فيما يبدو أن مصالحها ستتم خدمتها بشكل أفضل من خلال حكومة ائتلافية يتولى حفتر قيادة الجيش فيها وليس من خلال حكومة يسيطر عليها هو وحده، حيث يضمن الحل الأول قدرا من المصالحة السياسية بين مختلف الأطراف المتحاربة في البلاد وبالتالي تحقيق مصالح روسيا وأهدافها طويلة الأجل هناك.

 

يمكننا إجمال هذه الأهداف الروسية في ليبيا في ثلاثة أمور رئيسة(10)، أولها أن موسكو تأمل في أن تنجح بتنصيب سلطة سياسية صديقة تضمن لها مكانة متميزة في عقد الصفقات الاقتصادية من أجل تعويض الخسائر التي مُنيت بها مع رحيل نظام القذافي، حيث تضع نصب عينيها أمرين رئيسين في هذا السياق هما عقود الطاقة المربحة (بدأت شركة روزنفت الروسية بالفعل في شراء النفط الليبي بموجب عقد سنوي منذ عام 2016)، ومشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار.

 

وثانيها أنها تتطلّع لأن تساعدها العلاقة الوطيدة مع الليبيين في تعزيز وجودها العسكري على البحر المتوسط ومنحها موطئ قدم جديدا على الممر المائي الإستراتيجي للبوابة الجنوبية لأوروبا، مما قد يسمح لها بإبراز قوتها بالقرب من شواطئ القارة العجوز والتحكم في إمدادات الطاقة لدولها وإحباط أي محاولات للغرب لعزل غاز الروس الطبيعي عنهم، وأخيرا تسعى موسكو لاستخدام ليبيا كدليل جديد على موثوقيتها كوسيط في الأزمات الإقليمية، وقدرتها على تنظيف الفوضى التي تخلّفها التدخلات الغربية، بما يصاحب ذلك من صورة دعائية عالمية كصانع للسلام.

     

أثبتت أنقرة وموسكو أنهما قادرتان على الاستفادة من عملهما الدبلوماسي المشترك في سوريا من أجل الوصول لصيغة لتحقيق مصالحهما معا في ليبيا

رويترز
     

بعبارة أخرى، ترغب روسيا في مواصلة لعب دور صانع الملوك الجديد في ليبيا بصرف النظر عن هوية الملك الذي سيتم تنصيبه في نهاية المطاف، وعلى عكس الحال في سوريا، لا تحمل موسكو ولاء لفصيل أو حليف بعينه في طرابلس إلا بقدر قدرته على خدمة مصالحها، وفي حين أن الحكومة الروسية لديها القليل لتخسره مقارنة بالحكومات الغربية المهددة بعدم الاستقرار في ليبيا، فإنها ليست في عجلة لحسم الصراع لصالح طرف بعينه، وترى أن توازن القوى الحالي يوفر لها أفضل الفرص لخدمة مصالحها الاقتصادية والأمنية وزيادة رأسمالها السياسي في منطقة الشرق الأدنى، لكن مصالحها في ليبيا تظل غير كافية لدفعها للانخراط في جهد عسكري مباشر لدفع فصيل ضد آخر بشكل واضح، وبدلا من ذلك من المتوقع أن يستمر الروس في اللعب مع جميع الأطراف، في وقت يقدمون فيه أنفسهم كرعاة يعتمد عليهم للمفاوضات والتسويات الدولية مقارنة بالأميركيين وحلفائهم.

 

ونتيجة لذلك، فإن موسكو لم تشعر بالانزعاج على الأرجح مع إعلان تركيا الأخير إرسال قواتها لليبيا دعما لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا على أساس معاهدة التعاون الأمني التي تم توقيعها بين البلدين نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم مع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بينهما، وقد أثبتت أنقرة وموسكو أنهما قادرتان على الاستفادة من عملهما الدبلوماسي المشترك في سوريا من أجل الوصول لصيغة يتم عبرها تحقيق مصالحهما معا في ليبيا، وهو ما ظهر جليا في اتفاق وقف إطلاق النار بين الفرقاء الليبيين الذي أعلنت أنقرة وموسكو التوصل له مؤخرا وكان من المفترض أن يدخل حيز التنفيذ منذ ثلاثة أيام في 12 يناير/كانون الثاني الحالي بعد توقيع كلٍّ من حفتر وحكومة الوفاق عليه في موسكو، وهو الاتفاق الذي تراجع حفتر عن توقيعه في اللحظة الأخيرة بضغوط من الإمارات كما نُرجِّح.

 

في ضوء ذلك، من المرجح كذلك أن انسحاب حفتر المريب من وقف إطلاق النار الذي ترعاه روسيا وأنقرة سيزيد من قناعة الروس بعدم جدوى الاعتماد على الجنرال الليبي المنشق كحليف موثوق، خاصة مع التقارير التي تُشير إلى فقدانه السيطرة على توجُّهات بعض ميليشياته التي أصرّت على استكمال الحملة العسكرية ضد طرابلس، وسيُعزِّز هذا التصرف أيضا من رغبة موسكو في إيجاد حل متوازن يضم جميع الأطراف، وربما يدفع موسكو لتعزيز تعاونها مع أنقرة، الوافد الجديد للساحة الليبية، وممارسة ضغوط إضافية على الجنرال الليبي من أجل إجباره على القدوم لمائدة المفاوضات مجددا ومقاومة ضغط بعض قادة ميليشياته وبعض حلفائه الإقليميين، وربما يعطي الكرملين الضوء الأخضر لأنقرة وحلفائها لتلقين حفتر درسا عسكريا طالما أن ذلك سيخدم أجندة الروس.

    

  

في نهاية المطاف، يبقى الإنجاز الأكبر الذي يريد بوتين تحقيقه في ليبيا ليس جلب الانتصار لطرف على آخر، أو الحصول على القاعدة العسكرية المأمولة على البحر المتوسط، أو حتى استعادة العقود المليارية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، بقدر ما هو أن تُثبت روسيا لنفسها ولحلفائها وللعالم صواب روايتها المركزية بأنها قادرة على إصلاح ما تهدمه سياسات الولايات المتحدة والغرب، وأنها قادرة على تحقيق نتائج سياسية دائمة في تدخلاتها الخارجية دون غزوات برية مُعقَّدة أو حملات جوية مُكلِّفة، ويبقى هذا النصر الرمزي والنفسي هو المكافأة الأكثر قيمة لسياسة موسكو في ليبيا على الإطلاق.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار